تلك المنطقة الجميلة التي تمتد على جانبي نهر دجلة، ومن أبرز مناطقها بحسب قربها من مدينة الموصل: ناحية حمام العليل وناحية الشورة وناحية القيارة والقرى التابعة لهذه النواحي، وهي مناطق ريفية يغلب عليها الطابع العشائري، وتحكمها عادات وتقاليد عربية أصيلة، فالكرم والشجاعة والإقدام من صفات ساكني هذه المنطقة، وكانت تعتمد على الزراعة وتربية المواشي بشكل أساسي طيلة العقود السابقة، إلا أنه وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق فقد توجه الناس إلى الوظائف الحكومية وبالأخص العسكرية، متمثلة في الجيش والشرطة بسبب التشكيل الجديد لهاتين المؤسستين في العراق بعد الاحتلال، وعزوف أهل المدن عن هذه الوظائف العسكرية، وبالأخص مدينة الموصل، فلقد كانت رؤية أهل هذه المناطق أنه لا بد من إدخال أبنائهم في المؤسسات العسكرية، وحفظ أمن المنطقة، واستبعاد الغرباء. وبهذه الرؤية قد خالفوا أغلب المناطق العراقية التي كانت تقاطع العملية السياسية في ظل وجود المحتل الأمريكي. فشباب هذه المناطق تطوعوا للعمل في المؤسسات العسكرية حتى في مدينة الموصل ومدينة تلعفر والحمدانية ،وغيرها من المناطق في محافظة نينوى.

وكذلك الوظائف المدنية بحكم وجود كثير من مؤسسات الدولة في هذه المناطق، كمنشأة كبريت المشراق، ومصفى القيارة، ومشروع الطاقة الحرارية لإنتاج الكهرباء، إضافة إلى مؤسسات التربية والتعليم والصحة في منطقة جنوب الموصل. وتسكن في هذه المنطقة مجموعة من العشائر العربية المتنوعة، ولكن العشيرة الكبرى في هذه المناطق هي قبيلة الجبور، وهي من كبرى القبائل في العراق.

لقد كان الاستقرار الأمني يسود تلك المناطق مقارنة بباقي مناطق محافظة نينوى، لكثرة المتطوعين من أبناء هذه المناطق. وازدهرت اقتصاديًّا، وتولدت حركة إعمار وحركة تجارية قوية جعلت هذه المناطق تضاهي المدن من حيث الإعمار والتجارة والتطور والخدمات، حتى عام 2008 عندما صدر أمر بنقل القوة العسكرية من هذه المناطق إلى قاطع الرمادي، ولكن أغلبهم لم ينفذوا الأمر واستقالوا من الجيش، وتم استبدالهم بلواء 26 جيش فرقة ثانية، والذي كان أغلب منتسبيه من مناطق جنوب العراق، وبسبب انعدام معرفتهم بجغرافيا وطبيعة المنطقة الاجتماعية والأمنية من جهة، والتعبئة الطائفية التي كانت تجتاح العراق بشكل عام، واعتمادهم على الأخبار السرية الكاذبة، وتجريد المنطقة والعشائر من السلاح حتى الشخصي، تولدت فجوة بينهم وبين ساكني هذه المناطق، وانعدام للثقة؛ مما وفر بيئة ملائمة لنشاط داعش في هذه المناطق، وبدأ يتدهور الوضع الأمني فيها. وكانت القاصمة لهذه المنطقة عندما احتلت داعش محافظة نينوى في ليلة وضحاها؛ مما ولد حالة صدمة لدى أهالي هذه المناطق، وخاصة منتسبو الشرطة والجيش، وبحكم تجريد هذه العشائر من سلاحها من قبل الجيش العراقي، لم تستطع هذه العشائر الدفاع عن نفسها أمام داعش التي سيطرت على أسلحة ومعدات ثلاث فرق عسكرية في نينوى، ورضخت العشائر للأمر الواقع، ومع تطمينات داعش التي ما لبثت حتى تبينت أنها من أجل إحكام السيطرة ليكشروا عن أنيابهم ويقوموا باعتقال المئات من منتسبي الجيش والشرطة ومرشحي الانتخابات، وإعدامهم بدون رحمة.

فبدأت محنة الهروب والنزوح إلى المناطق خارج سيطرة داعش. وبعد أن فرض داعش الإقامة الجبرية على أهالي هذه المناطق، وتحديد شروط تعجيزية لمن أراد الخروج لفترة محددة لترويج معاملة ما، أو علاج، أو أداء امتحان للطلاب؛ مما جعل شباب مناطق جنوب الموصل يلجؤون إلى طريقة الهرب بعبور نهر دجلة وحقول ألغام داعش في رحلة قصيرة لمدة ساعات في الليل لكنها مرعبة ومخيفة ومليئة بالمخاطر، فهنالك كمائن لداعش على الطريق، بالإضافة إلى الألغام، فلقد فشل الكثيرون في الوصول إلى نقطة الأمان، ووقعوا في يد داعش التي أعدمتهم بدورها، أو لم يتمكنوا من تجاوز حقل الألغام، فماتوا وهم ينشدون الحرية باتجاه مخمور، حيث تتواجد قوات البيشمركة، والتي بدورها تتسلمهم بعد تنسيق مشترك، وتجري معهم تحقيقًا للتأكد من عدم وجود مندسين من داعش بينهم، وبعدها يتم اطلاق سراحهم خارج حدود الإقليم، تحديدًا خارج محافظة كركوك على الطريق الرابط بين كركوك وبغداد.

ومن يخرج بهذه الطريقة تقوم داعش بمصادرة بيته وسيارته وكافة أمواله المنقولة وغير المنقولة . وتبدأ معاناة أخرى كونهم قد خرجوا بملابسهم ولا يملكون المال للسكن أو الأكل أو الملبس، فتهملهم الدولة وكأنهم غرباء لتمتد إليهم يد الخيرين وليساعوهم في أيامهم الأولى، ليتمكنوا من العمل لسداد احتياجاتهم . فتبدأ بعدها الآثار السلبية وبالأخص النفسية لهذه الرحلة الخطرة والمتعبة.

حيث يلجأ أغلبهم إلى التطوع في صفوف الحشد العشائري لتلك المناطق من أجل تحرير مناطقهم وأهلهم الأسرى لدى داعش، وكذلك بدافع الانتقام ممن كان سببًا في معاناتهم. لتبدأ من جديد قصة أخرى لا نعرف تفصيلاتها وحيثياتها، إلا أنها بالتأكيد مليئة بالألم والتضحيات والمعاناة التي سيتناقلها أجيال تلك المناطق، التي لم يمر بها أسوأ من هذه الأيام في التاريخ الحديث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الموصل
عرض التعليقات
تحميل المزيد