توقفنا في المقالة السابقة عند الأحداث التي وقعت إبان حكم المنصور بن المهدي عباس، من توسع الدولة السعودية الأولى في السواحل الغربية لليمن واضطرار الإمام المنصور – تحت ضغط الصراعات الداخلية مع الأئمة والسخط الشعبي – للدخول في طاعة السعوديين.

استمر تدهور الأوضاع تحت حكم المنصور حتى وصل إلى حد عجز الدولة عن سداد مرتبات الموظفين والجنود. أدت هذه الظروف إلى قيام القاضي العنسي بمساندة القبائل بمحاصرة صنعاء، كما منع الإمام المنصور ابنه أحمد الذي اجتمعت حوله قبائل سنحان وبني الحارث وهمدان من دخول صنعاء بعد محاولته صد الوهابيين.

قامت عدة وساطات لحل أزمة حصار صنعاء، وفي النهاية سمح المنصور لأحمد ومن حوله بدخول صنعاء لتعم الفوضى في المدينة ولتزداد الأسعار غلاءً فوق الغلاء الذي تسبب فيه القحط والسياسات الاقتصادية الخاطئة للمنصور، الذي كان يعمد لإصدار عملة جديدة للتعامل مع الأزمات مما استنزف احتياطي الفضة في الدولة.

استمر أحمد بن المنصور بقيادة الجنود في المطالبة بمستحقاتهم، واستمر المنصور ووزيره العلفي بالإصرار على عدم دفعها، مما أدى في نهاية الأمر بقيام أحمد بانقلاب على والده ووزيره ليصبح بذلك أحمد المتوكل إمامًا جديدًا. حاول أخو الإمام أحمد التمرد على أخيه بذريعة الانتقام لوالديهما، إلا أن أحمد تمكن من إخماد التمرد.

إن فكر الإمام الهادي ظل حافزًا لكل الأسر الهاشمية للتمرد وادعاء الإمامة، فها هو المتوكل أحمد، رغم إقصائه لوالده وإخوته، يخرج عليه آل شرف الدين من كوكبان ويوقفون الدعوة له بالمساجد وصك العملة باسمه، بل ويتحالفون مع الشريف حمود بركات ضده.

تمكن الإمام المتوكل من إيقاف تمرد آل شرف الدين والسيطرة على كوكبان بعد أن أمنهم وأحسن إليهم. لم يستمر الهدوء بين الوهابيين والهادويين طويلًا نتيجة اختلاف الأيدلوجية الدينية لكلا الطرفين، وانحل عقد تحالفهم بطلب الوهابيين من الهادويين هدم الأضرحة التي يبنيها الأئمة قبورًا لهم، وهو ما لم يستجب المتوكل له بالطبع، وقرر التخلص من نفوذهم عبر التحالف مع محمد علي باشا الذي أوكلت إليه مهمة القضاء على الدولة السعودية، لكن خروج الوهابيين من اليمن تم بعد وفاة المتوكل بثلاث سنوات.

تعرض حكم المتوكل أيضًا لتمرد قبائل برط وأرحب لكنه نجح في تشتيتهم وأوقع بينهم وبين القبائل الأخرى لتدفع هذه القبائل فاتورة غالية نتيجة تمردهم. وبعد وفاة الإمام المتوكل تولى الإمامة ابنه المهدي، ونلاحظ أن الإمامة أصبحت منصبًا متوارثًا، رغم أنها ليست كذلك حسب الفكر الهادوي.

كان المهدي مشابهًا لجده المنصور في سوء الإدارة والرعونة والبذخ، إذ أنه أشعل فتنة بين قبائل أرحب ونهم قُتل فيها الكثير. كذلك تم في عهد هذا الإمام هزيمة السعوديين والقضاء على دولتهم بواسطة الجيوش المصرية، وعادت السواحل الغربية لسلطة الإمام المهدي بعد أن أقر المصريون بسلطته عليها مقابل دفع مبلغ مادي.

تولى الإمامة بعد المهدي ابنه علي، والذي كان أكثر رعونةً وفسادًا من والده، لدرجة أنه عُزل وأعيد تنصيبه عدة مرات. شجع وجود إمام ضعيف غير مقبول كهذا الكثير على ادعاء الإمامة، فادعى الإمامة قاسم بن منصور، والذي لم يكن أصلح من علي بن المهدي، فقد تفاوض قاسم بن علي مع القائد المصري إبراهيم يكن على بيع تعز للمصريين، وهو ما تم مقابل 10 آلاف ريال وراتب شهري للقاسم قدره أربعة آلاف ومسكن بالمخا. كذلك خرج على علي بن المهدي حسين بن علي المؤيدي وعرف عن المؤيدي هذا مبالغته في التشيع.

انتهت إمامة المنصور علي بن المهدي بخلعه نتيجة فساده وضعفه، وكما رأينا في سير الأئمة السابقين يعتبر خلع إمام حدث نادر.

بعد خلع المنصور تولى الإمامة عبد الله بن حسن بن أحمد بن المهدي وتلقب بالناصر. كما يدل اسمه فالناصر من أسرة المهدي، لكن يبدو أنه من الفرع المهمش من الأسرة، لهذا فقد انعكس ما مر به فرع أسرته من تهميش على شخصيته، فقد اتسم بالغلظة والقسوة الشديدتين، كما عرف عنه المبالغة في التشيع.

حاول الناصر طرد المصريين من تعز وحاربهم، لكن المصريين بمساندة قبائل المنطقة الذين فضلوا الوقوف إلى جانب المصريين على مساندة الناصر تمكنوا من صد هجوم الناصر واضطروه للعودة لصنعاء. خلق الناصر لنفسه بغلظته في التعامل وبطشه للقبائل الكثير من العداوات، لهذا كانت نهايته سابقة في تاريخ الأئمة، فقد نصبت له قبائل همدان كمينًا أثناء عودته من إحدى معاركه ونجحت في اغتياله.

تسبب مقتل الناصر بهذه الطريقة إلى اشتعال حرب بين قبائل أرحب وهمدان قتل فيها الكثير. وبهذا انتهت سيرة الناصر بعد أن مات في عهده وبسبب مقتله الآلاف.

 إن من أبرز الأحداث في تاريخ اليمن خلال هذه المدة هو سقوط عدن بيد الإنجليز، وعلى الرغم من أن الأئمة لم يكونوا يحكمون عدن في هذه الفترة، إلا أن صراعاتهم ومشروعهم تمكن من الحيلولة دون قيام دولة قوية في اليمن، وقضى على دورها في الأحداث على الساحة العربية أو الإسلامية نتيجة الاضطرابات والحروب الأهلية المستمرة.

على الرغم من انشغال اليمن بصراعاته في هذه المدة، إلا أنها كانت جزءًا من مشروع محمد علي باشا لإقامة دولة جديدة قوية، تمكنت من السيطرة على الشام وهددت الدولة العثمانية في الأناضول.

كما هو معلوم نجحت بريطانيا والدولة العثمانية في الإجهاز على مشروع محمد علي، لكنه ظل مسيطرًا على تعز في اليمن كما ذكرنا. كان الدافع الرئيسي للإنجليز لدخول عدن هو موقعها الاستراتيجي على الطريق إلى مستعمراتهم الشرقية، لكنهم أيضًا أرادوا القضاء على نفوذ محمد علي في اليمن.

قام الإنجليز أولًا بإنشاء محطة الفحم في جزيرة كمران، ثم اختلقوا ذريعة الاعتداء على سفينة إنجليزية لاحتلال عدن عام 1839 ميلادية، أما خروج المصريين من اليمن فقد تم سنة 1259 هجرية كما سنفصل لاحقًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد