ربما لم يعد مستغرب أي حدث في مصر خاصة بعد انقلاب 2013، وربما انتحر المنطق وتبلدت المشاعر من هول وعجب ما نرى، وربما أصبح شعار المرحلة هو العبث والضحك الذي يبكي، لكن رغم كل الأحداث لم أستوعب بعد قصة قطار الصعيد، والقصة باختصار هي قيام رئيس القطار أو الكمسري بإجبار شابين على القفز من القطار، وهو متحرك لعدم امتلاكهم تذكرة أو مال فيسقط أحدهم قتيل وتبتر قدم الآخر، الأزمة ليست حدثًا عابرًا، بل أزمة دولة ونظام وشعب، في هذا المقال أحاول تحليل هذه القصة وإسقاطها على المجتمع المصري من خلال ثلاثة عناصر رئيسة، وهي: (الشابان، رئيس القطار، ركاب القطار).

الشابان

من المعروف أن القطار هو وسيلة المواصلات الأرخص التي يركبها المصريون يوميًا، والغريب أن يضحي الشابان بأنفسهم، ويقفزون لأنهم لا يمتلكون مالًا، والواضح هو مدى الفقر المدقع الذي أصاب المصريين، والذي زاد من بمعدلات رهيبة في الفترة الأخيرة، والشيء الأكثر غرابة هو الاستسلام لكلام رئيس القطار، هذا الأمر لا يعبر إلا عن حالة اليأس واللامبالاة التي يعيشها الشعب، فضريبة التخلص من حياته أهم من المقاومة للحفاظ عليها، أنه مبدأ الاستسلام والرضوخ لكل صاحب سلطة الذي رسخه النظام المصري في الناس، ربما كان يستطيع الشابان النجاة، والوقوف في وجه رئيس القطار، لكنهم قرروا الاختيار الأسهل من وجهة نظرهم خوفًا ربما أو استسلامًا أو ربما لأن الحياة والموت لديهم سواء.

رئيس القطار (الكمسري)

هذه الحالة لا تعبر فقط عن انحدار أخلاقي يزداد يومًا بعد يوم في المجتمع، بل عن السلطوية التي أصبحت مترسخة في عقل كل مواطن، فالجميع مقهور، ولا يستطيع مواجهة من يتحكم فيه، ومن يقمعه بحكم السلطة، فيمارس هو التحكم فيمن هو أدنى منه مرتبة سنجدها في كل مؤسسات الدولة المصرية، الجميع يريد أن يعيش فرعونًا يسمع ويطاع، وهذا لا يعبر إلا عن القهر والذل الذي يعيشه الناس.

الجزء الآخر هو التوحش الرأس المالي الذي انتشر في المجتمع، فالكل يسعى للصعود على حساب الآخر، وانتشرت الأنا على حساب القيم والأخلاق التي كانت منشرة في المجتمع المصري، هذا الأمر لم يأت من فراغ، فعندما يتحدث رئيس الدولة أنه لا يوجد شيء بالمجان، وتقوم إجراءاته الاقتصادية كلها على رفع الدعم وزيادة الضرائب، ومص دماء الناس، فلا ضرر أن نجد شعبًا يدهس بعضه الآخر لأجل لقمة عيش، وعندما هدد وزير النقل ذو الخلفية العسكرية رؤساء القطار بمعاقبتهم إذا تركوا المواطنين يركبون القطارات بدون قطار، فلا ضرر أن نصل لمثل ما رأينا من حوادث.

الركاب

ربما لا نستطيع فصل الركاب عن الحالتين السابقتين، وربما لو حدثت هذه الحادثة في وقت سابق لفتك الناس برئيس القطار، لكنها السلبية التي ترسخت في عقول الناس، فالتدخل الآن في أي حادث ربما تكون عواقبه وخيمة، ربما تصبح نهايتهم كمحمود البنا على يد راجح، الفساد وعدم المحاسبة وسلطة الذراع أصبحت هي الحاكم في مصر.

والحقيقة نحن لا نستطيع فصل ما يحدث عن نظام الحكم في مصر، فالأزمة ليست في السيسي فحسب، بل في نظام يحكم مصر منذ عشرات السنين، وما السيسي إلا الوجه الأكثر سوءًا لهذا النظام المتجذر في مصر، الأزمة الآن ليست في السيسي، فهو ذاهب لا محالة فالبلاد على حافة الانفجار، والشعب أصبح لا يأمن على نفسه من الموت، سواء في السجن، أو من الامطار أو القطار أو الإرهاب أو غيره من مصادر الموت المتعددة في مصر، لكن الأزمة الكبرى هي كيف نطهر أنفسنا من هذا النظام الذي أصبح وباءًا استشرى في جسد الدولة والشعب، وفي النهاية نذكر مقولة جمال حمدان في كتابه «شخصية مصر».

إن ما تحتاجه مصر أساسًا إنما هو ثورة نفسية، بمعنى ثورة على نفسها أولًا، وعلى نفسيتها ثانيًا، أي تغيير جذري في العقلية والمثل وأيديولوجية الحياة قبل أي تغيير حقيقي في حياتها وكيانها ومصيرها.. ثورة في الشخصية المصرية وعلى الشخصية المصرية.. ذلك هو الشرط المسبق لتغيير شخصية مصر، وكيان مصر، ومستقبل مصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد