البحث عن حياة عاقلة في الكون

على مائدة الغذاء، في يوم من أيام عام 1950، دار حوار بين أُنريكو فيرمي Enrico Fermi، العالِم الأمريكي، الإيطالي المولِد، والحائز على جائزة نوبل، مع مجموعة من زملائه في مشروع مانهاتن Manhattan Project (بالمعمل الوطني في لوس آلاموس Los Alamos، الذي قام بصناعة القنبلة الذرية الأمريكية) حول احتمال قيام غرباء Aliens من الفضاء بزيارة الأرض في أطباق طائرة. بالطبع لم يكُن أحد من العلماء المجتمعين حول الطعام يعتقد في أي من هذا اللغو. مع ذلك، فاجأ أُنريكو الجميع بسؤاله: إذًا أين ذهب الجميع؟ في إشارة لضخامة الكون وعُمره الطويل، ووجود ما لا يقِل عن 500 ألف مليون نجمة في مجرتنا وحدها، مع احتمال وجود نظام كواكب لكثير منها. هل نرضى بواقع الحال؟ ونكتفي بالتصديق أن الأرض وحدها هي التي تضِج بألوان الحياة المختلفة!

ليس عليك أن تتعجل في محاولة الإجابة عن تساؤل أُنريكو الآن، فقد مرت مسألة الغرباء بأطوار عديدة، بدأت بتسجيل البعض لما زعموا أنها مُشاهدات لأطباق طائِرة، منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، بل التقابُل معهم؛ أو اختطاف الغرباء لبعض بني البشر لإجراء تجارُب عليهم… إلخ تلك الإدعاءات، التي أثْرَتها هوليود بأفلامها، وما تزال. ثم حماس بعض الفلكيين للموضوع، وقيامهم بتأسيس معهد البحث عن حياة عاقلة خارج الأرض Search for Extraterrestrial Intelligence: SETI بالجهود الرائدة للفيزيائي الفلكي الأمريكي فرانك دريك Frank Drake، صاحِب المعادلة الشهيرة عن حساب احتمال وجود حياة عاقلة في موضع ما من الكون. وأخيرًا آل موضوع الغرباء إلى أن أصبح في دائرة العلم الحقيقي، كما سنرى.

استراح فيرمي لاستنتاجه الشخصي في محاولة الإجابة عن سؤاله؛ فقال إن المسافات الكونية الهائلة ستجعل مشقة السفر البعيد مُرَوِّعَة؛ من ثم لن يُغامر عاقل بقطع مثل هذه المسافات كي يزورنا على الأرض!

مع ذلك ألم نُعلِن نحن البشر عن وجودنا عندما قام مُخترع الراديو الأمريكي، ماركوني Marconi، المولود في ايطاليا، ببث أول إشارة راديو عبر الأطلنطي في 12 ديسمبر (كانون الأول) عام 1901؟ وملأنا الفضاء بعد ذلك بشتى أنواع الموجات الكهرومغناطيسية، التي يُمكننا بحساب بسيط القول إنها انتشرت في محيط ألف مليون مليون كيلومتر بعيدًا عن الأرض، وهي المسافة التي يقطعها الضوء في 100 عام تقريبا؛ وكما هو معلوم، فإن موجات الراديو والتلفزيون، والأشعة السينية وتحت الحمراء، وغيرهم، جميعها تنتشر بسرعة الضوء. أيضًا أليس لدينا أسباب كافية نُجزِم بموجبها أن قوانين الكون واحدة؟ من ثم فإن الموجات الكهرومغناطيسية هي وسيلة الاتصال الوحيدة عبر المسافات الفلكية الهائلة.

إذًا على نسق التفكير ذاته، يُمكننا – نظريًا على الأقل – أن نستقبل، هنا على الأرض، نمط ما من الموجات قادمة من حضارة عاقلة في الكون. لقد كان ذلك هو الدافع وراء قيام مجموعة الفلكيين المُتحمسين بإنشاء معهد SETI، الذي أشرنا إليه سابقًا، ثم التصق الاسم بعد ذلك بالعديد من المشروعات المُماثلة حول العالم، التي انخرطت في محاولة استكشاف وجود كائنات عاقلة في الكون؛ منها على سبيل المثال، المشروع المُسمى على اسم طائر العنقاء الخرافي Phoenix، الذي دام لقُرابة عشر سنوات، انتهت في 2004، لكن دون الوصول لأدنى نتيجة. مع ذلك أدت كل هذه المساعي الفاشلة إلى إذكاء البحث العلمي في محاولة العثور على كواكب ضمن مجموعات شمسية تُشبه مجموعتنا، وأصبح لا يكاد يمُر شهر دون أن يقوم الفلكيون برصد كوكب هنا أو هناك.

الذي يُمكن تأكيده بوضوح، أنه لم يعُد أحد يهتم بفكرة الغرباء Aliens سوى صُنَّاع السينما. لقد تحوَّلت العملية العبثية للبحث عن حضارة وكائنات عاقلة، بعد أن مُنِيَت بخيبة ثقيلة عبر نصف قرن تقريبًا، إلى البحث العلمي الجاد عن مُجرد أي مظهر من مظاهر الحياة؛ حتى أنهم يخططون في الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء، ناسا The National Aeronautics and Space Administration: NASA، لإطلاق جيل جديد من التلسكوبات الفضائية في 30/3/2021 لأغراض مُتعددة، منها فحص المظاهر الدالة على وجود حياة في الكواكب الخارجية للمجموعة الشمسية (أي المشترى وزحل وأورانوس ونبتون)، وما وراءها. وقد أُعطي هذا المشروع اسم التلسكوب الفضائي جيمس وِب James Webb Space Telescope: JWST، تكريمًا لاسم مدير ناسا الأسبق، جيمس وِب، في الفترة من 1961 – 1968، وهي المُدَّة التي شهدت الجهود الجبارة لرحلات أبوللو Apollo، والتي تُوِّجَت بنزول أول إنسان على سطح القمر.

كما كان من حسنات السعي وراء البحث عن حياة خارج الأرض، أننا بدأنا نتساءل عن كيفية بزوغ الحياة على الأرض، وعن سبب تميُّزها بهذا العدد المهول من الكائنات الحيَّة. وفي الواقع، تعتمد الإجابات عن مثل هذه الأسئلة على طريقتك في التفكير؛ فأنت قد ترى مثلي أن الحياة على الأرض مُعجزة هائلة، وتكرارها يُفقدها قيمتها كمُعجزة مُتَفَرِّدَة، وقد تراها مُجرد نتيجة عشوائية لسلسة طويلة ومُتشابكة من الأحداث العمياء؛ من ثم فإن تكرارها وارد وِفق قوانين الاحتمالات، تمامًا مثل الفائز باليانَصيب، الذي يظُن نفسه ذا حظ عظيم، في حين أن الجائزة لو ذهبت لغيره، لكان أيضًا من حقه أن يظُن أنه ذو حظ عظيم!

لعل المُعضلة الأساسية في فهمنا للحياة تكمُن في محاولة الإجابة عن كيفية تَحَوُّل الكيمياء إلى البيولوجيا، أي كيفية تحول مجموعة هائلة من المركبات الكيميائية، البسيطة والمُعَقَّدَة، التي تخضع في تفاعُلاتها لقواعد مُحددة، أن تتجمع على نحو مُدهش لتنتُج الخلية الحية، التي بإمكانها التكاثر والانقسام، ومنها تتكون الأنسجة، ثم الأعضاء، ثم الكائن الحي، الذي بدوره يُصبح له غرائز وعقل وإرادة حُرَّة، وإمكانات ورغبات وأحلام.. إنها لنقلة بعيدة حقًا.

مع هذا كله، حصلنا على ثمرة علمية للسعي المحموم نحو محاولة الكشف عن وجود حياة خارج الأرض؛ حين اكتشفت الفيزيائية الفلكية الإيطالية النشأة، والمُقيمة في لندن، جيوفانا تينيتي Giovanna Tinetti عام 2016 وسيلة لتحليل الطيف القادم من الكواكب، بحيث يُمكن معرفة تركيبه الكيميائي، وما إذا كان يحتوي على ماء وأكسجين وجزيئات عضوية مُعقدة؛ من ثم أصبح لدينا طريقة جديدة يُمكن استخدامها مُستقبلًا للبحث عن الحياة بعيدًا عن الأرض. كما أن العلماء يخططون لإرسال أسطول من المركبات الفضائية الصغيرة، التي تعمل بتوجيه الليزر، إلى كوكب بروكزيما Proxima، الواقع على بُعد حوالي أربع سنوات ضوئية، بسرعة تساوي خُمس سرعة الضوء؛ من ثم نترقب وصولها للكوكب بعد 20 سنة، ويكون علينا الإنتظار بعدها أربع سنوات أخرى كي نبدأ في استقبال ما سيُرسِلَه الأسطول من صور ومعلومات، وهي المدة التي تستغرقها الموجات الكهرومغناطيسية في طريق عودتها للأرض بسرعة الضوء.

محطات كثيرة مررنا بها، وما نزال في أول الطريق. قد تبدو عملية البحث عن الغرباء تافهة، بلا معنى، مع ذلك لا ريب أن هذا المسْعَى ساقنا إلى الانخراط في محاولة الإجابة عن السؤال الكبير: ما الحياة؟ أضف لهذا ما أمكن اكتشافه من تقنيات أنتجت لنا طرقًا علمية جديدة، وليس بعيد أن يؤدي بنا هذا الأمر في قابِل الأيام إلى عِمارة الفضاء، واستيطان الأقمار والكواكب في المستقبل، ولربما حللنا عُقدة الزمن، ليُصبح بإمكاننا التحرك فيه للمستقبل أو الماضي، بمثل ما أن بإمكاننا التحرك في المكان. من يدري، لربما ملأنا السماء صَخَبا يوما ما، فنصير نحن.. الغرباء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد