على عكس ما كانت تدور عليه عجلة دوران الحياة السياسية المصرية، عاد المصريون مجددًا إلى الشوارع أملًا منهم في صناعة ثورة شعبية مرة أخرى، ضد نظام السيسي، واستنهاض فترة ديمقراطية جديدة.

الذي يحدث الآن لم يكن متوقعًا إلى الحد البعيد، ليس من أنصار السيسي وحده، بل المصريين أنفسهم، وأن تولد الثورة وتحيا من جديد، والثورة الأخيرة، رغم نجاحها في إطاحة نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، إلا أن نحاجها لم يكن كامل الدسم، كما يرى البعض، فصعد الإخوان المسلمون إلى سدنه الحكم، إلا أن نظامهم قد رُفض من قبل الشارع المصري في ظل تمسكهم بتنفيذ الشريعة الإسلامية، فهبت رياح التغير أوساط الأحزاب السياسية الأخرى والمعارضين، وبخاصة لنظام الإخوان، فاحتقن المشهد السياسي المصري، وانقسم إلى اثنين، الأول يوافق ما أملاه نظام مرسي، والآخر يقف على الضفة الأخرى معارضًا له، لتبدأ موجة من الثورات، بعد عام من تولي مرسي، مقاليد الحكم، فتمت الإطاحه به في 3 يوليو (تموز) 2013، بعد الإعلان عن إجراءات، عُرفت بخارطة الطريق، عارضها مؤيدو الرئيس محمد مرسي وقتها واعتبروها – ومعهم جزء من المُجتمع الدولي والعربي- انقلابًا عسكريًا على حكم مرسي، بينما أيدها المتظاهرون والمعارضون للرئيس محمد مرسي وقتها واعتبروها ثورة وتأييدًا لمطالب شعبية، فتم انتخاب السيسي في العام 2014 لمدة أربع سنوات بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية 2014، ذلك بعد (أول رئيس مدني منتخب بعد ثورة 25 يناير) وبعد سنة من توليه مقاليد الحكم عقب مظاهرات طالبت برحيله.

استبشر المنادون بالتغير، والكارهين لحكم الإخوان المسلمين، وعامة المصريين، بالمُخَلص الجديد السيسي خيرًا، ينأى بالبلاد من كارثة سياسية، قد تفتح جبهات داخلية، البلاد في غنى عنها، فبدأ السيسي في إرساء قواعد حكمه، وأحكمة قبضته على كل مقاليد ومفاصل الدولة المصرية، خاصة في ظل ظهور الهجمات الإرهابية على دور العبادة للمسيحيين والمسلمين، وأماكن التجمعات الكسنية وسكك القطار، والأماكن السياحية، إلى جانب سينا، الجرح الغائر الذي لم يندمل بعد.

وشيئًا فشيئًا تحولت هذه القبضة إلى نظام السيسي بعد القبول الكبير الذي وجده في بداية حكمه إلى أداة بطش تضرب بيد من حديد منعًا لحريات التعبير، والرأي والرأي الآخر، إلى جانب انتهاك حقوق الإنسان، خاصة الصحافيين، ورموز البلاد السياسية من المعارضين للسيسي والناشطين، وكل ذلك تحت ذريعة درء الفتن العرقية والإثنية والدينية، والإرهاب، فضاق المصريون ذرعًا بهذا النظام، فر بعضهم ممن أفلح في الفرار، وما تبقى من النخب السياسية بدأ في البحث عن بدائل لمناهضة نظام السيسي، والذي اعتبرته أداةً وبوقًا لبعض الدول الخليجية، خاصة بعد إقحام مصر في قضية، السعودية – قطر، وليس لمصر ناقة فيها ولا جمل على حد قولهم.

هذه التحركات التي بدأت تحرك المياه تحت الجسر، جعلت السيسي يحسب خطوات قبل الإقدام على أية خطوة جديدة، الأمر الذي جعله يسقط كثيرًا في براثن أخطاء نظامه متناقضًا في الكثير من موافقه.

وبنظرة عامة، الشاهد والمتأمل للثورة التي انتظمت الشارع المصري، يجد أنها ترسم صورة، مغايرة للصورة التي رسمها نظام السيسي، ومؤسساته ووزراته، والتي تؤكد مدى الغبن والبطش والكبت، الذي كان يعيش فيه المواطن المصري، بعد سنوات ليست بقليلة، عن ثورة الخامس والعشرين من يناير المجيدة تلك، خاصة بعد ظهور عدد من الفيديوهات التي توضح مدى التعذيب والتنكيل الذي يحدث داخل السجون، المعتقلات وبيوت الأشباح، وغيرها من مسميات معتقلات الأمن المصري، وكأن الشارع المصري كان ينتظر فقط من يوقد شعلة الثورة، ويحمل مشعلها، فوجد ضالته في محمد علي هذا.

عديدة هي الأسئلة التي تدور في أذهان المحللين والمراقبين، للأوضاع السياسية المصرية هذه الأيام، وهم يتساءلون عن المآل الذي سيؤول إليه نظام السيسي، فهل هو قادر على الصمود أمام رياح التغيير هذه؟ وما مدى تفهمه حقيقة المطالب التي ينادي بها الشارع؛ وإن كانت غير منطقية في بعضها؛ والتي لا تقبل بالسيسي ونظامه بتاتًا، وما موقف شركائه الخليجيين؟ هل سيتخلون عنه والتضحية به إذا ما تطلب الأمر؟ وهل سيستنسخ السيسي تجربة بشار سوريا، لكن في نسخة مصرية؟

قد تتغير الموازين والقوى السياسية في المنطقة، بين الفنية والأخرى، جراء هذه الأحداث الماثلة أمامنا في الساحة السياسية المصرية الآن، لكن الثابت في كل هذا، هو أن المواطن المصري طالما وجد ضالته في هذا الشارع، لن يتركه، لأنه الضامن الحقيقي لمكتسبات الثورات، والأداة التي تحقق عبرها الشعوب، كل ما تتمنى من حقوق وواجبات وتطلب، شرعية وإنسانية، كفلتها الدساتير ومعاهدات حقوق الإنسان، حياة كريمة دون من ولا أذى، كما يتمنى المصريون وطنًا مصريًا ينعم بالأمن والسلام، والديمقراطية، وحرية التعبير، بغض النظر عمن يحكم، فمثلما ثار قبل ثماني سنوات، وبعدها بعام، ها هو اليوم يثور، ولن يسكت أبدًا، حتى إذا جاءت حكومة أخرى غير نظام السيسي، سيثور وسيظل كذلك حتى تتحقق مطالبه، لماذا؟ الإجابة ببساطة.. لأن الشوارع لا تخون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات