رداً على مقولة د. معاذ الخطيب هل ستشرق الشمس من موسكو

 

يمكن التوافق المعرفي على تعريف الوعي السياسي بأنه “ذهن مرن فهم الواقع وظروفه السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تحيط به، وتضاريسه العامة، وجغرافية المجتمع وروافده الداخلية والإقليمية والدولية مع استيعاب كامل للرافع السياسي، وإحاطة بعناصر القوى الفاعلة، والمؤثرة في صناعة القرار وطنياً وعالمياً”.

 

المشكلة أن الحالة السورية لها خصوصية معقدة فغالب الحلول تفوح منها رائحة الدم، والوعد والوعيد بالثأر والانتقام، وقلما وجدنا أطروحات منتمية إلى الشعب السوري ومرتقية بطموحاته.

 

إن غالب الأصوات ومن كل الأطراف تنادي بكسر الجماجم، وتحطيم ودعس فطايس الجانب الآخر، إن النظام القاتل المجنون الطائفي الحاقد صدر علله ومقابحه إلى جانب الثورة، وتصدر بعض ممن يحسب على الثورة، وهو يتحدث بلغة النظام مع استبدال المسمى، وخفت صوت العقل الباحث عن حل يرتكز إلى الوعي السياسي.

 

في 11 تشرين الثاني 2014م كتب الدكتور معاذ مقالاً مطولاً بعنوان هل ستشرق الشمس من موسكو؟

وبين فيه رأيه في التفاوض مع الروس كقوة فاعلة في سوريا وأكد أن الأمر محسوم فلا شروق، ولا هم يحزنون، بل قال: “أيام الضباب في موسكو ممتدة في هذه الأوقات، ولكننا لم نكن نبحث عن الشمس، بل عن التقاطعات السياسية، أما فجرُنا القادم فلستُ أجد له أصدقَ من قول القاضي الزبيري ليوم الاستقلال: يومٌ من الدهرِ لم تصنعْ أشعتَهُ .. شمسُ الضحى، بل صنعناهُ بأيدينا.

وبعزيمتكم أيها السوريون وتمسككم باستقلال بلدكم وحريته وكرامته، سنصنع شمس استقلال سورية العظيمة في مستقبلها الجديد”أ.هـ

 

بل بيَن د. الخطيب وعيه بأن الإرادات الدولية غير جادة وصرح معترفاً: “إني ارتكبتُ خطأ سياسياً فيما مضى، وهو ظني أن هناك دولة ما ستنقذ بلدنا، ليس لأننا محرومون من الأصدقاء، بل لأن الأنظمة الكبرى في السياسات الدولية لديها فقط مصالح وخطوط حمراء، وهذا ما يهمها

 

كما أظهر الخطيب أنه لا “حل ببقاء رأس النظام فهو سبب الكوارث كلها، بل لابد من إسقاطه”، لماذا بعد كل هذا الوضوح من الدكتور الخطيب تظهر أصوات وتخوينات وتنشر أراجيف وأكاذيب من هنا وهناك؟

 

لابد أن نؤكد على غياب الوعي السياسي لدى شرائح كثيرة وسيادة الانفعال على الفعل، والعاطفة على التعقل قد أفقدت الثورة الزخم الداخلي والعاطفي ووضع الثورة على المحك وفتت مفهومها الأول “الشعب السوري واحد”، وفت من عضدها فتحولت إلى نكايات وخصومات كيدية وضيع الكثير من الإمكانات المواتية؛ لتعزيز مفهوم الثورة وإنجاح مبتغاها الوطني الحر.

 

لم يحج وفد الخطيب بمال قطري إلى روسيا، كما لم يكن مفتوناً بها، ولم ينتظم بأي حزب يوالي أو حتى يعادي الروس، أدى معاذ الخطيب دوراً وطنياً وحاول تحريك عجلة السياسة الروسية الراكدة والمبنية على التحجر الذهني، فالروس الذين يؤمنون، بل يرحبون بما يسمى بالدول الفاشلة والصراعات المجمدة من جورجيا إلى مولدوفا إلى أوكرانيا، فلماذا تكون سوريا استثناءً؟

 

 

وإذا كانت “شعوب” هذه الدول كما تراها موسكو قادرة على أن تحكم جزء من الدولة وأن تجعل من المستحيل على الآخرين أن يحكموا ما تبقى من البلاد، فلم لا؟

 

 

لم يغب عن د. الخطيب هذا التفكير الروسي فكانت رؤيته السياسية مبنية على فتح آفاق للحل السياسي، وضرورة العمل، ومن خلال ثوابت شعبنا في نيل حريته، على إيجاد آليات لانتقال سياسي، حيث لا يمكن للمنظومة القائمة أن تجمع السوريين وتبني بلدهم، وتم التأكيد على أولوية إنقاذ سورية شعباً وأرضاً، وإيقاف القتل والدماء.

 

إن الانفتاح في التفاوض لدى د. الخطيب مع الروس كان مرهوناً بشروط الحل الديمقراطي وبخطوات تتناسب مع مقاييس الفهم الدولية، وتنسجم مع منظومة قيم الثورة الأخلاقية والثقافية والتاريخية والدينية. كل ذلك يسبقه ترحيل رأس النظام “إن بلدنا لا يمكن أن يكون في عافية بوجوده وهو المسؤول الأول عما آلت إليه الأوضاع من الدماء والخراب”.

 

التدخل الروسي والاحتلال المباشر لسوريا كان بناء على توافق إيراني بدعم العمل العسكري الروسي فخصوم إيران وروسيا في سوريا هم من يخاصمون النظام ورأسه، كما أن العجز الروسي يحتاج إلى فياغرا إيرانية كي تقذف صواريخاً على المعارضين لبشار .

 

إن التردد الأمريكي تجاه القضية السورية قابله موقف روسي ثابت في الولاء والوفاء لمصالحه حيث :

ـ لا تعير روسيا أي اهتمام لأي مشكلة ظهرت بسبب بقاء بشار الأسد على رأس الحكم فاللجوء مشكلة أوروبا، والطائفية مشكلة الشرق الأوسط والقتل، عملية داخلية يمارسها السوريون فيما بينهم.

 

ـ تهشيم أنف (السنة) من خلال ادعاء استهداف داعش.

 

ـ توسيع دائرة الوهم عند البسطاء من الناس وشرائح الشباب أن داعش على حق وأنها مستهدفة.

 

ـ فرض معادلات جديدة تسمح بحل يحقق مصالحها من خلال رفع شعار خصوم الأسد هم من الإرهابيين.

 

ـ الترويج الإعلامي الضخم أن الثوار هم الدواعش؛ وتكوين رأي عام يُبين أن ما يحصل في سورية، ليس ثورة، بل هو صدام بين حكومة وإرهابيين.

 

إن روسيا وهي حسب الواقع، وعلى حد تعبير ما قاله الدكتور معاذ، اللاعب الأبرز والأهم في القضية السورية، “بعدما خرجت روسيا من حوض المتوسط وليبيا والعراق، فإنها أكثر تمسكاً ببقائها في سوريا وستكون شرسة جداً في الخروج منها، وهذا ما تفهمه القوى الدولية، ولا تريد الآن إثارة نزاعات قاتلة، وإن حصل، فالشعب السوري وحدَه هو من سيدفع ثمن صراعات دولية متجددة في سورية”

 

وهذا ما يفسر مؤخراً أن ثمة تنسيق واضح بين العمل العسكري الروسي والأمريكي في سوريا وأن من يدفع ثمن هذا كله هو الشعب السوري وفقط.

 

لكن وفي الختام ما قصة المثل الشامي الذي عنون المقال به، وما رابطه بالمقال؟، إن ردود الأفعال التي تثار بين الحين والآخر حول د.معاذ الخطيب وغيره، ليست من باب الاختلاف الثوري المحض، ولا من باب المصلحة الوطنية، فيظهر أن هناك يداً شقية تحاول هدم أي عمل وطني وتبث الخلافات هنا وهناك. وهي لمصلحة النظام، الخلاف لا إشكال فيه إن بني على روح وطنية، وليس على أخلاق تخوينية .

 

 

إن من مآسي الثورة السورية الاتلاف الذاتي من خلال إعلاء أصوات التشهير التنكيل والتجزئة ولن تنتصر ثورة تقتل أولادها.

 

 

إن السياسة تعني فن الممكن أو القيام على الشيء بما يصلحه، والمفترض أن تكون إجراءاتها وطرقها وسائلها وغاياتها مشروعة، فليست السياسة هي الغاية تبرر الوسيلة، ولكن السياسة كل شيء ممكن بشروط فصديق وحليف الساعة خصم بعد ساعة مادام المصلحة تفرض ذلك.

 

 

لا حرج في الالتقاء مع أي خصم سياسي، مادام هناك مصلحة متوقعة ولا ضير في الانقلاب على هذا الخصم إذا انتفت المصلحة، ولكن إذا كانت السياسية بلا دين فلتكن أخلاقنا وخلافاتنا لها دين وأخلاق.

 

د. علاء الدين ال رشي رئيس المركز التعليمي لحقوق الانسان ألمانيا

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد