برمجة ذاتية تستمر فتصبح تَكَيُّفًا عَصَبِيًّا، تطلع تلقائيًا طبيعة ثابتة مع التكيف العصبي وتصبح عاجزًا عن التَّقدُّم والنجاح، خلاصة التجربة، المخ جعلك فاشلًا بكل المقاييس، كيف؟

العقل البشري يقوم بمساعدتك على النجاح طِبقًا لِما تقول له، فإذا قلت له أنك فاشل، وأكدت له الفشل بأحاسيسك وباعتقادك، مباشرة بعد ذلك أصبحت بَرْمَجَة ذاتية، تزيد من التأكيد عليها، تصبح تَكَيُّفًا عَصَبيًا، عندها مباشرة يقوم المخ باتصال داخلي من أجل التنسيق للاشتغال ضِدَّ النجاح، لأنك أنت من اخْتَار الفشل، بعدها يصدر حكم داخلي من المحكمة العليا في المخ من طرف السيد القاضي الداخلي على هذا الشخص بالفشل، حتى صدور أوامر أخرى تأتي منه شخصيًا.

إذا لم يغير هذا الشخص سلوكه وتفكيره، ويقول شيئًا آخر مخالفًا تمامًا للفشل، سوف يستعمل المخ كل الوسائل المتاحة في انسجام داخلي لا يوصف، وبفعالية رهيبة، حتى يصبح صديقنا من الأوائل في الفشل، وعضوًا كامل العضوية في منظمة الفاشلين، زِدْ على ذلك أَنَّ العقل البشري سوف يساعده دون تردد على التوسع والانتشار من نفس النوع.

فينجدب له فاشلون من نفس نوعه طبقًا لقانون الانجداب، فيستمر في الامتعاض من نفسه والانتقاص منها دون وَعْي، بذل تغيير إستراتيجية حياته، لأنه لا يدري أو لا يدري أنه لا يدري، فيصبح محاطًا بالفاشلين من كل حدب وصوب، لأن العالم الداخلي هو مَنْ يحدد العالم الخارجي.

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} (الرعد: 11). ومعنى هذه الآية العظيمة: أن لله سبحانه وتعالى ملائكة يتعاقبون على الإنسان من بين يديه ومن خلفه، يحفظونه بأمر اللّه ويحصون ما يصدر عنه من خير أو شر. إن اللّه سبحانه وتعالى لا يغيِّر نعمة أنعمها على قوم إلا إذا غيَّروا ما أمرهم به فعصوه. وإذا أراد اللّه بجماعةٍ بلاءً فلا مفرَّ منه، وليس لهم مِن دون اللّه مِن وال يتولى أمورهم، فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه.

وكذلك يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال: 53). ومعناها: ذلك الجزاء السيِّئ بأن اللّه إذا أنعم على قوم نعمة لم يسلبها منهم حتى يغيِّروا حالهم الطيبة إلى حال سيئة، وأن اللّه سميع لأقوال خلقه، عليم بأحوالهم، فيجري عليهم ما اقتضاه علمه ومشيئته.

هذا بالإضافة إلى أن العلم الحديث يقدم لنا معلومات دقيقة جدًا، سوف تساعدنا لا محالة في فهم طريقة اشتغال العقل الباطن، الذي طبيعته العمل المتواصل بصمت ودقة دون توقف، سواء كنت نائمًا أم مستيقظًا، فيقوم بالعديد من العمليات الحيوية، فمن المهام الرئيسية التي أوكلها الله سبحانه وتعالى إليه، الحفاظ على صحتك وسلامتك، فيعمل على تنظيم سرعة دقات قلبك وانتظام تنفسك، وتوزيع الدم والأكسجين على جميع خلايا جسمك، كما أنه يعمل على التئام الجروح وتجدد الخلايا بدقة متناهية وإعجازية تدل على عظمة الخالق.

وهو أيضًا مخزن للأفكار والمشاعر والأحاسيس، فالأفكار والمشاعر والأحاسيس تعيد تشكيل الخلايا وتغير العمليات الحيوية بداخلك، فتمرض خلايا وتشفى أخرى، ويسعد إنسان ويشقى آخر، فيؤثر العقل الواعي من خلال الأفكار المخزنة بـالعقل اللاواعي على الجسد في صورة صحة أو مرض، مما يدل على أن طاقة الشفاء تكمن بداخلك!

عن طريق تغذية العقل اللاواعي بالأفكار البناءة الإيجابية المشبعة بالثقة والإيمان بالله وبقدراتك اللامحدودة التي رزقك الله عز وجل، ومن خلال جسر التناغم والتوافق الذي قمت أنت بإنشائه بين عقلك الواعي المصدر الرئيسي لأفكارك والعقل الباطن الذي يعتبر المصدر المحفز لشفائك وسعادتك وتحقيق أحلامك.

بناء على ما سبق نستنتج قاعدة مهة جدا تَحثُّنا على عدم القيام بفعل أي شيء إذا لم تكن لنا أسباب كافية، واضحة، ثابتة، مقنعة ومُحَفزة للعقل الواعي تدفعنا لهذا الفعل وتحببنا فيه، بعدها سوف تصبح الأسباب واضحة جدًّا بالنسبة لك، قم بتدوينها ليس فقط على صفحات مذكرتك، بل كذلك في قلبك وعقلك بِمِدَادِ أحاسيسك، بعدها قم بالمواظبة على قراءتها باستمرار، هذا كله يَجْعَل الحماسة تعود لهذه الأسباب كأول مرة.

إذن طالما الحماسة موجودة والهدف واضح، والتركيز عال، والنِّيَّة متجددة، والأسباب المُرْتبِطة بالزمان والمكان، المادَّة والطاقة معروفة ومضْبوطة من طرف العقل الواعي وواضحة، فإن الإنسان ينطلق ويتطلع باستمرار إلى الإنجاز، وكلما أنجزت أحببت إنجازك، وكلما أحببت إنجازاتك، أصبحت إنسانًا طموحًا ناجحًا وَمُصِرًا على الإنجاز أكثر وأكثر، لأن الذي سبب قوة الحماسة، الدافع، والذي سبب الدافع، الرؤية، والذي سبب الرؤية، ستجد الغرض، والذي سبب الغرض، ستجد الهدف، والذي سبب كل هذه السلسلة، ستجد الحماسة، والذي سبب الحماسة، ستجد القِيمَة، نعم القِيمَة العُليا هي من أوْصَلتنا للحماسة، وماذا حصل للحماسة حتى أصبحت محركًا ومزَوِّدًا رئيسيًّا للدافع؟ وماذا حصل للدافع حتى أصبح قوة جبارة أوصلتنا كذلك للفعل؟

الحماسة أصبحت في مستويات عالية، ولِلاسْتفادة من هذا المستوى العالي من الحماسة يجب أن تفرغه في القِيم، إذ بهذه العملية تكون قد انتقلت إلى الثقة العالية في النفس، وهي مرحلة حاسمة يجب اسْتِتثمَارها في الفِعْل تدريجيًّا إلى أن تصبح جزءًا لا يتجزأ منك، بعد كل هذا تكون قد وصلت إلى مرحلة جد متقدمة، تكون الحماسة فيها لا تقل ولا تنقص أبدًا، لأنك تمكنت من التحكم فيها، بمعرفتك للقِيمة التي زَوَّدَتْك بالأسباب، التي زودتك بدورها بالحماسة، التي نتج عنها الدافع، الذي أوْصَلَك إلى هذا السلوك.

وفي حالة شُرُودِك عن السلوك تَعُود مرة ثانية إلى القيمة التي أوصلتك لكل هذا، لأن الحماسة لا تنقص بل التركيز هو الذي يقل، أما الحماسة موجودة مع تركيزه، بمعنى أدق موجود بِنِيَّتِه، أي موجودة بأسبابه. بمجرد الرجوع إليه تسترجع كل شيء، لأنه أصبح قيمة عُلْيَا بالنسبة إليك، لا يمكنك التخلي عنه مهما كانت الأسباب، كما أنه أصبح ذي أهمية قصوى في حياتك، أما زيادة التركيز يجعل الأسباب كافية وقوية، لدرجة أن تصبح أنت والهدف واحد. معرفتك الدقيقة بكل هذا معرفة يَقِينِيَّة، تَدْفَعُك لِتَطبِيقِه في كل شيء مرتبط بحياتك الدُّنيَوِيَّة والأُخْرَوِيَّة على حَدٍّ سَوَاء، لأنه أصبح نجاحًا مستمرًّا في الزمن تَحَقَّقَ في الدنيا والآخرة.

لا يمكن للحماسة أن يتنْقص إطلاقًا نظرًا لأنك تتوفر على أسباب كافية تعطيك رغبة عالية، رغبة مشتعلة، تدفع القِيمَة أكثر ولا تَتْرُك مجالًا لِنُقْصَان الحَمَاسة، فتلاحظ أن حماستك منبعها نِيَّتك التي مَدَّتْك بالإِرَادة، والاثْنَانِ قُوَّتهُم في الرُّؤْيا، فمعنى هذا أصبحت النِّيَّة رُوح النية، وأصبحت الإرادة قوة الإرادة، التي تزيد وتكبر كلما زادت الأسباب وكلما زادت الأسباب تولد الحماسة، عندها تشتعل الحماسة ولا يمكن أن يوقفها إلا التحديات في الحياة.

إذن في هذه اللحظة الحماسة لا تقل ولكن أنت من جعلت كل تركيزك في التحديات، لكن الحماسة ما زالت مكانها تنتظرك، ولسان حالها يقول: أنك حققت معها نتائج رائعة، فالنية أصبحت وضوح النية، والإرادة أصبحت قوة الإرادة، ووضحت لك الأسباب، زَوَّدتك برغبة مُشْتَعِلَة، وبعد كل هذا الجهد والعمل الجبار صَرَفْتَ كل تركيزك على تحديات الحياة.

فيحدث بينك وبين المُخْ حوار داخلي يريد المُخْ من خلاله معرفة الأسباب التي دفعتك للتخلي عن هدفك، تكون إجابتك عبارة عن تشخيص لحالتك النفسية، في هذه الظَّرْفِيَّة وهي الانفعال، فيقوم المخ بملاعبتك واستفسارك، هل أنت متأكد؟ تكون إِجَابَتك نَعَمْ، يقوم المخ بِطَلَب أحاسِيس تُثْبِت صِحَّة قَوْلِك وَصِدْق نِيَّتك، تقوم بِتَزْوِيده بأحاسيس تُثْبِت دَرَجة انفعالك وسَخَطِك، يقوم المخ بالتأكد من الحالة النفسية الراهنة، فتقوم أنت بتأكيدها لعدم معرفتك المسبقة بطريقة اشتغاله، فيسجلها لك اعْتِقَادًا، ويستمر في التأكيد وأنت تستجيب سلْبِيًّا بتكرير نفس الإِحْسَاس.

إذن لو أحببنا أن يكون عالمنا الخارجي جميلًا كله نجاح، إشعاع وتألق، يجب علينا تغيير عالمنا الداخلي أوَّلًا، نظرًا لنظام التأمل بالشفافِيَّة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد