منذ نعومة أظافري، كانت جدتي تحكي لي «الحواديت»، ولا أدرى لماذا كانت جدتي هي الراوية وليست أمي، قد يكون السبب – والله أعلم- هو أننا (أنا وجدتي) في حالة متشابهة، إذ كنت صغيرًا ضعيفًا، كحال أي طفل صغير، وهي كانت عجوز مسنة، تكاد حالاتنا تتشابه، أنا مخلوق ضعيف، وهي وهن العظم منها، واشتعل رأسها شيبًا، وقد يكون أيضًا بسبب أن كلانا بحكم سنه كان لا يرغب في أن يكون في عزلة عن الناس، فكنا نستأنس بعضنا ببعض.

و«حواديت» جدتي لم يكن لها ميعاد محدد، فلا هي كانت تحدد موعدًا معينًا، ولا أنا حتى طالبتها بهذا، وكانت كعادة أي راوٍ «للحدوتة» تبدأها بجملة قصيرة شهيرة: «صلي على النبي»، فأقول: عليه الصلاة والسلام، فلا تكتفي فتقول: «زد النبي صلاة» فأكرر ما قلته سابقًا، وفي واقع الأمر لا أذكر من علمني صيغة الصلاة على النبي، وإن كنت أعتقد أني رددتها أولًا خلف إخوتي الكبار، بدون أن أفهم معناها، ولا أدري حتى يومنا هذا سبب الأمر بالصلاة على النبي قبل أن يحكي الراوية «الحدوتة»، ولم تكن جدتي بدعًا في هذا فلم يحك لي أحدهم حدوته دون أن يطلب مني الصلاة على النبي.

وحتى أنا لما كبرت، وصرت أحكي «الحواديت» من باب تقليد الكبار أو لإلهاء طفل يبكي أو يشاغب، لم أحك الحكاية لأحدهم قبل أن أطلب منه الصلاة على النبي، ثم أستزيده، بل إنني أذكر أن إحدى صديقات والدتي، والتي كانت مسيحية، كانت قبل أن تحكي لنا «الحدوتة» تأمرنا بالصلاة على النبي ثم تستزيد صلاتنا عليه صلاة. وأذكر فيم أذكر صيغة ثانية للصلاة على النبي، كانت تقولها لنا أختي الكبيرة، تقولها لتستهل بها «الحدوتة» قائلة:

«كان ياما كان يا سعد يا إكرام، ولا يحلى الكلام، إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام».

ويبدو أن سعد وإكرام كانت لا تستخدم إلا عندما يخاطب الراوي مجموعة من الأطفال، أما لو كان المستمعون كبارًا، فكان يستبدل سعد وإكرام بـ«يا سادة يا كرام».

ولا أدعي هنا أن تلك الصيغة من ابتكار أختي؛ لأني سمعتها في عدة أماكن متفرقة بعد ذلك، كما لا أدعي أيضًا معرفتي بسعد وإكرام، وإن كنت أعتقد أن سعدًا وإكرام، ما هما إلا اسمان لولد وبنت، استخدما لتضبط القافية ليس إلا، وأنهما يحلان محل زيد وعمر في النحو مثلًا، أو س وص في الرياضيات، مجرد أسماء لا تعني شيئًا محددًا، تستخدم لغرض محدد.

حتى رواة السير والحكايات الشعبية، كانوا لا يبدؤون قصصهم ورواياتهم إلا بذكر النبي عليه الصلاة والسلام، فمثلًا في السيرة الهلالية، يبدأ الراوية مستهلًا قائلًا:

بعد المديح في المكمل، أحمد أبو درب سالك

أحكى في سيرة وأكمل، عرب يذكروا قبل ذلك.

صحيح أنهم لا يطلبون الصلاة على النبي من المستمعين، ربما لكونهم ليسوا صغارًا؛ ولأنهم بمجرد ذكر اسم الرسول سيقومون بالصلاة والتسليم كما أمرنا الله «إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا».

وكان هناك اتجاهان سائدان في الصلاة على النبي، فكان البعض يقول: «عليه الصلاة والسلام»، بينما كان آخرون يقولون «صلى الله عليه وسلم». وكنت في واقع الأمر لا أتبع فريقًا منهم، إذ لا أجد فارقًا بينهما، فكلاهما يؤدي الغرض، ولكن ذات حدوته، لما انقسم المستمعون إلى فريقين، تبنى كل منهما أحد الصيغتين، وجدت نفسي بلا شعور أفكر في كلتيهما، وحاولا معرفة أيهما أصح وأدق، قد يبدو الموضوع بسيطًا أو حتى تافهًا، لكنني كنت أنظر يومها إلى الراوي، أرى شفتيه تتحرك ولكن لا أسمعه، ففيما يبدو أن المقارنة بين الصيغتين كانت قد امتلكت حواسي، فكان من يراني يظن أنني في قمة التركيز، بينما في واقع الأمر كنت أفكر في الصيغ، وتوصلت لقرار لمعت معه عيني وتألقت، وددت لحظتها أن أقطع «الحدوتة» على الراوي، وأعلن اكتشافي الجديد، ألا وهو أن الصيغة الثانية «صلى الله عليه وسلم». باطلة ولا يصح قولها أصلًا، وأن الصيغة الوحيدة ينبغي أن تكون عليه الصلاة والسلام، إذ إن النص الذي أُمرنا به بالصلاة على النبي يقول:

«إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا».

فالله يصلي فقط هو وملائكته على النبي ولا يسلمون، بينما نحن فقط من أمرنا بالصلاة والتسليم، وذلك بنص الآية، ولا أدرى من أين أتى الآخرون بأن الله صلى وسلم على النبي.

ولما كبرت انشغل بالي بعلاقة الصلاة على النبي، بالحدوتة، أو طلب الراوية من الجمهور الصلاة على النبي أو صلاته هو عليه في السير والروايات، بالرواية نفسها، فما الرابط الذي يربط كلاهما بالآخر، ولأني أؤمن بالحكمة القائلة، ابدأ من حيث انتهى الآخرون، وجدتني أحاول البحث عن السبب عند الناس، ممن أظن فيهم رجاحة العقل أو الخبرة، من أهل الذكر، وهم هنا زملائي ممن امتلكوا زمام اللغة العربية، إلا أنني لم أجد رأيًا وجيهًا يربط ما بين الصلاة على النبي ورواية الحدوتة، حتى مستر جوجل الذي يعرف كل شيء تقريبًا خذلني.

وفي النهاية قررت أن أشارك القراء في ما تفلسفت فيه حول تلك القضية إن صح التعبير، لربما أجد منهم ردًّا وجيهًا يحيب عن السؤال.

وأنا أعتقد أو هكذا سولت لي نفسي، أن العلاقة تكمن في أن «الحدوتة» أو السير الشعبية أو الرواية، تحكي سيرة بطل ما، أو شخص عظيم عاش قبلنا، أو حتى شخصية أسطورية، فيستهل الراوي الصلاة على النبي أو يطلب من المستمعين الصلاة عليه، كأنه يذكر نفسه وإياهم من طرف خفي، أن هناك من هو أعظم من بطل تلك القصة، وهو سيد ولد آدم عليه أفضل الصلاة، أو لكونه يحكي لهم قصة، وأراد أن يذكرهم بمن أتى إلينا بأحسن القصص من عند الله. «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ».

وبعد المديح في المكمل، أحمد أبو درب سالك

أترك القارئ يكمل، ويقول لي لم ذلك.

صلوا على النبي، عليه الصلاة والسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد