مَنْ منا لا يشاهد مدى التخلف والتراجع في مؤسسات الدولة الخدمية؟! وَمَنْ منا لم يشاهد عرقلة سير معاملات المواطنين البسطاء وهم يدورون في حلقات مفرغة باحثين عمن يجد لهم حلًا أو يكون لهم عونًا؟! يقف مئات الأشخاص من مختلف الأعمار ومن الجنسين معًا في ساحات وممرات تلك المؤسسات البائسة في الشمس، وتحت المطر، وبلا احترام أو تقدير، وأمام أنظار الجميع تتسرب معاملات الطبقة الخاصة من أبناء زيوس وأنصاف الآلهة الإغريقية، ومعها معاملات الدافعين والدافعات بحساب، ومن دون حساب، والمواطن الذي لا ينتمي إلى هذه الطبقات يبقى يتحسر، ولا يجد له مخرجًا إلا الصبر على هذا البلاء، لينتظر إنجاز معاملته التي تتطلب خمس دقائق ما يقارب 10 ساعات متواصلة، ولعله يعود لإكمال المعاملة ونقصها في مدة قد تصل إلى شهرين أو أكثر.

ما هو السبب في فساد المؤسسات وتعطل المواطن؟

لا يمكن حصر الموضوع بوجود فساد متفشٍ في هذه المؤسسات، وهو ما يجعل الأداء بهذا الفشل الواضح، ولكن هناك أسبابًا أخرى تساعد الفساد على النمو وتعطيل العمل، وأحد هذه الأسباب هو وجود صراع مستمر بين الآلية والنظام المعمول بهما في هذه المؤسسات الحكومية، حيث لا تتوافق الآلية المتبعة في تسيير المعاملات، مع نوع وحجم النظام المستخدم، وهذه الفجوة بين الاثنين هي من تصنع تلك الممرات الجانبية، وهي ما تُبقي المواطن البسيط عرضة للابتزاز، والضغط عليه، في سبيل الدفع.

الجوازات مثالًا

في هذه المؤسسة الخدمية المهمة نجدها تعمل وفقًا لنظام ثابت ومراقب من جهات أعلى، بل ومراقب أيضًا بالكاميرات، ولكن رغم عدم قصور النظام إلا أن الأجهزة الرقابية والكاميرات لا ترصد حالات التلاعب؛ بسبب فشل الآلية المتبعة لتحقيق النظام، فالمواطن يسلم معاملته إلى الاستعلامات، ومن دون أي رقم أو وصل بالاستلام يحدد الوقت والتاريخ وساعة التسليم، ومن ثم يدفعون به إلى صالة لا تكفي الجميع، وسط ضجة، وضوضاء بسبب جلب الناس لأطفالهم معهم، ومع وجود هذا الكم الهائل من المواطنين في قاعة مغلقة بانتظار أن ينادي الضابط على أسمائهم؛ لأداء البصمة، والانتقال إلى المرحلة التالية، وبسبب عشوائية استلام المعاملات فإنها وكما يقولون (تختلط مع بعضها) فيقدم المتأخر ويتأخر المتقدم، وينجو مبكرًا صاحب السيادة، ويرافقه في الدرب من توسط أو دفع، لهذا تجد مواطنًا لم يتأخر سوى أجزاء من الساعة، ومواطن آخر تأخر 10 ساعات متواصلة، بلا غذاء، ولا ماء، ولا خدمات عامة.

لمن الشكوى؟

إن قلت لهم إنك سلمت معاملتك منذ الساعة السادسة صباحًا كذبوك؛ ببساطة لأنك لا تمتلك دليلًا على ما تقول، وأضف إلى ذلك إنك ممنوع من إدخال هاتفك الجوال، فأنت محاصر ولا أحد يجيبك حتى الأجهزة الرقابية؛ لأن هذه المؤسسة لا تتوقف عن العمل حتى إكمال إنجازات جميع المعاملات المحددة وفقًا للنظام والمستلمة من قبلهم.

قد يقول البعض نشتكي في النزاهة، كونها مؤسسة حكومية تعنى برصد المخالفات، وتوجيه المحاسبة للمخالفين للنظام، ولكن قبل أن تندفع نحو هذه المؤسسة اطرح على نفسك السؤال التالي: هل ينتظر أحد أفراد هذه المؤسسة أو أحد أفراد عائلته مع المواطنين؟ وهل يتقبل التأخير مع وجود العدالة والإنصاف في تسيير المعاملات أم يستغل موقعه ليمر مثل أبناء زيوس وآريس وأثينا وأبولو؟

لا يمكن الوثوق بالنظام، ما لم توضع له آلية حقيقية مبنية على دراسة واعية، تحدد مواطن الضعف في المؤسسة، وتحلها بطريقة تقطع دابر المتصيدين بالماء العكر، فلو جاء القاضي والقائد والمواطن على حد سواء وانتظروا جنبًا إلى جنب هم أو عوائلهم وحسب الوقت والاستحقاق حيث لا يقدم المتأخر وإن علا شأنه، فبالنتيجة سيعي العاملين على النظام صعوبة التمرير والالتفاف، وليس من الصعب على الدولة أن تشتري جهازًا يقطع التذاكر، ويضع الملصقات على معاملات المواطنين؛ لتسير بالترتيب وبالتتابع دونما الحاجة إلى تسليب المواطنين وابتزازهم.

وتبقى هناك مشكلة أخرى في آلية تعامل هذه المؤسسة مع العاملين فيها، فمع هذا العمل الشاق والمرهق، والذي قد يصل إلى ما يزيد عن 10 ساعات من الجهد المستمر، ورغم عدم تمتعهم باستراحة واضحة لتناول بعض الطعام، ورغم جلوسهم الطويل والذي يتسبب لهم بآلام في عمودهم الفقري، وغير ذلك من الآثار السلبية على صحتهم، فإنهم لا ينالون على هذا التعب سوى الراتب، حالهم مثل حال الآخرين، وبلا مميزات، وهذا يبرر للبعض أن يبتز المواطن ليدخل إلى جيبه مالًا إضافيًا يوميًا، يعوضه عن تراجع صحته.

على المسئولين ومن يجد لصوته أذنًا تسمع، أن يخاطب ذوي العلاقة في إعادة تصميم الآليات في الدوائر الخدمية كافة، مثل الجنسية، والجوازات، والضريبة، والتسجيل العقاري، والتقاعد… وغيرها الكثير، وليس من المنطقي أن يضع «الخوارزمي» نظريته المستخدمة في أنظمة الحاسبات، ونحن لا نستطيع أن نضع «خوارزمية» لإنجاز معاملة المواطن.

والحمد لله رب العالمين!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد