كانت الدراما السوريّة في فترة ما بوابة التعريف بالمجتمع السوري، وكتابًا مفتوحًا لدراسته بشتى أطيافه ومكوناته، ولكن -وربما عن غير قصدٍ- كانت هذه الدراما بعيدةً جدًا عن منطقة الجزيرة، فلا يظهر ابن الجزيرة في المسلسلات السوريّة إلا بشكل نادر، ناهيك عن الصورة الخاطئة أو المشوّهة التي رُسمت عن هذه المنطقة، فيظهر «الشّاوي» بصورة المتخلف الرجعي، والبعيد عن الحداثة والحضارة، حتى أنّ أغلب السوريين وإلى فترة قريبة يخيّل إليه أن أبناء الرقة ودير الزور والحسكة يعيشون في الخيام.

كنت أسمع في صغري أنّ بعض الممثلين السوريين مثلوا مسلسلًا عن الرقة، لكن لم يتسنَّ لي متابعته لأنه لم يعرض كثيرًا، ربما عُرض مرّة واحدة، وقد وجدته بعد عناء طويل على اليوتيوب وتابعته لأرى هل نجحت الدراما السورية ولو لمرة واحدة في إيصال الصورة الحقيقية عن المجتمع الشاوي البسيط؟

تدور أحداث قصة مسلسل (الغريب والنهر) في قرية من قرى ريف الرقة، وحسب منطقة التصوير فأظنّها من قرى الريف الشرقي الملاصقة لنهر الفرات.

«حليمة» بطلة المسلسل والتي جسّدت شخصيتها الفنانة يارا صبري، تدور كل القصة حولها، فهي فتاة جميلة وعاقلة وذكية؛ مما جعلها محطّ أنظار جميع شباب ورجال القرية، وكل  يريد الفوز بها؛ بل ويرون أنّ لهم الحقّ بالزواج بها.

ومع بداية العام الدراسي انتقل للتدريس في مدرسة القرية أستاذ من دمشق اسمه نبيل، جسد شخصيته الفنان حاتم علي، وهنا بدأت قصة حب بين نبيل وحليمة.

الذي يميّز هذا الحب أنّه كان حبًّا بلا تصريح، صنعته نظرات عاشقين ما باحا لبعضهما بشيء، عيون الأستاذ شُغفت بالفتاة الريفية البسيطة، والفتاة خطف فؤادها شخصية المدرس المثقّف الطموح، وتميّزت هذه القصّة ببساطة أركانها وسلاسة أحداثها.

أعجبني بين الأدوار دور أم جاسم وهي والدة حليمة، والتي أدّته الفنانة ثراء دبسي، بالفعل أجادت الدور الرقّي باحترافية بالغة، فمن لا يعرف نساء الرقة فلينظر إلى أم جاسم ليتعرف إلى شخصية المرأة الرقيّة، امرأة عاقلة وذكية، قوية، تمتاز بقلب طيّب، وعفوية صادقة.

مثّل هذا المسلسل خطوةً وإن كانت خجولة غير مكتملة في رسم ملامح منطقة يجهلها الكثير من السوريين، ووضع نقاط عديدة على حروف الشخصية الشاوية المجهولة من قبل الملايين، وصور ملامح الحياة الرائعة رغم بساطتها التي يحياها أهل الريف الرقّي، ونجح المسلسل إلى حدّ بعيد في كسر الصورة النمطية عن مجتمع الجزيرة السوريّة.

من أصدق ما سمعت في هذا المسلسل عبارة من موظف في التربية ينصح بها الأستاذ نبيل قبل ذهابه إلى القرية؛ فقال له: إنّ من يدخل الرقة يدخلها باكيًا ومن يخرج منها يخرج باكيًا.

يبكي قبل دخولها لأنه يتصور نفسه ذاهبًا إلى صحراء قاحلة، وجو كئيب، أو ربما يتصوّر نفسه سيعيش في سجن كبير ريثما تنتهي مهمته ووظيفته في تلك المنطقة، وعندما يدخل الرقة ويرى أهلها وطيبتهم، ويلامس روعة الحياة فيها فإنّه يبكي على فراقها، وعندما يخرج منها يشعر أن شيئًا من قلبه قد اقتُطع.

المسلسل كان من تسع حلقات فقط، ولم يغط كل جوانب الحياة في الرّقة، وكانت نهايته حزينة بسبب مقتل الأستاذ نبيل على يد أحد أقارب حليمة، وإن كنت أشتهي أن تكون النهاية تحمل شيئًا من الفرح والسرور لقصة العاشقين، وعلى كلّ حال من ناحية رسم البيئة الرقية قد أفلح القائمون على المسلسل في رسمها، واستطاعوا أن يجسّدوا الشخصيات باحترافية فائقة، ونال درجة القبول كأول عمل فنّي عن الرقة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الحلقة الأولى من مسلسل الغريب والنهر
عرض التعليقات
تحميل المزيد