أولى الحضارات وأكبرها على الإطلاق ولدت على الأرض العربية، في العراق ومصر وسوريا واليمن والمغرب العربي، حضارات قديمة قبل ميلاد المسيح، عليه السلام، وحضارات بعد هجرة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كانت على طول عمرها مصدرًا للثقافة والتطور والعلوم، وكانت عصية على الأعداء، ورغم أن دوام الحال من المحال، فإن وصولنا إلى ما نحن عليه وتراجعنا وهواننا على الناس لا يمكن مقارنته مع التأريخ العريق لمن استوطن هذه الأرض.

آخر دولة عربية قوية حكمت الأرض العربية

لم تعرف الأرض العربية أي دولة عربية بعد دولة العباسيين، ومع سقوطها وسقوط الأندلس، لم يحكم هذه الأرض من هو عربي، واندثرت القومية العربية وضعفت وسط تشتت زرعه المحتل والمستوطن لهذه الأرض في نفوس أهلها، فتحت عنوان الإسلام اتخذ هؤلاء الغرباء ستارًا لهم للتسلق إلى اعتلاء كرسي السلطة والحكم، كانت بدايتهم في أوج قوة الدولة العباسية، والتي ترنحت بين أخوال العباسيين من الفرس والأتراك، لينشأ صراع دموي بين أبناء العباسيين انطلاقًا من موت هارون العباسي، لتنتقل الدولة العربية العريقة الى مرحلة التقلب بين ثقافة وأهواء الفرس، وثقافة وأهواء الأتراك، وبين أن يكون الحكم في بغداد وبعده ينتقل إلى بلاد فارس، ومن ثم يعود إلى سامراء العراق، ويعود أخيرًا إلى بغداد لينتهي هناك حلم الدولة العربية، ويقع العرب تحت سطوة الاحتلال المغولي، ومن ثم يجتمعون تحت لواء المماليك الأتراك، لتلغى القومية العربية ويحل محلها شعار الدولة الإسلامية بنسختها المقلدة لتتلاءم والعمل السياسي.

الدولة الإسلامية الجديدة، دولة هشة جاءت فقط من أجل السيطرة على الشعوب العربية، مستغلةً ما بدأه الآباء سابقًا من إحلال الفتنة والتفرقة بين طوائف المسلمين، وشيئًا فشيئًا تحول هذا العداء إلى سياسة لشن الهجوم على مخالفيهم، وصراع من أجل التوسع وحجة مستساغة من عوام الناس من القومية العربية، وخاصة إذا ما تحدثت عن الفرقة الناجية وأحقيتهم في دخول الجنة وأن جميع من سواهم إلى النار، فتنة طائفية كبيرة تستعر وكذبة سياسية صدقها الناس على أنها من مقومات الدين الإسلامي، ليقبع الفرد العربي المسلم تحت ثقل هذه الكذبة، والتي لم يتمكن من زحزحتها عنه على طول المدة ومرور الأزمان.

صراع تركي تحت مسمى طائفي

نشأت الدولة الإسلامية الكبرى بقيادة أبناء قطز التركي، ليعلوا شأن دولة العثمانيين وتتصدر الساحة وهي تفرض سطوتها ونفوذها على الدول العربية تحت مسمى الطائفة، لتتربع في حكمها قرابة خمسة قرون، وخلال محاولتها السيطرة والتوسع، ظهر في بلاد فارس والتي كانت محتلة من قبل الأتراك أيضًا، سلالة جديدة من الأتراك، هؤلاء تمردوا على أبناء عمومتهم، وانتقلوا لاتباع طائفة إسلامية غير طائفتهم، لتنشب بينهم حرب، شظاياها موجودة إلى يومنا هذا، وهي تخدش وتمزق العقول من المسلمين والعرب، صراع أبناء العم، صار صراع العرب بعضهم ضد بعض، وصار صراعًا بين المسلمين أيضًا.

ماذا جنت الدول العربية من الاحتلال التركي لها خلال هذه القرون الخمسة الطويلة؟ أين إنجازاتهم عدا الفكر المتطرف؟ وماذا جنت من تحول الصفويين الأتراك إلى اتباع مذهب آخر؟ متاهة كبيرة جدًّا يعيشها العرب اليوم، وهي ما جعل الغربيين يطمعون بهم، وحتى بعدما أوصلوا من أرادوا إلى سدة الحكم، فإنهم لم يخففوا من الطرق على مسمار الفتنة الطائفية واستغلالها، حتى تأسست دولة مبنية على التطرف والتكفير، واتخذت ذلك دستورًا لها.

هذه الدول العربية تتصارع اليوم فيما بينها، وتشتري السلاح من أعدائهم ليقتل بعضهم بعضًا ارضاءً لهم وهم يتحركون كبيادق في لوحة شطرنجية مضحكة ومبكية، هذه العقلية الفاسدة جعلتنا نقع في مصيدة سفك الدماء، وخاصة ما عانيناه كعراقيين من سوء تصرف الحكومات العميلة، فمن حرب إلى أخرى، ومن ضحايا الحرب، إلى ضحايا الصراع السياسي الداخلي وقتل المدنيين المعارضين لهذه الأنظمة، قتلى بالجملة، لم يسلم منها عسكري أو مدني، صغير أو كبير، مذنب أو بريء، ذكر أو أنثى، وما زالت الدماء تسيل على أرض العراق، وكذلك في سوريا وليبيا ومصر، ولعل اليمن هي إحدى محطات هذه اللعنة، حيث يتعرض اليمنيون إلى الإبادة لأن أرضهم صارت محط صراع الدول الإقليمية، ومن أجل ميناءٍ أساسي يفقد أطفال اليمن العرب حياتهم في مجاعة ونقص في التغذية، وانتشار الأمراض، وعدم توفر الدواء، صراع يقوده العرب لقتل أطفالٍ عرب، ذنبهم أنهم ولدوا في جانبٍ لا يتناسب مع جانب دول العدوان.

لا نعتب على أمريكا الغربية أو روسيا الشرقية، ولا نعتب على تركيا أو إيران، إن حاولوا التدخل في شؤون العرب، ولكن العار للعرب الذين يسفكون دماءهم ليرضوا كل هؤلاء الغرباء، سواءً كانوا من المسلمين أو من غيرهم، والعار للعرب الذين اضطروا أبناء عمومتهم لموالاة الأجانب للنجاة من بطشهم والخلاص من تسلطهم وجبروتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد