في حياتنا وعلاقاتنا مع الآخرين ومع الموجودات في هذا الكون الفسيح، وخاصة على كوكبنا الجميل، نجد أن هذه العلاقات تنحصر في وجهين: أحدهما مادي والآخر معنوي، إذ يتخذ كل وجه من هذه الوجوه شكلًا ينافس به الوجه الآخر، ليضعه في تحدي البقاء، وكأنهما مصارعان يتدافعان ليتربع الفائز على كرسي الصدارة، والإنسان عليه أن يروض الأفضل ليجعله الأقوى، ليشعر بالسعادة حينما يتصدر الأقوى زعامة العلاقات في قلب الإنسان وعقله.

الوجه المادي

حينما تتحدد العلاقات مع موجودات هذا الكون من خلال قوانين وأنظمة، خالية من المشاعر والأحاسيس، تكون جامدة كنظام تشغيل آلة أو ماكينة، لا تقبل إلا المعطيات الموجودة في النظام، ولا تتعامل بغير ما صممت من أجله، وهذه الحالة المادية الصرفة تنقل التعامل إلى ضرورة وضع حلول للحالات المخالفة له، ودائمًا ما تكون هذه الحلول حلولًا قاسية وعقوبات صارمة؛ لأن عالم الماديات لا يسير إلا على الضوابط المحسوبة.

يحتاج الوجه المادي إلى نظام، هذا النظام يوزع المهام، ويرسم الحقوق والواجبات، ويحدد أماكن المخالفات وطريقة معالجتها، نستطيع أن نسمي هذا النظام بالقانون، والإنسان بحاجة إليه لوضع الحدود الكاملة لعلاقاته مع ما يحيط به.

ما المثال الذي نستطيع أن نضربه في ما يخص الوجه المادي من العلاقات؟

يمكن أن نأخذ على سبيل المثال علاقات دول العالم في ما بينها، إذ وضعت هذه الدول قانونًا دوليًّا عالميًّا يحدد فيه علاقات كل دولة مع باقي الدول، فارضًا على المخالفين لهذا القانون العقوبات الاقتصادية والعسكرية وحسب نوع المخالفة، ولكن هذا القانون ينظر إلى الدولة من خلال حكوماتها لا من خلال شعبها، ولهذا فإنك حينما تفرض عقوبة على دولة فإن المتضرر من ذلك الشعب أكثر من الحكومة، ولكن هذه النقطة لا يعيرها القانون أي أهمية؛ لأنه مصمم لأداء واجب مادي بحت، ومن أجل تجاوز هذه الفكرة لا بد من تدخل الوجه الثاني من التعاملات.

الوجه المعنوي

والذي بدونه تنتهي الحياة البشرية، إنه يمثل العلاقات غير الملموسة، إنه الأحاسيس والمشاعر الإنسانية، نظام لا تقيده المادة، يتأثر بها ويؤثر بها، ولا يستطيع أي قانون مادي أن يحل محله أبدًا، إنه حب الزوجين بعضهما لبعض، وعشق الأم لأبنائها، وفرحة المعلم لنجاح طلبته، والخوف من فقدان من نحب، ومراعاة ضعف الآخرين، إنه الطموح، والتفكر، والإرادة، والعنفوان، والثورة والاندفاع، إنه نظام أكبر من أن يستوعبه قانون مكتوب، نحن بحاجة إلى تفعيله من أجل أن نعيش كبشر سعداء، نتصافح ونغفر عن المسيئين، نعطي فرصة للتائبين والنادمين، نراعي الظروف القاسية التي تغير من طبائع الإنسان، وتؤثر في قراراته وتصرفاته.

القانون المادي يحاسب المدمنين على المخدرات، ويعاقبهم بالسجن، ويتعامل معهم على أساس أنهم مجرمون، بينما الواقع أن هؤلاء هم ضحية ظرف معين دفعهم إلى تعاطي المخدرات للهروب من واقع مؤلم، أو اندفاع متهور، أو وقوع في فخ، لذلك القانون الإنساني ذي الصبغة المعنوية يتعاطى معهم بإحسان، إذ يعالجهم من إدمانهم ويعطيهم الفرصة؛ لأن الرحمة صفة إنسانية مميزة، تتعامل مع الأشياء بعاطفة إيجابية، تطمح إلى خلق الفرص الجيدة أمام المخطئين، وتخاطبهم بلغة الحب والاحترام والتشجيع ورفع الهمم من أجل الخلاص.

ما يجب أن نفهمه

لكن ما يجب أن نفهمه، أن الحياة من غير قانون مادي ستكون معرضة للفساد والإفساد، وحياة من غير أحاسيس إنسانية تلين حدة القانون المادي ستجعلها جحيمًا، لذلك لا يوجد بين القويين من هو أفضل من الثاني، فنحن بحاجة إلى الجانبين المادي والمعنوي لإدارة حياتنا بأفضل ما يمكن، وأن نجعلهما بقوة واحدة متساوية لا يغلب أحدهما الآخر.

والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد