توقفنا في المقالة السابقة عند اغتيال الناصر على يد قبائل همدان وما تسبب فيه اغتياله من فتنة بين قبائل شمال الشمال، كذلك تطرقنا إلى احتلال الإنجليز لعدن واضطرار المصريين للانسحاب من تعز بعد أن تكالبت القوى العظمى على مشروع محمد علي في إنشاء دولة إسلامية جديدة مركزها مصر. بعد مقتل الناصر أخرج الجند محمد بن المتوكل وعلي بن المهدي – الذي عُزل سابقًا – من السجن ونصبوا محمد بن المتوكل إمامًا وتلقب أولًا بالمتوكل ثم بالهادي.

أدى خروج المصريين في هذه الأثناء من تعز لحالة فراغ كبيرة في المناطق الوسطى، استغلتها القبائل، وعلى رأسها قبائل بكيل، في استغلال حاجة الناس. تجمع الناس في هذه الظروف حول الفقيه سعيد بن صالح بن سعيد العنسي. كان أول ظهور للعنسي متصوفًا ثم مصلحًا اجتماعيًّا وأصبح مع الوقت ملاذًا للبسطاء من بطش القبائل في المناطق الوسطى واكتسب شعبية في هذه المناطق خاصة أن الناس في هذه المناطق لم يترسخ في أذهانهم الفكر الهادوي كمناطق شمال الشمال.

استغلال القبائل وحالة الفراغ وعدم ترسخ الفكر الهادوي بين أبناء القبائل الوسطى، وعدم إيمانهم بفكرة الحق الإلهي، مكنت الفقيه العنسي من قيادة ثورة ضد حكم الهادي، واستغلال القبائل، وقد حقق العديد من الانتصارات على الهادي.

إن ثورة الفقيه العنسي رغم ما تعرضت له شخصيته من تشويه على يد أنصار فكرة الإمامة والحق الإلهي شكلت تهديدًا حقيقيًّا لحكم الهادي لكن ترسخ الفكر الهادوي لدى قبائل شمال الشمال كان سلاح الهادي الذي مكنه من النصر دون حول له ولا قوة.

ادعت قبائل خولان وبكيل الدخول تحت طاعة الفقيه العنسي ودخلت ضمن قواته، لكنها غدرت به خلال معاركه مع الإمام الهادي وسلمته للامام الهادي ليقوم الأخير بإعدامه والقضاء على ثورته. رغم ما قامت به قبائل خولان وعلى رأسها النقيب أبو حليقة، من خيانة لليمنيين لأجل مشروع الإمامة ولحكم الهادي، قام الهادي بعد انتصاره بإعدام النقيب أبو حليقة.

استمرت الصراعات في عهد الهادي، سواء مع أدعياء الإمامة أو مع قبائل شمال الشمال، التي على الرغم من أنها أصبحت تعادي أي مشروع ينازع الإمامة ولا تقبل بأي حاكم من غير البطنين لكنها تحارب الأئمة لأجل مصالح كبارها. استمر حكم الهادي قرابة الأربع سنوات وبعد وفاته جرى تنصيب علي بن المهدي إمامًا مرةً أخرى. اعتمد المهدي كأسلافه على تأليب القبائل بعضها على بعض والتنكيل بها لإخضاعها وإطالة أمد حكمه.

على الرغم من اعتماد جميع الأئمة ومنهم المهدي على الحجج الدينية، كتكفير خصومهم، فهم لم يحاولوا أبدًا محاربة الإنجليز في عدن لتحريرها، رغم توفر الحجة الدينية بحق في هذه الحالة. خرج على الإمام المهدي محمد بن يحيى المنصور وراسل محمد علي باشا في مصر لإقناعه بدخول اليمن، لكن رغبة محمد علي وقتها في إقامة دولة كبرى تلاشت وأصبح مقتصرًا على حكم مصر. لم يستسلم المنصور حينها وتحالف مع الشريف حسين بن يحيى حيدر في تهامة ضد المهدي. دخل الاثنان في حروب مع المهدي، وتمكنا من مد نفوذها حتى ريمة وتعز.

في الوقت نفسه لم يكن حكم المهدي في صنعاء مستقرًّا فقد أدت سياسات المهدي الجائرة في صنعاء لقيام الأهالي بثورات على مستوى الحارات. مكنت هذه الظروف محمد بن يحيى المنصور والشريف حسين من هزيمة المهدي في معركة فاصلة بنقيل يسلح، تنازل المهدي على إثرها عن الإمامة للمنصور وأصبح محمد بن يحيى المنصور إمامًا جديدًا وتلقب المتوكل.

لم يستمر تحالف الأشراف في تهامة والإمام الجديد في صنعاء فقد رغب الإمام المتوكل بمد نفوذه إلى تهامة وانقلب على حليف الأمس الشريف حيدر وبالفعل تمكن من جمع القبائل وهزيمة الشريف حسين بن يحيى حيدر. تواصل الأشراف، تحت تأثير هزائمهم أمام الإمام المتوكل، مع والي العثمانيين في مكة لدعوة العثمانيين لدخول اليمن. قام الباب العالي إثر ذاك بتوجيه الأوامر لوالي العثمانيين بالحجاز توفيق باشا وأمير مكة الشريف محمد بن عون بالتوجه نحو اليمن ووصل العثمانيون إلى الحديدة سنة 1849 ميلادية. لم يرد المتوكل أن يصبح عدوًّا للأتراك وأدرك عدم قدرته على مواجهتهم؛ لذا عرض عليهم تسليم صنعاء، وفتح لهم قصر بستان السلطان لكن أهالي صنعاء لم يقبلوا بدخول الأتراك صنعاء وهاجموا الجنود الأتراك فور بداية تحركهم في أسواق المدينة، واستمرت المواجهات لعدة أيام قتل فيها مئات الجنود وحوصر العثمانيون ببستان السلطان حتى جرى الاتفاق على خروجهم من صنعاء. أدت هذه الأحداث إلى خلع المتوكل وإعادة تنصيب علي بن المهدي مرة أخرى، والذي أعدم المتوكل وسلب أمواله بحجة الخيانة وإدخال الأتراك صنعاء.

مع عودة المهدي عادت الصراعات للاشتعال مرة أخرى، حيث شهدت فترات حكمه خروج أعداد قياسية من مدعي الإمامة لدرجة أن عدد مدعي الإمامة في الفترة بين 1251-1277 هجرية وصل إلى ثلاثين إمامًا.

من الصعب ذكر أسماء وسير جميع من ادعى الإمامة خلال هذه المدة كما أن معظمهم لم يفعلوا شيئًا عدا إثارة الصراعات ككل الأئمة، لكن الأمر المثير للاهتمام هو مسارعة الناس لمبايعة الأئمة حتى وإن بايعوا أكثر من إمام في آن واحد؛ ظنًّا منهم أنهم يؤدون واجبًا دينيًّا، أو هربًا من ظلم أئمتهم.

عاد الأتراك لدخول صنعاء للمرة الثالثة بدعوة من علي بن المهدي ووزيره أحمد بن محمد الكبسي ليستعينوا بهم على خصومهم، رغم أن ابن المهدي نفسه حرض اليمنيين على الأتراك إبان حكم المتوكل، بل أعدم المتوكل بحجة أنه أدخل الأتراك، وهو ما يثبت أن القضية ليست قضية سيادة أو رفض لحكم الغريب لليمن. استُقبل الوزير العثماني أحمد مختار باشا في صنعاء ليبدأ الحكم العثماني الثاني لصنعاء حتى خروجهم نهائيًّا من اليمن سنة 1918 ميلادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد