منذ انطلاق شرارة الثورات العربية بدأت حدة الاستقطاب في الشارعين العربي والإسلامي تتضاعف بشكل غير مسبوق، (معارض – مؤيد)، (إسلامي – علماني)، (سنّي – شيعي)، (معتدل – متطرف)، (داعم للثورة – داعم للاستبداد)، ثنائيات كثيرة سياسية وأيديولوجية وطائفية تضاعف استخدامها بشكل كبير في الآونة الأخيرة.

استقطاب لم يشمل المصطلحات فقط، بل انتقل بجزئه الأكبر ليتمركز حول أشخاص (بوتين، أردوغان، بشار، السيسي، البغدادي،…)، حيث بدأ بعضهم يشكل محورًا للانقسام الحاد ما بين مؤيد «للعظم» ومعارض «للعظم» كما يقولون.

وكما هو معتاد مع كل حالة من حالات الاستقطاب خصوصًا في المجتمعات العربية والإسلامية فإن العاطفة تتغلب على العقل عند شريحة واسعة، ومن هنا أحببت أن أتناول في هذا المقال نقطة واحدة رئيسة غفل عنها الكثير في نقاشاته وتحليلاته ومقالاته، وهي الفرق بين «القائد» و«الحليف» حيث أدى الخلط بينهما للوصل إلى نتائج غير موفقة في كثير من الأحوال.

ويجب التنويه أن الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» هو هنا كمثال لدراسة هذه الحالة وليس لاستعراض مواقفي تجاهه، فأحببت أن يكون مثالًا على الفكرة التي أتحدث عنها، لا لأحلل الحالة التركية والانقلاب وغيرها من القضايا التي لها أهلها من الباحثين المختصين بالشأن التركي ممن بت أشفق عليهم من كثرة المتطفلين على عملهم، إنما أتناول شخصية الرئيس «أردوغان» كونه من أبرز الشخصيات التي أحدثت استقطابًا كبيرًا حولها في الساحتين العربية والإسلامية.

أردوغان القائد القوي

لا يخفى على أحد الدور البارز والمتصاعد للرئيس التركي «رجب طيب أردوعان» منذ أن كان رئيسًا لبلدية إسطنبول عام (1994) والتي تولاها وهي تعاني من أزمات كبيرة على المستويات الاقتصادية والمعيشية والصحية، حيث حقق «أردوغان» العديد من الإنجازات النوعية، خصوصًا فيما يتعلق بمشاريع البنى التحتية للمدينة، وذلك فبل أن يسجن عام (1998) بتهمة التحريض على الكراهية الدينية، وذلك بعد اقتباسه أبياتًا من الشعر التركي تقول (مآذننا رماحنا والمصلون جنودنا).

عاد «أردوغان» للعمل السياسي بعد تأسيس حزب العدالة والتنمية عام (2001) الذي فاز بانتخابات (2002) حيث ترأس الحزب رئاسة الحكومة، وفي عام (2003) تولى «أردوغان» رئاسة الحكومة بعد إسقاط قانون منعه من تولي المناصب الحكومية إثر قضية عام (98).

استطاع الحزب بقيادة «أردوغان» تحقيق إنجازات عديدة على المستوى الاقتصادي أبرزها تضاعف مستوى دخل الفرد ما يقارب ثلاث مرات، وارتفع النّاتج القومي لمستويات قياسية ليصل إلى (820) مليار دولار خلال العام (2013) بعد أن كان (230) مليار دولار في العام (2002)، كما تضاعفت الصادرات التركية في عهد «العدالة والتنمية» حوالي خمسة أضعاف. يضاف إلى ذلك  إطلاق العديد من المشاريع الاستراتيجية كنفق «مرمراي» الذي يربط شطري تركيا الأوروبي والآسيوي عبر نفق بحري تحت مضيق «البوسفور»،  وجسر «عثمان غازي» المعلق وهو رابع أطول جسر معلق في العالم وغيرها من المشاريع الاستراتيجة الضخمة،كما أن إنجازات «أردوغان» لم تنحصر بالصعيد الاقتصادي فحسب، بل تعدته لتصل إلى العمل على إعادة العمق الإسلامي لتركيا كالجهود الملحوظة لتركيا في الصومال وميانمار، إضافة إلى إحياء الاعتزاز بالتاريخ العثماني لدى أبناء شعبه بطرق أكاديمية وإعلامية متعددة.

إنجازات كثيرة استطاع «أردوغان» إنجازها، ومشاكل كبيرة استطاع التغلب عليها، لا اعتقد أن  تكون آخرها «محاولة الانقلاب» الفاشلة التي كانت قد تطيح بحزب العدالة والتنمية وتركيا معًا، وربما تعيدها عشرات السنوات إلى الوراء تمامًا كما فعل «عبد الفتاح السيسي» عندما انقلب على «محمد مرسي» طبعًا مع فارق الانجاز والأداء بين «أردوغان» و«محمد مرسي».

حتى اللحظة ومما سبق يمكننا أن نتأكد أن «أردوغان» كان ولازال حتى الآن رئيسًا وطنيًا قويًا عمل لشعبه ونهض بوطنه بخطوات لا مثيل لها في المنطقة، وذلك بالرغم من محاولة العديد من الدول الحد من نمو تركيا الاقتصادي والسياسي.

لكن، علينا أن ننتبه أن جميع إنجازات «أردوغان» هي على الأقل وفي المدى القريب والمتوسط إنجازات للشعب التركي، وتركيا، ليس لفلسطين أو سوريا أو غيرهما، هذه الكلمات قد تثير حفيظة البعض خصوصًا عند البعض الذي اختلط عليهم التفريق بين «الرئيس القوي» و«الحليف القوي».

أردوغان والسوريون

بداية وقبل أي شيء علينا أن نتفق أن ما قدمه أردوغان في الملف الإنساني السوري واستقبال تركيا في عهد حزبه لنحو (3) ملايين لاجئ سوري فروا من الحرب في سورية بحسب الإحصاءات التركية هو أمر إنساني لا يمكن إنكاره، مع الإشارة أن ما قامت به تركيا من إجراءات هي ما نص عليه «القانون الدولي الإنساني» و«الاتفاقيات الخاصة باللاجئين»، لكن في ظل تراجع الموقف العربي وانحدار السياسة العربية إلى مستوى غير مسبوق من الإجراءات غير الإنسانية من إغلاق للحدود ومضايقات عنصرية ومنع عمل اللاجئين السوريين، بالإضافة إلى كشف زيف ونفاق الدول الأوروبية تجاه القضية السورية، خاصة فيما يتعلق بإغلاق الحدود في وجوه آلاف اللاجئين العالقين في اليونان، جعل من الدور التركي بالرغم من التراجع الحاد وإغلاق الحدود في الأشهر الأخيرة جعل منه دورًا إنسانيًا سباقًا.

وما سبق ينطبق أيضًا على الجانب العسكري من الحليف التركي، فالدعم التركي للمقاتلين في سوريا يُعد متقدمًا إذا ما قورن بالدعم العربي والإسلامي، لكنه يعد متواضعًا ولا يذكر مقارنة مع الدعم العسكري الذي تقدمه إيران وروسيا لحليفهما في دمشق، فكم من خطوط حمراء وضعها «أردوغان» مسحت بصمت دون أي ردة فعل تذكر.

أردوغان والفلسطينيون

أما في الجانب الفلسطيني فالأمر يأخذ حساسية أكبر بكثير من الملف السوري، خصوصًا في ظل حالة الخذلان غير المسبوقة التي عاشها الشعب الفلسطيني من الدول العربية التي كثيرًا ما طعنت حكوماتها الشعب الفلسطيني المقاوم في الظهر، فقد وصلت بعض الحكومات لقاع قاع الخيانة عندما تحالفت مع الاحتلال الإسرائيلي واستمرت بحصار أهلنا في غزة لأكثر من عشر سنوات، الأمر الذي جعل أي جهد يبذل وإن كان متواضعًا يظهر «أردوغان» بمظهر «المخلّص» للفلسطينيين خصوصًا مع لعب بعض الإسلاميين على الوتر العاطفي للشعب الفلسطيني بطريقة ممجوجة زادت من الصورة المتوهمة لـ «أردوغان» والتي تجاوزت صورة الحليف القوي.

فلم يأخذ راسمو تلك الصورة أي حسبان لمحددات العلاقات التركية الخارجية وتحديدًا مع فلسطين وأهمها موقف الاتحاد الأوروبي من حركة حماس والعلاقات التجارية والسياسية مع الاحتلال الإسرائيلي، وغيرها من الاتفاقيات.

وباعتقادي إن أردنا أن نوجز الدعم التركي لفلسطين يمكننا القول إن «أردوغان» من أفضل الحلفاء للشعب الفلسطيني فقط مقارنة بحالة الخذلان العربي والإسلامي للشعب الفلسطيني ومقاومته، وتوقف الدعم الإيراني والسوري العسكري والمادي لفصائل المقاومة الفلسطينية في فلسطين.

فحتى اليوم تركيا بقيادة «أردوغان» لم تسمح بافتتاح مكاتب رسمية لحركات المقاومة الفلسطينية في أراضيها وإن وافقت على استقبال بعض القيادات من «حماس» واستضافة آخرين بين الحين والآخر، مع الإشارة إلى انتشار العديد من التسريبات التي تحدثت عن طلب تركيا من بعض أعضاء بحركة «حماس» مغادرة أراضيها، يضاف إلى ذلك التراجع بالمواقف التركية تجاه كسر الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة.

بالإضافة إلى عدم استجابة تركيا لعديد من الطلبات التي تقدمت بها سفارة فلسطين، ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، والعديد من المؤسسات المدنية والأهلية في تركيا للسماح «لفلسطينيي سورية» الفارين من الحرب في سورية بدخول الأراضي التركية حيث توقفت السفارات التركية منح فلسطينيي سورية أي تأشيرة دخول إلى أراضيها منذ أكثر من (3) أعوام.

مما سبق يمكن القول إن «أردوغان» يشكل مثالًا للقائد الوطني الناجح، ومن المؤكد أن الملايين من العرب والمسلمين يتمنون أن يكون عندهم رئيسًا أو ملكًا أو أميرًا أو مرشدًا كالرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، وفي الوقت ذاته وبسبب معايير ومحددات تركية داخلية وخارجية وظروف متعددة لا تجعل منه «حليفًا قويًا» بالنسبة للسوريين والفلسطينيين، مع التأكيد أن تضخيم صورة «أردوغان» في أذهان الجمهور العربي في معظم الأحوال يأتي من مصادر عربية وإسلامية ترسل لجماهيرها ما تتمناه وليس ما يستطيع «أردوغان» تحمله.

ولعل أنسب ما يوضح تلك النقطة هو تصريح الدكتور «عمر الفاروق قرقماز»، مستشار الرئيس التركي في أحد المقابلات التلفزيونية والذي قال فيه «من يريد أن يساعد أو يخدم المصالح التركية من إخواننا العرب، أتمنى ألا يتجاوز سياسة حزب «العدالة والتنمية» (..) هناك نعرات وشعارات أكثر بكثير من حجم تركيا عند بعض إخوتنا العرب، وبالتالي هذا يجعل بعض الأصدقاء الغربيين يخافون من تركيا أكثر من اللزوم، فتركيا دولة وطنية في نهاية المطاف، دولة ديمقراطية وستبقى ديمقراطية ولن تتجاوز المعايير الإنسانية ولا المعايير الدولية».

وقبل الختام يجب تذكير البعض أن السياسة قائمة على المصالح لا العواطف، فكما قدمت تركيا دعمًا للسوريين على عدة مستويات، فقد استفادت من أزمة اللاجئين السوريين في الملف الأوروبي وكان الملف السوري ملفًا ضاغطًا لمصلحة الأتراك على حلفائهم الأمريكان والأوروبيين في أكثر من محطة، وأيضًا كما قدمت تركيا خدمات ومساندة للفلسطينيين ظهرت أمام الغرب بمظهر من يملك التأثير على حركات المقاومة الفلسطينية وأنها أحد أبرز الجهات التي يمكن أن تؤثر على المقاومة الفلسطينية خصوصًا بعد تأكد الغرب من خسارة إيران وسورية لأي فرصة للتأثير على قرار «حماس» أكبر فصيل مقاوم في فلسطين.

وختامًا يجب التأكيد على أن الفرق في الحكم على أي «قائد» أو «حليف» لا يكون واحدًا فلكل محدداته وسبله، فالقائد القوي ليس بالضرورة أن يكون حليفًا قويًا، بل ليس بالضرورة أن يكون حليفًا بالأساس، تمامًا كما هو الحال مع بعض القادة الأقوياء هنا وهناك.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد