طالما شكلت الصورة مادة إعلامية وإعلانية دسمة غدت أداة مهمة من أدوات التأثير في الجمهور؛ إذ كثر الحديث عن كتاب «فن اللامبالاة» للكاتب الأمريكي مارك مانسون بالتزامن مع انتشار صورة النجم المصري محمد صلاح وهو يطالعه بإجازته الصيفية، إذ حظي هذا الأخير برسالة خاصة وامتنان من مؤلف الكتاب نظير مساهمته في انتشاره بالعالم العربي.

بعيدًا كل البعد عن العديد من كتب التنمية الذاتية التي صادفتها من قبل، تلك التي يعدك صاحبها في مقدمة الكتاب بحل مشكلاتك المالية والأسرية في غضون أسبوع، أو بكيفية التخلص من أصدقائك المزعجين… إلخ؛ إذ بانتهائك من قراءة هذا الكتاب ستكتشف أن طريقة تفكيرك وقيمك هي المزعجة حقًّا، ولا دخل لأصدقائك بالموضوع مطلقًا.

فالأمر يختلف هنا عن تلك الكتب التي توهمك بحياة وردية ستعيشها مباشرة بعيد قراءتك لها، لكن الواقع يصدمك لاحقًا بأن تلك النصائح والإرشادات لا يكاد يمر على تأثيرها وقت قصير، ثم سرعان ما تتلاشى وسط مطبات الحياة اليومية.

في «فن اللامبالاة» لا يعمل مارك مانسون على إسداء النصائح والتوجيهات المباشرة كما يفعل رئيسك في العمل يوميًّا، بل يجعل من مجموع القصص التي تطرق لها وتجاربه الشخصية في الحياة أرضية صلبة تبني عليها دليلك ومرشدك الخاص بك وحدك، دون إملاءات من أي كان، خاصة الأشياء التي لا تروقك حالًا، لكن شيئًا ما بين السطور يدفعك للإيمان بأنها لن تستمر كذلك، لأن القيم التي تنبذها الآن قد تصير مستقبلًا القاعدة التي تبني عليها الحياة التي تنشدها وبأدق التفاصيل التي تريد وطالما حلمت بها، لا نتحدث هنا عن امتلاك جزيرة خاصة بالفلبين أو برج خليفة مثلًا! بل عن عادات وقيم إن تبنيتها وجعلت منها سلوكًا يوميًّا ستخلصك من الكم الهائل من السلبيات المحيطة بك، والعلاقات العامة المرهقة المبنية غالبًا على النفاق الاجتماعي الذي يفصل حياتنا على مقاس واحد، ويجعل من التملق والمصلحة عنوانها الأبرز.

وهذا عكس ما يتبناه مارك مانسون من خلال تخصيص فصل كامل لـ«أهمية قول لا» وثقافة الرفض؛ فالصدق مطلب طبيعي لدى البشر ومواجهة الآخرين به يعني بالضرورة تقبل سماعه منهم أيضًا، وبالتالي «يجعل الرفض علاقاتنا أفضل ويجعل حياتنا الانفعالية صحية أكثر»، سواء مع نفسك وعاداتك السلبية، أو مع شريكك في العمل، أو صديق طفولتك المقرب، بل حتى في علاقتك بزوجتك؛ إذ إن مانسون وصف هذه الأخيرة في نهاية الكتاب بالجميلة و«الذكية» التي لم تتردد في قول كلمة «لا» عندما كان في أمس الحاجة إليها، وكانت وراء جزء كبير من نجاحه والأثر البالغ لهذه القيمة –الكلمة– في علاقته الخاصة بها التي يفتخر بها مرارًا وتكرارًا في فقرات الكتاب؛ لأن كل علاقة زوجية ناجحة تستحق فعلًا كونها مدعاة للفخر.

لكن كلمة «لا» ليست بالضرورة مرتبطة بثقافة الرفض بمعناها اللغوي فحسب، بل تتجاوزه إلى التعبير عن وجهة نظر مخالفة لأهوائك تفتح في وجهك أحيانًا المخرج الذي يقودك إلى طوق النجاة. وهذا يحيلنا إلى ضرورة تقبل أننا مخطئون أحيانًا، وربما في كل شيء كما أشار إلى ذلك مانسون في الفصل السادس من الكتاب، إذ إن ما تراه اليوم صحيحًا قد يثبت لك عكسه بعد مدة من الزمن على مستوى القناعات والقيم التي تتبناها في حياتك، فنجد أنه قبل 500 عام مثلًا، كان الفلكيون يظنون أن الشمس تدور حول الأرض، وكان رسامو الخرائط يعتقدون أن ولاية كاليفورنيا الأمريكية جزيرة، أو عندما كنا نظن ونحن صغار أن الرسوم المتحركة تسكن داخل شاشة التلفاز، وتدخلها عبر سلك الكهرباء في خفية عنا، وكذلك كنا نعتقد أننا سنكمل بقية حياتنا مع أول فتاة أحببناها في بداية مراهقتنا. بعض هذه الأمثلة مضحك، وبعضها غير منطقي عندما ننظر إليها من زاوية الحاضر المعاش، لكنها تبرز لنا بجلاء ضرورة عدم التعصب مستقبلًا لتصوراتنا وقيمنا الحالية، والتكيف معها وتغييرها متى لزم الأمر ذلك. فمن المحزن حقًّا التعصب لرأيك الخاطئ مسبقًا، والاستماتة في الدفاع عن معركة خاسرة منذ البداية «un combat perdu d’avance» مثل أن تحاول إسرائيل إقناع العالم بأنها ليست دولة احتلال للأراضي الفلسطينية، أو تحاول إقناع نفسك بأن تصير مليونيرًا بنهاية السنة القادمة، بينما تقضي أكثر من نصف وقتك على مواقع التواصل الاجتماعي دون طائلة تذكر.

إن العمل على تدارك أخطائنا والتعلم منها يظل مفتاحًا مهمًا للنجاح كما عبر عن ذلك مايكل جوردن؛ واحد من أفضل لاعبي كرة السلة على الإطلاق: «إنني أخطئ دائمًا في كل شيء مرة بعد مرة، وهذا سبب تحسن حياتي وتطورها».

ولعل من الأفكار التي لا غنى عنها أيضًا في سبيل عيش حياة تخالف المألوف، تلك المتعلقة بتجنب السعي المفرط نحو السعادة والحرية المطلقة بشكل يجعلني أعيد النظر دائمًا في الامتيازات والاختيارات الكثيرة المتاحة لي، وما يرافقها من شك وتأنيب الضمير، مثل تخييرك بين خمس وجهات سياحية لعطلتك الصيفية، سيستقر اختيارك في النهاية على الجزر اليونانية مثلًا، لكنك ستفكر صباح اليوم الموالي على شرفة غرفتك في أن اختيار جزر المالديف أو «إبيزا» مثلًا كان ليكون أفضل نسبيًّا فقط لأن نجمك المفضل كريستيانو رونالدو قضى بها إجازته الصيفية! وهكذا دواليك تدور في حلقة الاختيارات المفرغة، والسبيل لتجنب ذلك حصر الاختيارات في وجهتين مثلًا، بإقصاء واحدة وتفضيل أخرى، والسعي صوب اختياراتنا بمنتهى العقلانية بما يتناسب مع القيم الآنفة الذكر.

قد تبدو هذه الفكرة ضربًا من الشقاء، لكن لنعيش حياة طبيعية نحتاج إلى المشاكل، فإذا حصلت على كل شيء تريده في اللحظة التي تمنيته بها فما المغزى وراء عيش حياة بدون مشاكل! إننا لا نعيش في يوتوبيا أفلاطون الفاضلة، وبالتالي فمن الطبيعي أن نواجه في حياتنا الكثير من المشاكل باختلاف درجة حدتها، إلا أن قيمتها الحقيقية تتمثل في التعايش معها بطريقة أنسب وتجاوزها بالبحث في كل مرة عن «مشكلات أفضل» من سابقاتها، وأقل وطأة، وهكذا دواليك تستمر الحياة.

ففي النهاية مشاكلنا لا حصر لها، ولعل هذا ما يضيف إثارة ونكهة خاصة لحياتنا ككل، وإلا لامتنع سيدنا آدم عن أكل التفاحة المعلومة ووفر علينا التاريخ كله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد