توقفنا في المقالة السابقة عند دخول العثمانيين صنعاء للمرة الثالثة سنة 1849 ميلادية، بدعوة من الإمام علي بن المهدي ووزيره الكبسي. وذكرنا كذلك أن دافع الإمام علي بن المهدي من دعوة العثمانيين لليمن هو الاستقواء بهم على خصومه والاستعانة بهم للسيطرة على الأوضاع غير المستقرة.

حاول والي العثمانيين أحمد مختار باشا تقليص نفوذ الأئمة، فمنع اختلاطهم برؤساء العشائر ومنعهم من استخدام الخدم والجنود وخصص لهم بالمقابل راتبًا شهريًا، ثم بدأ ببيع أملاكهم. بعد مرور عدة أشهر من وصول العثمانيين دخلوا في حروب مع بيت شرف الدين الذين كانوا يحكمون كوكبان، وتمكنوا بعد شهور من الحصار من إجبار أحمد بن شرف الدين على تسليم كوكبان، وبقي بها حتى وفاته. بعد ذلك بعدة أشهر دخل العثمانيون في حروب مع قبائل الحدا وتمكنوا من إخضاعها.

نجد أن العثمانيين لم يتعلموا من أخطائهم السابقة، فهم يلجأون للقوة في إخضاع القبائل ويزيدون من العداوات التي لم تمت منذ حكمهم الأول لليمن، وهم كذلك لا يحاولون محاربة الفكر الهادوي والقضاء عليه بنشر الوعي والمنهج الديني الصحيح، وهو ما ساعد الأئمة، كما سنرى لاحقًا، على تهييج القبائل على العثمانيين بنفس مبررات الماضي.

كان من أوائل الولاة العثمانيين الوالي مصطفى عاصم، وقد تمردت في عهده قبائل أرحب وحاشد ودخل معها في حروب قتل فيها الكثير من الطرفين وانتهت بعقد الصلح. يبدو أن الوالي مصطفى عاصم أدرك خطورة الفكر الهادوي على حكم العثمانيين لليمن، لهذا فقد قام بحبس 40 من فقهاء الهادوية في تهامة، ومنهم محمد يحيى حميد الدين، والد الإمام يحيى.

قد تنجح هذه الوسيلة في محاربة أي فكر على المدى القصير، لكن كما ذكرنا سابقًا لم يدرك الأتراك أهمية محاربة الفكر وتصحيح المنهج الديني للقبائل.

في سنة 1259 هجرية جاء الوالي إسماعيل حقي باشا خلفًا لمصطفى عاصم وقام الوالي الجديد بإطلاق سراح فقهاء الهادوية، كما توفي في نفس السنة محسن بن أحمد الشهاري أحد أهم أئمة الهادوية في هذه الحقبة. استقرت الأوضاع كثيرًا في عهد الوالي الجديد بسبب سياساته العادلة والحكيمة، والتي كان من أبرزها إنشاؤه جيشًا من اليمنيين تمكن من إخماد حركات التمرد.

نظرًا لنجاح فكرة تشكيل جيش من اليمنيين طلب الوالي اسماعيل حقي زيادة عدد الجنود اليمنيين وإرسال الجنود الأتراك إلى الأناضول إلا أن طلبه قد أسيء فهمه، فقوبل بالرفض من الباب العالي، وتم عزل هذه الوالي إثر ذلك. عين بعد ذلك محمد عزت باشا واليًا على اليمن وفشل الوالي الجديد في التقرب من القبائل كسلفه فعادت الصراعات حيث تمردت في عهده خولان، ووقعت معارك بين الطرفين. كذلك فقد توجه الوالي محمد عزت باشا لمحاربة الإمام شرف الدين بن محمد بعد أن ازداد نفوذه وتجمعت العديد من القبائل حوله في صعدة.

بعد وفاة محمد عزت باشا عين أحمد فيضي باشا، وكان هذا واليًا جائرًا عمد إلى سرقة ونهب القبائل في فترة شهدت فيها اليمن قحط وهجوم للجراد. جاء بعد ذلك الوالي عزيز باشا، وقد حاول إيقاف نفوذ الإمام شرف الدين بن محمد، لكن قواته انهزمت في عمران على يد القبائل اليمنية التي يقودها شرف الدين. تعاقب علي اليمن مجموعة من الولاة العثمانيين السيئين الذي انتشر في عهدهم الفساد ولجأوا للبطش لإخضاع القبائل، وهو ما كان يستغله الأئمة في تجميع المناصرين لهم.

في عام 1307 هجرية عين عثمان باشا واليًا على اليمن، وقد لقب هذا الوالي بالفقيه العادل، وقيل إنه أفضل الولاة العثمانيين على اليمن وهدأت في عهده الفتن والتمردات، لكن وجود وال كهذا – إن صدق ما يقال عنه – يضر بمصالح البعض الذين قاموا برفع مكيدة ضده للباب العالي ليتم عزله عن ولاية اليمن وتعيينه بمكة.

توفي سنة 1307 هجرية الإمام شرف الدين بن محمد وقد خرج في عهده معارضًا محمد بن قاسم الحوثي الملقب بالمهدي من بلاد برط بمحافظة الجوف. بعد وفاة شرف الدين بعدة أيام ادعى الإمامة محمد بن يحيى حميد الدين، وقد تلقب بحميد الدين لزواجه من بيت حميد الدين، وهو من بيت القاسم، لكن لم يخرج من فرع أسرته من ادعى الإمامة.

استغل الإمام محمد بن يحيى المنصور ظلم الولاة العثمانيين وإقصاءهم لليمنيين وإهمالهم المناطق النائية في اليمن وتركيزهم على المدن في تجميع القبائل وتشجيعها على محاربة العثمانيين تحت حجج أنهم كفار ومتجاوزون لحدود الله.

تمكن الإمام المنصور محمد بن يحيى من إحداث الكثير من الاضطرابات، فقد دخل العثمانيون في حروب كثيرة مع قبائل همدان، وبني مطر، وسنحان، وكما كانت هناك قبائل تساند الأئمة، كانت هناك قبائل تساند العثمانيين، كقبيلة أرحب، وكانت نتيجة ذاك ازدياد العداوت بين اليمنيين، والأتراك، واليمنيين.

جاء بعد ذلك سنة 1315 هجرية الوالي حسين حلمي باشا، وكان هذا واليًا جيدًا، وقد كان اليمنيون في عهده في حالة فقر شديد فطلب من الباب العالي إرسال معونات لليمنيين لتخفيف الأوضاع السيئة. كذلك فقد عمل على إنشاء بعض المشاريع كدار المعارف والكتب، ونقل بعض آثار الحداثة لليمن التي كانت متخلفة عن باقي الولايات العثمانية بمراحل. عزل الوالي حسين حلمي باشا نتيجة خلاف بينه وبين قائد الجند المشير عبد الله باشا، وعين الأخير واليًا جديدًا لليمن. استمر استقرار الأوضاع في عهد عبد الله باشا، لكنه عزل، وقد قيل أن سبب ذلك اعتداء الإنجليز على الضالع دون تدخل هذا الوالي ليأتي بعده توفيق باشا.

توفي سنة 1322 هجرية الإمام محمد يحيى حميد الدين، وادعى الإمامة بعده ابنه الإمام المعروف يحيى حميد الدين، وتلقب بالمتوكل على الله رب العالمين. استهل الإمام يحيى حكمه بتحريض القبائل على مهاجمة المدن التي يتواجد فيها الأتراك ففرض الحصار سنة 1322 هجرية على صنعاء، وتسبب ذلك بخراب كبير للمدينة؛ مما اضطر العثمانيين في النهاية إلى تسليمها. استقدم العثمانيون الدعم لمحاربة القبائل الموالية للإمام يحيى ودخلوا معه في معارك عديدة قتل فيها الكثير.

استقرت الأوضاع سنة 1325 بعد تعيين حسين تحسين باشا واليًا على اليمن لما اتسم به من حنكة، وجرت مفاوضات بين الإمام يحيى والعثمانيين وصلت لتدخل السلطان عبد الحميد الثاني بنفسه لإيجاد حل لمعضلة اليمن، لكن هذه المحاولات لم تتوصل لإبرام اتفاق بين الطرفين.

عُين سنة 1328 هجرية محمد علي واليًا علي اليمن، واتخذ هذا البطش وسيلة لإخضاع اليمن، فقامت القبائل بالهجوم على مراكز العثمانيين بتحريض من الإمام.

تطورت الأوضاع ووقعت معركة كبيرة عرفت باسم حرب باب شعوب قتل فيها الكثير. حاول العثمانيون بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني اللجوء للقوة المفرطة لإخضاع اليمن، ووجهوا بحملة يقودها عزت باشا، لكن المراكز العثمانية ظلت تسقط بيد القبائل واضطر الطرفان في النهاية لإبرام الصلح سنة 1334 هجرية والذي عرف بصلح دعان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد