في سنة 1918م تفرد الإمام يحيى حميد الدين بحكم شمال اليمن، بعد خروج العثمانيين منه، وفي عام 1962م قامت ثورة ضد حكم الأئمة والنظام الملكي، وليعلن عن قيام النظام الجمهوري. وفي سنة 2014 انقلبت حركة أنصار الله الحوثيين على السلطة الشرعية، وسعت بعد ذلك لإحكام سيطرتها على كامل التراب اليمني بقوة السلاح. تمثل هذه الأحداث الثلاثة جل ما يعرفه اليمنيون عن الإمامة في اليمن، على الرغم من أنها كانت سببًا للصراع منذ قدومها قبل أكثر من ألف سنة. إن معرفة حكاية الإمامة في اليمن ليست مسألة توسيع ثقافة شخص أو معرفة شعب بتاريخه، بل هي مسألة فهم للواقع وتخطيط للمستقبل؛ فنظام الأئمة أو ما يشبهه وجد في جميع الدول العربية، لكنه ذو تأثير شديد القوة والاستمرارية في اليمن. إن السؤال الذي ظل يشغلني في الآونة الأخيرة هو: لماذا كانت الإمامة في اليمن حالة خاصة؟ وكيف ما زال لفكرة يزيد عمرها على ألف سنة وتسببت في الكثير من الصراعات، القدرة على امتلاك الكثير من الأنصار، بل السيطرة على الدولة في عصرنا الحاضر؟ للإجابة عن هذه الأسئلة فمن المنطقي النظر في تاريخ هذه الفكرة منذ نشأتها في اليمن، والمراحل المختلفة التي مرت بها حتى وقتنا هذا، ولأن الإجابة عن هذه الأسئلة ضروري لنا كيمنيين؛ لنجد حلًّا لسبب من أسباب الأزمات المتتالية في بلدنا، وجدت من أفضل أن أشرك الجميع في رحلة البحث عبر سلسلة المقالات للحديث عن حكاية الإمامة في اليمن.

تبدأ قصة الإمامة في اليمن في القرن الثالث الهجري، بقدوم يحيى بن الحسين الرسيّ الملقب بالإمام الهادي إلى الحق، إلى صعدة شمال اليمن، وتأسيسه للدولة الهادوية. ولد الإمام يحيى في المدينة المنورة، ويعود نسبة إلى الحسن بن علي – رضي الله عنه- سبط رسول الله – صلى الله وعليه وسلم. كان الإمام يحيى شخصًا محنكًّا، وذا طموح سياسي، سعى عبر مهاراته القيادية ومكانته الدينية لإنشاء دولة يمكن أن تنافس العباسيين والفاطميين. سعى في البداية لإثبات ملكية جبل الرس في المدينة المنورة، لكنه فشل في ذلك، ليوجه أنظاره وتطلعاته بعدها إلى اليمن. تمثل اليمن في ذلك الحين المكان الأفضل للإمام يحيى لتأسيس دولته وتبوء المكانة التي يعدها حقًّا له، فعمومًا يقع اليمن في طرف الدولة الإسلامية بعيدًا عن الدولة المركزية، كما أن اليمنيين شعب متدين، ويسهل قيادتهم عبر عاطفتهم الدينية. كذلك فقد كانت الظروف في ذلك الوقت مناسبة؛ فالدولة العباسية كانت ضعيفة ومنشغلة في التصدي الفاطميين، واليمن حينها كان مقسمًا، فمثلًا يسيطر الزياديون على تهامة، ويدينون بالولاء للعباسيين، بينما تنشط في صنعاء الحركة اليعفرية والصراعات القبلية شمال اليمن كانت في أوجها. على الرغم من هذه العوامل لم يحظ الرسيّ بالحفاوة التي كان ينتظرها كسليل بيت النبوة، حين قدم إلى شرفة صنعاء في المرة الأولى، ولغياب التأييد الذي كان يحتاجه وينتظره لتأسيس دولته اضطر للعودة إلى الحجاز. في السنة التالية 899م- 286 هجريًّا دعت قبائل خولان وصعدة الرسيّ للقدوم عليهم؛ أملًا منهم في أن ينهي مجيئه الصراعات القبلية الدائرة التي أنهكتهم. بويع الإمام الرسي أول إمام في اليمن بعد عودته إليها في صعدة، وأسس بذلك الدولة الهادوية. دخل بعد ذلك في صراعات مع اليعفريين للسيطرة على صنعاء، لكنه تحالف معهم في آخر الأمر للتصدي للعبيديين، الذي تمكنوا من السيطرة على صنعاء. أعاد الإمام الهادي بعد ذلك السيطرة مرة أخرى على صنعاء، ثم سلمها في نهاية الأمر لليعفريين. توفي الامام يحيى، وقيل إنه قتل مسمومًا سنة 911م- 297 هجريًّا، ودفن في صعدة، وتولى من بعده ابنه الإمام محمد الإمامة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد