توقفنا في المقالة السابقة عند حملة عزت باشا، التي حاول العثمانيون من خلالها فرض سيطرتهم بالقوة على اليمن، والقضاء على التمردات التي كان يقودها الإمام يحيى ضدهم.

دارت معارك طاحنة بين العثمانيين من جهة والقبائل اليمنية من جهة، وكان أبرزها كما ذكرنا حرب باب شعوب، وانتهت هذه المعارك بتوقيع صلح بين الطرفين.

استغل الإيطاليون الحروب الدائرة بين اليمنيين والعثمانيين، وقاموا بمحاصرة سواحل تهامة، لكنهم انسحبوا بعد توقيع الصلح. وفي سنة 1330 هجرية، بدأ محمد الإدريسي دعوته من مدينة صبيا بتهامة، وادعى الإمامة كونه هاشميًا، وتمكن من مد نفوذه حتى رازح وخولان الشام شرقًا، مما فرض على الإمام يحيى مواجهته، فأرسل حملة بقيادة محمد بن الهادي، عامله في صعدة، وتمكن فعلًا من هزيمة الإدريسي واسترداد رازح وخولان الشام، لكن، وعلى الرغم من هذا الانتصار، أمر الإمام جيشه بالتوقف ولم يقم بالقضاء على الإدريسي، ليلعب الإدريسي دورًا محوريًا فيما بعد.

لا يعرف السبب الذي منع الإمام يحيى من الاستمرار في حملته، لكن السبب قد يكون عدم رغبته في صرف الأموال على الحملة لما عرف عنه من البخل الشديد.

في سنة 1914 ميلادية (1332 هجرية) قامت الحرب العالمية الأولى، وكانت هذه السنة سنة جفاف وبلاء في اليمن. قاتل اليمنيون والأتراك الإنجليز في اليمن، وهاجموا لحج وتمكنوا من تحريرها من الإنجليز وأجبروا سلطانها على الفرار إلى عدن ليقتل بالخطأ فيها، لكن كما هو معلوم فقد خسرت الدولة العثمانية الحرب واضطرت للانسحاب من جميع ولاياتها العربية، والغريب أن سعيد باشا طلب من الإمام يحيى استلام المواقع المحررة بعد خروج الأتراك من اليمن، لكن الإمام لم يقم بذلك، وقال فيما معناه أنه لا حاجة له بأرض لا يعود منها عساكره.

 في سنة 1918 (1336 هجرية)، انسحبت القوات العثمانية من اليمن بأمر من السلطان محمد رشاد بعد خسارتها في الحرب العالمية الأولى، وقام الإنجليز بقصف بعض المدن اليمنية بالطائرات. تمكن الإنجليز من احتلال الحديدة بعد قصفها بالمدافع، واستمرت حملتهم بقيادة الكولونيل جاكوب بالتقدم نحو صنعاء، لكنها أُوقفت من قبل قبيلة القحري بباجل.

تفاوض الإنجليز والإمام يحيى على وضع الحديدة بعد ذلك، ووعدوا الإمام بتسليمهم إياها، لكنهم أخلفوا وعدهم وسلموها لحليفهم الإدريسي. استؤنفت بعد ذلك المفاوضات بين الإنجليز والإمام سنة 1338 هجرية، وأسفرت عن تعيين معتمد للإمام بالحديدة حتى استعادها الإمام لاحقًا من الإدريسي، بحملة عسكرية قادها ابنه أحمد سنة 1343 هجرية.

كانت أولوية الإمام يحيى إخضاع قبائل الشمال، فأرسل الحملات لإخضاع قبائل حاشد وبكيل وخولان وقبائل حجة وباجل، لكنه أهمل كليةً المناطق المحتلة، ولم يبد اهتمامًا بمواجهة القوى الأجنبية (الإنجليز والأدارسة والسعوديون)، فهو لم يحاول مواجهة الإنجليز في عدن أو ضم السلطنات والمشيخات الضعيفة الواقعة تحت الحماية البريطانية، كتلك في حضرموت والمهرة ولحج، إلا عند قيامه بضم الضالع مؤقتًا.

لم تستمر سلطة الإمام على الضالع طويلًا، فسياساته وسياسات عامله يحيى عباس القائمة على الجباية اضطرت أعيان الضالع طلب الوساطة من سلطان لحج عبد الكريم بن الفضل العبدلي لدى الامام، نصح سلطان لحج الإمام بإصلاح الأوضاع لكن الإمام لم يعر ذلك اهتمامًا ليستغل الإنجليز تململ الناس ويفرضوا سيطرتهم على الضالع بعد تهديد أهاليها بقصفهم بالطائرات كما فعلوا قبلها في إب وتعز ويريم.

أما بالنسبة للأدارسة والسعوديين، فقد تمكن السعوديون من مد نفوذ دولتهم وسيطروا على الحجاز، ثم وقعوا معاهدة مع الأدارسة ليسيطروا على المخلاف السليماني ويتقدموا نحو تهامة.

دخل الإمام أحمد في حروب مع السعوديين، وتمكن أحمد من تحقيق بعض الانتصارات التي لم يتم استغلالها في المفاوضات التي أعقبت هذه الحرب، وانتهت بتوقيع معاهدة الطائف التي أقرت بحكم السعودية على نجران والمخلاف السليماني.

مثلت فترة حكم الإمام يحيى فترة من أسوأ الفترات في تاريخ اليمن، فقد أدت سياساته لجعل اليمن وقتها متخلفة عن غيرها من الدول العربية بقرون.

اعتمد الإمام يحيى في إخضاع القبائل على وسائل البطش والتجويع، كذلك عمد إلى أخذ أبناء القبائل رهائن ليضمن طاعتهم. وكما ذكرنا سابقًا، عرف عن الإمام يحيى البخل الشديد، لهذا كان يتجنب إرسال الحملات ويترك اليمنيين يعيشون القحط رغم توفر المؤونة في مخازن الدولة.

نجد أيضًا قصر النظر وغياب الحكمة في تصرفاته، فقد كان يمتنع عن إرسال الحملات التي يمكن أن توسع نفوذ دولته، كما نجد أنه يخرج خاسرًا من كثير من المفاوضات مع خصومه الخارجيين.

إن أبرز سياسات الإمام يحيى التدميرية هو عمله على عزل اليمن عن العالم الذي شهد وقتها طفرة من الاكتشافات والاختراعات، بل وأغلق جميع المدارس التي أنشأها العثمانيون، فتفشى الجهل واتسمت دولته وأجهزتها وجيشه بالتخلف وعدم الكفاءة مقارنة بالجيوش الأخرى في المنطقة.

إن دافع الإمام يحيى في فرض هذه العزلة والقضاء على ما جلبه الأتراك من حداثة هو خوفه على استقرار حكمه من الخطر الخارجي المتمثل في الاستعمار أو الداخلي المتمثل في تشكل نخب تعارض حكمه.

حاول الإمام يحيى من خلال سياساته الانعزالية والتجهيلية القضاء على إمكانية وجود أي نخب تعارض حكمه، وفي الواقع لم يكن في اليمن الكثير من النخب المثقفة، لكن تردي الأوضاع نتج عنه وجود بعض الشخصيات والحركات الإصلاحية.

تشكلت أولًا هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بواسطة مجموعة من علماء اليمن، وسعت لنصح الإمام يحيى ودفعه لتصحيح سياساته دون جدوى، ثم تشكلت بعد ذلك الجمعية اليمنية الكبرى وتمكنت من الحصول على اهتمام الإذاعات والصحف إقليميًّا، وكان هدفها الرئيسي نشر الوعي والثقافة في أوساط اليمنيين، وتحديث الفكر السياسي والإداري، والقضاء على فكرة قدسية الإمام. ولما كان لهذه الأفكار من خطر على الإمامة قام الإمام يحيى بشن حملات اعتقالات على أعضائها سنة 1363 هجرية، وتشكل بعدها الاتحاد اليمني، وهو حزب سياسي اشتمل في عضويته على يمنيين وعرب، ومن أبرزهم الفضيل الورتلاني الجزائري الذي بذل جهدًا كبيرًا لمحاولة إخراج اليمن من عزلته، لكنه وجد مقاومة شديدة من الإمام.

أدرك الاتحاد اليمني ضرورة إزاحة الإمام يحيى وإقامة دولة حديثة ذات دستور ومجلس نيابي وتمخض عن هذا الفكر الميثاق الوطني المقدس. لم يكن تحقيق أهداف هذه الحركة أمرًا هينًا لكون إقناع الإمام بها ضربًا من المستحيل، كما أن سلطته تمثل عائقًا أمام نشر أفكارها وإقناع العامة بها. أضف لذلك أن النخب السياسية في اليمن لم تمتلك سلطة مادية وبشرية كافية لتعبئة الرأي العام. كان الحل الوحيد هو إزالة الإمام بالقوة، لهذا اغتيل الإمام يحيى في حزيز بصنعاء عام 1948 ميلادية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد