«وهذا هو ما يَضمَنُ للفنِ قُوته وجَمَاله وتأثيره المُستَمر القوي عَلى الناسِ لأنّ فَن الخُطبِ و«الزعيقِ» لا يَعيشُ، وإنّما يَعيشُ الفن الهامس الذي يَخرج مِن قلب الفنانِ وليس من حَنجرَته». هكذا يتحدث الراحل رجاء النقاش في الكتاب الصادر حديثًا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة إصدارات خاصة تحت عنوان «يحيى حقي الفنان والإنسان والمحنة».

الكتاب يتناول لقطات، ومضات من حياة صاحب الوجه البشوش، العاشق للغة العربية كعشق مجنون إلى ليلى.

الكتاب – كما يُخبرنا جرجس شكري في مقدمته – عبارة عن تجميعة لمقالات كتبها النقاش ما بين 1992 و 2005 في جريدتي الأهرام واليوم السعودي. وبحسبه – أي جرجس – أنّ النقاش كان على موعد مع نشر الكِتاب بعد تنميقه وتوضيبه ولكن وافته المنية. والهيئة تصدره دون تعديل، لذا فمن الملاحظ التكرار في العديد من المقالات فيه. الهيئة تشكر زوجته هانية عُمر على أنّها اختصتها لنشر الكتاب.

 

تلميذ السيدة زينب

يحيى حقي

 

«الجواب بيبان من عنوانه». العنوان مُدلل على العديد. النقاش يتحدث عن حقي الفنان. حقي الذي ذاع صيته من خلال قصته الطويلة «قنديل أم هاشم» – حقي نفسه انزعج لأنّه انحصر داخل القنديل، ولم يَدْعَك أحد بقية إبداعه ويكتشفه -، بالرغم من وجوده داخل الساحة الأدبية منذ عُمر.

الفضل في الشهرة يرجع للنص نفسه، وللناقد سيد قطب قبل أن يتحول إلى العمل الحزبي السياسي الذي أسلم رقبته للمشنقة. كتب قطب عن قنديل حقي في مجلة الرسالة بعد صدور القصة عام 1944، مُبشرًا به، مُداعبًا إياه:

«حقي رجل كسول.. مهمل.. يستحق اللوم على تفريطه في موهبته الفذة». – قطب هو من بَشّر بنجيب محفوظ كذلك! -.

حقي الفنان أدواته مُتجلية منذ زمن. ولكن الأزمات تُلمع وتُظهر المعدن الحقيقي. فأي أديب في عصره مر بمحنة. والمحنة كانت أن يحيى حقي كان في اتصال مع العالم اللغوي محمود محمد شاكر، جاء ذكر عبد الناصر، فسبه شاكر وشتمه وقذفه، كان ذلك في حضور وزير الأوقاف الشيخ الباقوري، كيف لا يعترض هؤلاء عمّا فعله شاكر؟ الأمر يصل لعبد الناصر شخصيًا من خلال تسجيلات صوتية! استدعى الوزير آنذاك – ثروت عكاشة – بعد أن فصل الباقوري، وسجن شاكر، ويُريد أن يفصل حقي من وظيفته من رئاسة مصلحة الفنون. الوزير مُحنك، الوزير يعرف قيمة حقي الكبيرة فيتم تخفيف توجيهات عبد الناصر وينقله إلى وظيفة هامشية في دار الكتب. الوزير يُقدر حقي وأدبه فيُوكل إليه رئاسة تحرير مجلة «المجلة». الواقعة – كما يقول النقاش – ذكرها الوزير عكاشة في «مذكراتي في السياسة والثقافة» الصادرة عن دار الشروق، وكذلك روى الواقعة الشيخ الباقوري في «بقايا ذكريات» الصادر عن مركز الأهرام للترجمة والنشر. رواية الباقوري مُختلفة عن روايات عُكاشة في تفصيلات كثيرة لأصل الواقعة ذاتها.

الأثر النفسي المداعب لروح حقي عظيم. حقي يعتصم بنفسه. حقي يلوذ بنفسه داخل تحرير مجلة «المجلة»، يقدم من خلالها خدمة ثقافية شاملة للكُتاب وبخاصة الشباب، يفتح صدره للشباب، يُرحب بهم، يحتفي بكتاباتهم، يسعى دائمًا إلى مد أواصر الصلة فيما بينه وبينهم.

حقي رفض عرض الكتابة في الأهرام أيام كانت في عزها وكان الدور السادس يمشي فيه توفيق الحكيم، نجيب محفوظ، وغيرهم. حقي يرفض عرض السباعي، ويقبل الكتابة في مجلات صغيرة محدودة التوزيع، للتدليل على أنّه إنسان عالمي لم يكن يُريد أن يتقيد بأي أحد، بأي مكان، بأي سقف، له آراؤه الخاصة به، لا يُريد أن يُوجهه المكان – وهذا ما أخبرنا به النقاش -.

برغم سفر حقي للعديد من الدول – بحكم عمله في الخارجية المصرية –، أتقن الفرنسية، التركية، الإنكليزية، الإيطالية. ولكن النفس مُتشربة من العربية، التغلغل مُتمكن منه منذ نعومة أظفاره. حيث يقول بالرغم من أصوله التركية – حيث إن جده قدم من المورة في تركيا وسكن السيدة زينب -، ولكن كان بيته «يقف على رجل» – يذكر ذلك وهو ابن الثالثة – حينما كان يتصدر الأهرام قصيدة لشوقي. الاعتزاز بالعربية لم يمنعه أن يتتلمذَ على يد محمود شاكر ويُعلنها صراحة أنّه تلميذه – تواضع حقي المُعتاد منه، حيث إن شاكر يصغره -، فحقي قرأ عليه أمهات الكتب في الشعر والنثر، فكان لذلك أثر بالغ في كتاباته، وجعلته يعرف حق الكلمة في مكانها. كان حقي يُحب التسلل إلى القواميس، القراءة فيها، العبث داخلها حتى أطلق على نفسه لفظة أقرب لروحه حيث سَمى نفسه بـ«الجاسوس على القاموس».

 

تلميذ السيدة زينب

رجاء النقاش

 

النقاش يُخبرنا أن حقي من أوائل من كتبوا الشعر المنثور أو قصيدة النثر. النسخة الأولى من القنديل كانت تتضمن بعض الأناشيد في «بيني وبينك». حقي كان يعتز بها – كان يُريد ترتيبها، ويرسم لها صلاح جاهين ليصدرها في كتاب منفصل للفتيات الصغيرات – ومنها يُدلل النقاش على مدى جمالية الأناشيد، رقتها، تأكيد على العروبة، الصبغة المصرية التي طبعته، عشق اللغة التي كان يتحاكى بها، ومن هذه الأناشيد:

«كم من مرة قطعت فيها هذا الطريق معك، ذراعك في ذراعي، فما شعرت أطويل طريقنا أم قصير؟ أفي يومنا المسير أم في غد لم يأت بعد؟ أم هو في ماضِ من العمر قد تولى وفات، كان الطريق هو الذي يقبل إلي يأخذ بيدي، ويُريني اتصاله بالأفق، بالسماء، بالأفلاكِ.. عَلى جَانِبيه دور هادِئة المأوى كصدورِ الحانيات، ويَمر بنا أناس كُل منهم شعاع من نور الله، أما الآن، بعد اختفائك، فهذا الطريق بعينه أقطعه وحدي فلا ينتهي، المسير سخرة، والأفق قيد، والسماء غطاء، والنجوم ترمق الأرض شزرًا، الدور سجون، والناس أطياف ذاهلة لا تدري ما القدر، وإن شكت كفرت!».

                                         * * *

الكِتاب يتضمن بعض محطات صاحب «عنتر وجولييت»، و«فلة ومشمش ولولو»، والذي لم تقم دراسات مُهمة حوله بعد إلى الآن.

في المقدمة يذكر الأستاذ جرجس شكري أنّه كان مقررًا أن يكون عنوان الكتاب «تلميذ السيدة زينب»، ولكنّ الأسرة رأت أن يتم تبديله إلى «يحيى حقي الفنان والإنسان والمحنة»، وإن كان واضحًا أن العنوان الأول أجمل، أوقع على السمع، أقرب التصاقًا بحياة يحيى حقي الذي ترعرع ونشأ في حي السيدة زينب، في حي أم العواجز، حي أم هاشم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد