الهيكل المؤسسي لحزب الدولة الصيني، ظل على حاله تقريبًا على مدى العقود الماضية، لكن الخلفيات المهنية والتعليمية لعضوية الحزب الشيوعي الصيني وزعماء الحزب تغيرت بشكل عميق؛ إذ تحول الحزب الشيوعي الصيني من حزب ثوري يتكون أساسًا من الفلاحين والجنود وعمال المدن إلى حزب حاكم يضم عددًا متزايدًا من الأعضاء من مختلف مجالات المجتمع.

فعلى مدى عشرات السنوات الماضية، ازداد حجم الحزب الشيوعي الصيني بشكل هائل، وازدادت عضوية الحزب من حوالي 5 ملايين في عام 1949 عندما وصل الحزب إلى السلطة إلى 85.1 ملايين في منتصف عام 2013، حيث إن ما يقرب من نصف هذا النمو قد حدث منذ نهاية حقبة (الماويين) في عام 1976، كما أنه في عام 2011 جرى قبول 3.1 ملايين عضو جديد للحزب من أصل 21.6 ملايين متقدم، ومع ذلك ما يزال إجمالي عضوية الحزب تشكل نسبة (حوالي 7.5%) من مجموع السكان المؤهلين لذلك (أكثر من 18%).

هذا ولم يزد حجم الحزب الشيوعي الصيني بشكل كبير فحسب، بل تغيرت تركيبة مهنته بشكل كبير خاصة خلال العقود الثلاثة الماضية، ففي بداية عصر الإصلاح في عام 1981، شكل المزارعون والعمال القاعدة التقليدية للحزب الشيوعي (63.4%) من الحزب الشيوعي الصيني، فيما أصبحت هاتان المجموعتان تمثلان (38.6%) فقط من أعضاء الحزب الشيوعي الصيني في عام 2011، وبالرغم من أن المزارعين ما يزالون يشكلون أكبر شريحة منفردة في الحزب الشيوعي الصيني، فإن التكوين المهني الحالي للحزب يعكس تأثير التحديث وإعادة التوجيه الأيديولوجية للحزب، فعلى مدى العقدين الماضيين أو ما يقرب من ذلك، سعى الحزب الشيوعي الصيني بنشاط إلى تجنيد أعضاء من مجموعات نشأت فقط مع إصلاحات السوق، أي ما يسمى بالطبقات الاجتماعية الجديدة، والتي تشمل رجال الأعمال الخاصين، والموظفين الفنيين، والمديرين في الشركات الخاصة والمؤسسات الممولة من الخارج، والمهنيين المستقلين والعاملين لحسابهم الخاص.

وقد كانت فترة الثمانينيات والتسعينيات فترة «دوران تقني» داخل قيادة الحزب في الصين، ففي عام 1982 شكل التكنوقراط، الكوادر ذوي التعليم التقني على مستوى الجامعة 2% فقط من اللجنة المركزية، ولكن بحلول عام 1987 شكلوا 25% من اللجنة المركزية، وبحلول عام 1997 أصبحوا يشكلون أكثر من النصف، كما كان الأعضاء التسعة للجنة الدائمة للمكتب السياسي، الذين جرى انتخابهم في عام 1997، جميعهم مهندسين، بما في ذلك كبار القادة الثلاثة: الأمين العام، ورئيس المجلس الوطني الصيني، ورئيس مجلس الدولة، كما ارتفع تمثيل التكنوقراط بشكل كبير في فئات القيادة الرفيعة المستوى الأخرى، فعلى سبيل المثال في عام 1982، لم يكن لدى وزراء أو حكام الأقاليم في المقاطعات تعليم فني عالي المستوى، لكن بحلول عام 2002، كان 74% من أمناء الأحزاب الإقليمية، و77% من الحكام من التكنوقراط، لكن ابتداء من المؤتمر الحزبي السابع عشر الذي اجتمع في عام 2007، بدأت هيمنة التكنوقراطيين في القيادة الصينية في الانخفاض، وبدأت النسبة المئوية للقادة الحاصلين على تعليم غير تقني في الارتفاع بشكل حاد، وهم من تخصصوا في الاقتصاد والعلوم السياسية والقانون والعلوم الإنسانية؛ إذ إن وجود قادة متعلمين في مجموعة واسعة من المجالات قد يجلب منظورات أكثر تنوعًا إلى صنع السياسة وحل المشكلات.

وهكذا أصبح المجتمع الصيني التقليدي مع الوقت يميل إلى خفض قيمة (التجار) لأنهم يعيشون من خلال جني الأرباح من الآخرين، وليس من خلال العمل العقلي أو اليدوي الصادق والحقيقي؛ إذ بلغ الانحياز المناهض للرأسمالية أقصى درجاته خلال العقود القليلة الأولى من قيام جمهورية الصين الشعبية، واختفت جميع الشركات الخاصة والمتاجر التي كانت موجودة في الصين قبل عام 1949 في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي جزءًا من عملية الانتقال إلى الاشتراكية، كما كان خلال الثورة الثقافية أي شيء له علاقة بالرأسمالية سامًّا، وجرى تطهير كبار القادة بدعوى قيامهم برفع الصين إلى الطريق الرأسمالي، ولم يكن بالإمكان العمل الخاص الصغير والتوظيف الذاتي حتى نهاية حقبة «ماو»، والمؤسسات الخاصة التي يمكنها توظيف عدد كبير من العمال لم تكن موجودة في الصين حتى أواخر الثمانينيات.

كما قد ظهرت في السنوات الأخيرة، مجموعتان متميزتان: رجال أعمال ومحامون، بوصفهم لاعبين جدد ومهمين في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للصين، وعلى غرار هيمنة القادة المتعلمين في الحزب الشيوعي الصيني في الثمانينيات، فإن التأثير المتزايد لهذه الجماعات يمثل تحولًا رئيسيًّا آخر في المشهد السياسي الصيني، كما أن الحراك الاجتماعي المتصاعد والدور السياسي لأصحاب المشروعات (أصحاب ومديري الشركات الخاصة) أصبح أمرًا بالغ الأهمية.

هذا وقد ساهمت عدة عوامل في عودة ظهور رواد الأعمال في جمهورية الصين الشعبية، أهمها رفع المحرمات الأيديولوجية ضد الشركات المملوكة للقطاع الخاص، والسماح للهجرة من الريف إلى الحضر، والتي أوجدت عددًا كبيرًا من أصحاب المشروعات الصغيرة جدًّا في المدن الصينية، والمشروعات المشتركة بين الشركات الأجنبية والشركات الصينية الخاصة، وإنشاء أسواق الأسهم والعقارات، والثورة التكنولوجية التي ولدت صناعات خاصة وجديدة؛ إذ يذكر أنه في عام 2004، كان هناك 1.6 ملايين شركة خاصة في الصين، وبحلول عام 2012، ارتفع هذا العدد إلى 10.6 ملايين شركة، إضافة إلى وجود أكثر من 40 مليون شركة صغيرة تملكها الشركات الصغيرة، والتي لا تشغل أو تستخدم سوى حفنة من الأشخاص، وعادة ما يكون أفراد الأسرة والأقارب، وتسهم هذه الشركات الخاصة مجتمعة بنسبة 60% من إجمالي الناتج المحلي للصين، وتمثل أكثر من 80% من العمالة الحضرية، وأكثر من 90% من الوظائف الجديدة.

أما رجال الأعمال الصينيون فهم بالطبع كثيرون، حيث هناك ثلاث مجموعات فرعية متميزة: (1) رواد الأعمال العصاميون: وهم الفلاحون الذين تحولوا إلى الصناعيين في المناطق الريفية، وأصحاب الشركات التجارية ذات الأحجام المختلفة في المدن، وعادة ما يأتي رواد الأعمال العصاميون من خلفيات عائلية متواضعة، ويحصلون على القليل من التعليم نسبيًّا. (2) رجال الأعمال البيروقراطيون: وهم المسؤولون وأقاربهم الذين حققوا ثرواتهم جزئيًّا عن طريق استغلال السلطة بطرق مختلفة طوال عملية إصلاح السوق؛ إذ حصل عدد كبير من رواد الأعمال البيروقراطيين على درجات جامعية في الاقتصاد وحتى على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، كما أن معظمهم كانوا بالفعل أعضاء في الحزب الشيوعي الصيني أو مسؤولين عندما بدأوا في الانخراط في الأعمال التجارية الخاصة. (3) رجال الأعمال الفنيون: وهم المتخصصون في الكمبيوتر والإنترنت، الذين أصبحوا أثرياء نتيجة التطور التكنولوجي السريع، وقد يكون لدى رواد الأعمال الفنيين أو ليس لديهم روابط عائلية قوية ساعدتهم في الأعمال التجارية، وغالبًا ما ينظر إليهم على أنهم «فيلق المترفين» في الصين؛ إذ أن بعضهم تلقى تدريبًا في الخارج.

هذا ويمكن إرجاع صعود رواد الأعمال من حيث النفوذ السياسي إلى يوليو (تموز) 2001، وذلك عندما ألقى الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني، جيانغ تسه مين، خطابًا مهمًّا بمناسبة الذكرى الثمانين لتأسيس الحزب، حيث ادعى جيانغ في خطابه أن الحزب يجب أن يكون ممثلًا لثلاثة مكونات للمجتمع: القوى الإنتاجية الاجتماعية المتقدمة، والثقافة المتقدمة، ومصالح الأغلبية الساحقة، وهو ما يطلق عليه اسم «نظرية التمثيلات الثلاثة»، والتي كان تبريرًا أيديولوجيًّا للأولوية التي أعطيت للقطاع الخاص في التنمية الاقتصادية للصين، ولسماح لأصحاب المشروعات بأن يكونوا أعضاء في الحزب الشيوعي، وقد توصلت دراسة رسمية أجرتها إدارة عمل الجبهة المتحدة التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في عام 2004 إلى أن 34% من مالكي المؤسسات الخاصة كانوا أعضاء في الحزب الشيوعي الصيني، بعد أن كان 13% فقط في عام 1993، كما أن من بين هؤلاء 34%، فقط 9.4% انضمت بعد خطاب جيانغ عام 2001.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد