لا يمكننا فصـل ما تشـهده الجـامعات المصـرية حـاليًّا من تعثر مسـار الحركة الطلابية، عما مرت به من مواجهات دامية وصدام مع السلطة، بل هـو حـلقة فـي سلسـلة تـاريخ حافل بمحطات مماثلة شهدت فيها العلاقة بين الطلبة والسلطة ذروة الصدام والمواجهة، لا تلبث أن تستعيد الحركة الطلابية رايتها من جديد بعد تعثر قد يفضي لغياب الوحدة ويبعث على انشغال مكونات الحركة بتنظيم صفوفها ومراجعة نهجها الحركي والتنظيمي لاستمرار نضالها واستعادة مكانها ودورها المأمول في تغير معادلة الصراع الصفري مع السلطة بتوعية وضم شرائح اجتماعية مختلفة، أو إطلاق شرارة معركة التغيير.

الصــدام بين الطلــبة والســلطة.. محطـات تـاريخية

مـظاهرات 1968 وعـودة الـروح للـحركة الـطلابية: شكَّلت هزيمة يونيو عام 1967، والصدمة المروعة التي أصابت المصريين ومنهم الطلبة جراء الهزيمة نقطةً فاصلة في تاريخ الحركة الطلابية، ويُعتبر عام 1968 في نظر الكثيرين بمنزلة عودة الروح إلى الحركة الطلابية؛ وذلك بعد حالة موات استمرَّت سنوات طويلة؛ ففي هذا العام خرجت مظاهرات حاشدة في جامعتي القاهرة وعين شمس ضدَّ الأحكام الهزيلة التي صدرت بحقِّ قادة الجيش المسؤولين عن الهزيمة، والمطالبة بإصلاحات سياسية؛ ونتيجة هذه المظاهرات اضطر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 21 من فبراير عام 1968 إلى عقد اجتماع في منتصف الليل لمجلس الوزراء، وإصدار قرار بإلغاء هذه الأحكام، وإحالة القضية إلى محكمة عسكرية، كما أقر عبد الناصر بمطالب الطلبة، وتفهُّمه لأسباب غضبهم، واستجاب لمطالبهم، وأقرَّ استقلال الجامعات، وصدر قرار رئيس الجمهورية بشأن تنظيم الاتحادات الطلابية، ما مهد الطريق أمام عودة الروح إلى الجامعات.

مات عبد الناصر في سبتمبر 1970، وتولى أنور السادات، وكان الوطن ما يزال يئن في ظل الاحتلال الإسرائيلي للتراب المصري بعد هزيمة 67. وكان المطلب الأساسي للجميع في مصر منذ حركة الطلاب في عام 68 هو إزالة آثار العدوان، ووعد السادات بعد توليه الحكم بتحقيق هذا المطلب، وأطلق في إحدى خطبه شعاره الشهير أن هذا العام هو عام الحسم. لكن عام 1971 مر ولم يحدث جديد، وفي 13 يناير 1972 ألقى السادات خطابًا شهيرًا آنذاك حاول فيه أن يبرر تراجعه عن الحرب في العام السابق، وكان المبرر في الحقيقة غير مقنع للجميع، إذ تحجج السادات بأن ضباب الحرب الباكستانية الهندية، وردود الأفعال الدولية لم يسمحا للسادات باتخاذ قرار الحرب!

وسخر الطلاب من هذا الخطاب هازئين به، قائلين إن عام الحسم قد تحول إلى “عام الضباب”. وسرعان ما عم الغضب جامعات مصر في يوم السبت 15 يناير رفضًا لخطاب السادات الذي اعتبروه تمييعًا للقضية، واستمرارًا لحالة “اللا سلم واللا حرب”. وطالب الطلاب بقطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية وتدريب الطلاب على الأعمال العسكرية استعدادًا ليوم المعركة، واعتصم الطلاب في جامعات مصر، وكان الاعتصام الأكبر في قاعة الاحتفالات الكبرى في جامعة القاهرة، وتم التنسيق بين الحركة الطلابية في الجامعات المصرية وتأسيس “اللجنة الوطنية العليا لطلاب مصر” تأثرًا بميراث الأربعينيات وتكوين اللجنة الوطنية للعمال والطلاب.

عبد المنعم أبو الفتوح في مواجهة السادات وبجواره حمدين صباحي

وكان رد الفعل عنيفًا من جانب السادات على المطالب الوطنية للطلاب، إذ تم اقتحام الحرم الجامعي لفض الاعتصام. لكن ذلك الأمر لم ينجح في إيقاف الحركة الطلابية التي نزلت إلى الشارع رافضةً للهزيمة مناديةً بضرورة الحرب من أجل إزالة آثار العدوان.

كانت هذه الحركة في الحقيقة حركة وطنية منادية بمطالب وطنية رافضة للهزيمة، ساعية إلى تحرير التراب الوطني. وسرعان ما سيتحقق حلم الحركة الطلابية، بل حلم مصر بأكملها، في حرب أكتوبر 1973 التي أعادت بحق الكرامة إلى المجتمع المصري آنذاك.

مظاهرات 17 و18 من يناير 1977 أو ما سُمِّيَ بمظاهرات الخبز، التي سمَّاها السادات: “انتفاضة الحرامية”؛ وهي المظاهرات التي اندلعت احتجاجًا على رفع الأسعار الخبز وقرارات السادات الاقتصادية، وقد شارك الطلاب في هذه المظاهرات بكثافة مع عمال المصانع وغيرهم ضد قرارات رفع الدعم وغلاء الأسعار، وسقط منهم عدد من القتلى، وجرى اعتقال المئات منهم، وقد أَجْبَرَتْ هذه المظاهرات السادات على التراجع عن قراراته؛ لكن هذا الأمر بمنزلة جرس إنذار له؛ فقرَّر وقتها تفعيل خطته لضرب التيار القومي واليساري؛ الذي اتهمه بالوقوف وراء هذه المظاهرات؛ وذلك من خلال تشجيع طلاب التيارات الإسلامية، فقدَّم التسهيلات لهم داخل الجامعات للتصدِّي لطلاب الحركة اليسارية والناصرية؛ وكان ذلك بداية الانقسام والشقاق داخل صفوف الحركة الطلابية المصرية؛ حيث نجح السادات في إلهاء الحركة الطلابية بخلافاتها الداخلية؛ وهي السمة التي ميَّزَت المشهد الطلابي بعد ذلك؛ حيث تمكَّن الإسلاميون من فرض هيمنتهم على الجامعات، وكان ذلك في رأي بعضهم سببًا أساسيًّا في إفقاد الحركة الطلابية طبيعتها الوطنية الجامعة.

وفي بداية الثمانينيات، مع وصول الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك إلى الحكم، غاب دور الحركة الطلابية، إلا أنها ظلت تتفاعل مع الأحداث السياسية في مصر والعالم العربي، بعد اشتراك الطلاب بمظاهرات؛ تأييدًا للانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، واجتماعهم في مظاهرات حاشدة معترضين على اشتراك مصر بقواتها في ردع العراق في بداية التسعينيات، ثم عام 1998 للتنديد بموقف مصر إزاء قصف أمريكا للعراق، وفي مارس 2003 بعد غزو العراق خرجت جموع الطلاب للتنديد بالموقف المصري من الغزو، واجتاحوا ميدان التحرير.

لكن على الرغم من كل سياسات التضييق والحصار -التي مارستها الأنظمة المتعاقبة في ظلِّ جمال عبد الناصر ومرورًا بأنور بالسادات وانتهاءً بحسني مبارك- لاحتواء الحركة الطلابية ومحاصرتها؛ فإنها لم تنجح في ذلك بشكل كامل، فلم يَغِب الطلاب عن أي استحقاق وطني كبير طوال هذه السنوات؛ بل كانوا في مقدمة الصفوف وشكَّلوا دائمًا رقمًا مهمًّا في المشهد السياسي.

 وعلى ضوء هذه الخبرة، لم يكن متصوَّرًا أن يغيب الطلاب عن المشهد السياسي الاحتجاجي بامتياز، لاسيما خلال ثورة 25 من يناير وبعدها؛ حيث كان طلاب الجامعات مكونًا أصيلًا من مكوناتها ووقودها؛ فقد وجد الطلبةُ في هذه الثورة -مثلهم مثل باقي فئات المجتمع- فرصة لانتزاع حريتهم في التعبير والممارسة السياسية؛ التي حُرموا منها قسرًا لسنوات طويلة.

وفي عام 2011، عادت الحركة الطلابية تنطلق بقوة من جديد؛ لتملأ ميدان التحرير، للمشاركة في ثورة 25 يناير. وبعد رحيل مبارك، تحولت ساحات الجامعات إلى ميدان تحرير جديد؛ لتطهير الجامعات المصرية من رموز وحلفاء النظام. ولكن بعد مرور ثلاثة أعوام على الثورة، عاد القمع الطلابي، بعد أن شهدت الجامعات أحداث عنف وحراك غير مسبوقين.
يتبع

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

طلاب
عرض التعليقات
تحميل المزيد