2- الثوار

نستكمل سلسلة أبعاد نجاح الثورة بالحديث عن باقي أطرافها.

الثوار نواة الثورة وقلبها وهم من يحاول الحفاظ عليها في قلوبهم وعقولهم ويطبقون فكرتها داخلهم ولم ينجرفوا مع الإغراءات والفساد، ولن أعمم وأدعي أن كل من اشترك في الثورة أو في الموجات الثورية قبلها أو بعدها هم فعلًا يستحقون لقب ثوار، وإنما البعض منهم.

وهذا لأن الاشتراك وحده لا يكفي فقد يكون الاشتراك من أجل حزب أو جماعة تأمر وتنهي على الفعل أو يكون بسبب انتظار الفرصة السانحة من أجل الحصول على مكاسب مادية، وقد حدث هذا أو ذاك مع الكثير ممن اشتركوا وانجرفوا وراء مصالحهم وخانوا مبادئ الثورة وأهدافها ودافعوا عن القتل والفساد والظلم والاستبداد، سواء الديني أو العسكري.

ويجب أن يتحلى الثائر بأفكار الثورة وأخلاقها، وليس مجرد ناقم على الأوضاع فقط فكل الشعب وقت الثورة يكون ناقمًا، وقد يتحرك منهم البعض مع الثوار. ولكن الثائر الحق هو من يعي جيدًا المبادئ والأخلاق الثورية ويتحلى بها. فالفارق بينه وبين المواطن العادي الناقم هو أساس ومبادئ التحرك والفكر الثوري. فالفرد أو المواطن العادي يتكيف مع الفساد السياسي ولا يتحرك إلا للأزمة الاقتصادية وبعد أن تطغى عليه وتطحنه وقد يتحرك بسبب الأزمة الاجتماعية بعد أن تنفجر وتتفاقم أما الثائر يتحرك من قبله بفترة بسبب الأزمة السياسية التي ينتج عنها الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية وغيرها.

أما المبادئ التي يتوجب على الثائر أن يتحلى بها هي على سبيل المثال لا الحصر:

1-التعامل السياسي بمصداقية دون تحيز.

2-العدل.

3-المساواة.

4-الوعي الثقافي.

5-تقبل الآخر.

ولكن كثيرًا ما نجد أن هذه المبادئ ليست متوفرة عند جميع الثوار ومنهم من يتصنعها ولكن في النهاية يظهر كلًا على حقيقته ولكن بعد تدهور الأحداث مع الأسف فيكون من الأفضل أن تحافظ المجموعات والكيانات الثورية على نفسها من هؤلاء الأفراد لأن في النهاية ستعاب الثورة، وليس الأفراد الفاسدين.

ومن الواضح أن كل عنصر من عناصر الدولة (الثوار، الشعب، النظام، المثقفين) يمتلك نقاط ضعف ونقاط قوة تؤثر وتساعد في تحركاته ومن هنا سنرصد هذه النقاط وكيفية استغلالها وعدم الإخفاق فيها.

نقاط القوة

كان دائمًا وأبدًا يمتلك الثوار على مر التاريخ العنصر الأساسي في إنجاح الثورة ألا وهو الوحدة في الصف الثوري والشعبي. فالوحدة على هدف وعمل بإرادة قوية تستطيع أن تسقط أقوى الأنظمة الديكتاتورية والإمبريالية بقوى ناعمة وسلمية وبثورات بيضاء غير دموية تؤدي إلى تحقيق الهدف بقوة وإجبار النظام والسلطة إلى النزول على رغبة الشعب الثائر.

ومن نقاط القوة أيضًا هي النزعة الأخلاقية لدي الثائر الذي يرفض الظلم والاستبداد على أي أحد من الشعب بل يعمل على منع هذا غير الأخلاق الثورية التي تجعله داعم للعمل الثوري والجماعي والوحدة ضد الاستبداد.

نقاط الضعف

غالبًا ما تكون المجموعات الثورية منغلقة على نفسها لا تتواصل بشكل كبير مع الشعب وهذا لعدم الثقة فيه بسبب القمع الاستبدادي والتخوف منه ومن أساليبه العفنة، ولكن هذا يؤدي إلى ازدياد الفجوة بين الشعب والثوار، خصوصًا لو كان وعي الشعب قليلًا فسيكون سهل الانقياد وراء دعايات النظام الفاسد.

لذا على الثائر أن يكون دائمًا قريبًا من الشعب حتى لا يكون الشعب سهل الانقياد من قبل النظام الفاسد ومحاولة تثقيفه وتوعيته بنوايا النظام الفاسد وكيفية فهم الأزمات السياسية وأبعادها وتأثيرها ونتائجها من أزمات اجتماعية واقتصادية وفساد في الدولة. فابتعاد الثوار عن الشعب يقود إلى عدم شعور الشعوب بأفراد الثورة بأنهم يمثلوهم وأنهم خرجوا وثاروا من أجلهم وسيكونون بهذا عبارة عن قطعة مستساغة سهلة في أيدي الديماجوجيين للسيطرة عليهم وتسلقهم والحصول على السلطة، بل إنهم سيكونون أداة سهلة في أيديهم للقضاء على الثورة مثلما حدث في الثورة الرومانية 1989، وعاد أعضاء النظام القديم للحكم، رغم إعدام تشاوشيسكو، وخلفه أحد وزراء حكومته، وكان أليسكو وزيرًا في حكومة تشاوشيسكو، وقاد جبهة الإنقاذ التي أدارت البلاد بعد اندلاع الثورة من مدينة تيميسورار غربي رومانيا في ديسمبر (كانون الأول) عام 1989. وأصبح رئيسًا مؤقتًا لرومانيا لمدة شهر، وانتخب رئيسًا للبلاد عام 1990، ثم تولى الرئاسة لفترة تالية من 2000 إلى 2004. وكما حدث في الثورة التشيلية 1973 وانقلاب بيونشيه على الرئيس المنتخب الليندي بعد افتعال الأزمات. فالمعركة ليست مع النظام فقط، وإنما هي معركة وعي مع الشعوب أيضًا، فلابد أن يحاول الثوار السعي في الاتجاهين.

وتكون باستخدام دوائر المعارف الخاصة والعامة ومحاولة تعزيز فكرة الثورة على الظلم داخل أفراد المجتمع.

وعلى الثوار التثقيف المستمر لأنفسهم والتعلم من أخطاء الآخرين وكيفية تفادي الالتفاف على الثورة حتى لا تموت وتنتهي، كذا من الممكن أن يحدث في مصر 2011، وحدث في سوريا 2011، وليبيا 2011، ومن قبلهم في تشيلي 1973 وغيرها من الدول التي التف فيها أعضاء النظام القديم على الثورة وعادوا إلى السلطة مرة أخرى، ولم تستطع إلى الآن أن تحقق أهدافها ولازالت تحاول ومنها من تأخر حتى عادت الروح الثورية ونجحت في تحقيق أهدافها ومنها من تحول إلى حرب أهلية كما حدث في سوريا.

ويجب أن يعي الثائر أن الثورة لن تحقق أهدافها وتؤدي إلى النتائج المرجوة إلا في حالة نجاح الثورة وتحكم هي بأبنائها الثوار لتحقيق مرادها وهو إعطاء الإرادة للشعب وتحقيق أماله والرخاء والعدل والمساواة والحرية وتكون هذه الأهداف محل التنفيذ فعلًا وعدم التعفف عن السلطة.

أما في حال عدم حكم الثورة تكون هنا الثورة في موضع إما الحفاظ على كينونتها الثورية والمعارضة الثورية حتى لا تسقط وتنتهي الفكرة أو ستكون في مهب الريح ومحاولات التخلص منها حتى لا تكون عائق في عودة الاستبداد وتكون دائمًا هذه هي الحالة التي تحدث إذا لم تحكم الثورة. فلم يأت حاكم من خارج الثورة وحكم دولة بعد ثورة كبيرة إلا وقضى على أفراد الثورة حتى لا يثوروا عليه، ويستطيع الانفراد بالسلطة، هذا غير أن الاحتمال الأكبر هو أن يأتي الحاكم من ظهر النظام القديم التي قامت عليه الثورة وسيقوم بتصفية كل الكيانات الثورية ووصمها بالتهم واعتقالها حتى يتسنى له حماية نظامه والسيطرة على السلطة، وهذا حدث في مصر 2011، ورومانيا 1989، وتشيلي 1973.

ويكون هذا نتيجة لعدم وعي أعضاء الثورة بالثورات السابقة وتجارب الآخرين وأنهم لم يقتربوا من الشعب ولم يحاولوا كسب ثقته وتوعيته وتثقيفه، بل تركوه لقمة سائغة في أيدي الإعلام والمنتفعين والمتلونين.

ويكون على الثوار السعي الدائم لبناء الرأي العام الجماهيري وفهم سيكولوجية الشعب مع التخطيط الجيد والمحافظة على سلمية الثورة. هذا مع عدم إثارة نعرات العرقيات أو القوميات أو الطوائف، بل العمل على إذابة الجميع في بوتقة واحدة وهي الوطن والعمل جميعًا من أجله، وليس تفتيته.

ويجب على الثوار الذين يقودون الثورة واللذين يكونون أولي ثقة لدى الشعب والمؤيدين للثورة عدم الاستماع إلى المنهزمين واليائسين والمفككين للثورة بخيبة أملهم فيكونون خاذلين للشعب وأماله بعد أن كانوا دافعين له للتغيير.

وأيضًا على الثوار عدم التقديس لشخصية بعينها أو جعلها أيقونة حتى لا يستغل الثورة لمصالحه أو لا يأتي اليوم وتضيع الثورة بسبب مواقف هؤلاء الأشخاص، سواء بسبب ضعفهم، أو تخاذلهم، أو بسبب تقديسهم الشديد، فيجعل من بعض الثوار غير متقبلين لمعارضتهم فتكون النتيجة الانقسام الثوري وفرصة للاستبداد للعودة إلى السلطة وإجهاض الثورة.

كما تحدثا في نقطة الثورة عن الاستمرار في الثورة إلى نهاية المطاف، وعدم الكل من الوقت مهما طال، وعدم قبول الثوار بالحلول الوسط، أو التصالح مع النظم المستبدة، فيجب عليهم التمسك بالمبادئ الثورية بإسقاط النظام المستبد كاملًا ومحاسبته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد