منذ اندلاع الحراك التظاهري «ثورة ديسمبر» المطلبية التي دعت إلى إصلاح البنية الاقتصادية في البلاد وما تلاه من تغيير في الحكم، ما دفع مجموعة من الأحزاب بتكوين جسم سياسي بمسمى «إعلان قوى الحرية والتغيير» جسمًا سياسيًّا تصدر المشهد السياسي بعد ثورة ديسمبر، حيث ارتضت هذه القوة المدنية بأن تكون شريكة للقوة العسكرية بموجب اتفاق شراكة سُمي بـ«الوثيقة الدستورية» حددت فيها تقاسم السلطة والثروة بين أطراف التوقيع، وبعد مُضي عام من توقيع الاتفاق السياسي وتشكيل الحكومة فما إن لبثت في إنفاذ برامجها وإنزالها على الحياة العامة رويدًا رويدًا، تلتها حالة من عدم الاستقرار السياسي واختلال في الممارسة السياسية ظهر جليًّا في ممارسات الحاضنة السياسية الجديدة ما جعل الملعب السياسي يكتنفه نوع من الغباشية والغموض، برزت إشكالات الواقع السياسي وتمظهراته السالبة التي تشهدها الفترة الانتقالية في السودان نتاجًا لضعف الحاضنة السياسية ومحاولتها السيطرة على مقاليد الحكم بالبلاد دون امتلاكها لمشروع «سياسي جاد» يرتكز على أُسس ومعايير مما يحظى بتأييد النادي السياسي السوداني ككل أو على أقل تقدير ممكن على أن تحصل على إجماع دوائر مؤثرة من أهل السودان، بل تحاول «إعلان قوى الحرية والتغيير» خلق مناخ سياسي جديد غير مرن ومعتم للممارسة السياسية دون مراعاة ماهية أدوات وتوازنات وتعقيدات المشهد السياسي وتفاعلاته، مع مراعاة أوزان ونسب الأجسام والتيارات السياسية في السودان، ومحاولة خلق أزمات متوهمة ومُضلَلة مبتغيةً صناعة كسب سياسي «لها» في ظل فترة انتقالية يُنظر إليها فترة تسيير مهام ووضع انتقال، مما أنتج حالة من الصراع السياسي المستمر شكل مُعضلةً للبنية السياسية وتفاعلات جميع الأطراف مع هذه العلمية ما أسفرت اتجاهات الأحداث إلى ديناميات للصراع السياسي المحتدم مع غياب رؤية إدارة الدولة وتعقيداتها دون وضع مسار مرن للتوافق والتراضي بين المكونات السياسية و«الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية».

إن ديناميات الصراع السياسي تُظهِر مشهدًا مختلفًا وأكثر تعقيدًا في الحالة السودانية خلال الفترة الانتقالية مما يشير إلى أن ديمومة واستمرارية «الصراع» بعيدة عن الانتهاء وأن مكتسبات هذه الاستمرارية مستمرة في ظل وضع انتقالي مُعقد وهش ألم بمؤسسات الحكم الانتقالي وتعاطي هذه المؤسسات مع «القضايا الوطنية» أكثر هشاشة مما تبدو عليه، وفي المقابل سيساهم هذا التعاطي في زيادة التعصب المحلي للمكونات المحلية المختلفة، بالتالي سيقود إلى تفكك البنية الجغرافية بوصفه نتاجًا لعدم مقدرتها على إدارة التنوع بشكلياته المختلفة، ومن المرجح أن تؤدي دينامية «الفعل ردة الفعل» التي غالبًا ما تؤدي لتقلبات متأرجحة ومتذبذبةً في موازين القوة خلال الفترة الانتقالية بدوره يقود إلى تحديد مسار العملية السياسية مستقبلًا سواء كان سلبًا أم إيجابًا.

يحاول أطراف الحكم الانتقالي في السودان أن يضعوا معادلة «تسوية سياسية» أو يمكن ان أسميها «الاحتفاظ بتوازن أطراف الحكم الانتقالي»، تستند إلى المشاركة فى السلطة، سواء كانت مشاركة نتجت باتفاق أطراف أم تحت ضغط ماثل، ما لا يمكنها من وضع حلول مستدامة ولأنها لا تخاطب البعد الاجتماعي والاقتصادي كذلك، فاذا ما استقر الصراع من جهة واستمرت أطراف تغذية الصراع من جهة أخرى بالنسق ذاته، ستطيل ديمومة الصراع وتكون بذلك «أطراف الحكم الانتقالي» ساهمت في ترسيخها وتعميقها. وسيؤدي البعد عن العقلنة وغياب الرؤية الوطنية في استمرارية الصراع السياسي إلى تشوه كبير في شكليات وطرائق الممارسة السياسية السائدة، فالتغيرات والتحولات المتلاحقة في البنية «السياسية والاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية» أفرزت سيولة كبيرة كان من نتاجها انهيار العقل واستشراء همجية الممارسة السياسية خلال الفترة الانتقالية وهو ما أسماه المفكر إرنست كاسيرر بـ«الهمجيات الحديثة»، ويرى إرنست أن من نتائج الأزمات الاجتماعية أنها تحدث هزات عميقة في التصورات العقلانية للواقع وتشجع اللجوء إلى «الأحكام المسبقة والدين والأسطورة» فالمشهد السياسي الآن الذي يغلب عليه الصراعات الشخصية على المصلحة العامة، ويحتل فيه الإقصاء والتمترس «الزعازع» محل الشراكة المثمرة دون إبعاد طرف عن طرف آخر يمثل أحد أطراف المعادلة السياسية ودون ذلك ستصبح المعادلة «مُخلة»، مع وضع حسبان لنوعية تدخلات القوى الخارجية ومساهمتها في رسَمنة معالم الصراعات الداخلية وارتباطات الوضع الداخلي بأطراف خارجية فاعلة ساعدت في أزمنة واختلال البنية السياسية بدوره زاد حدة الاستقطاب الداخلي وتأجيج الصراع الذي تشهده الفترة الانتقالية، ومن غير الواضح بعد كيف ستنعكس هذه المتغيرات على مستقبل الانتقال الديمقراطي في ظل نشوء تمظهرات جديدة على البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. فتماثل تمظهرات وتشكلات الحالة الراهنة مقولة لمنصور خالد في كتابه «النخبة السودانية وإدمان الفشل»، الذي عبر قائلًا: «لن نظلم القوي الحديثة شيئًا إن قلنا إن تعسفها عن الطريق من بدايته هو الذي انتهى إلى ضياع لم يبقى لها معه غير تبادل الملامة»، فالفاعلون في المسرح السياسي الآن إذا جاز أن نسميهم «نخبًا» أنهم لا توجد نخبة صلبة وإنما نخب متعددة ومعقدة يجمع بينها صراع المتناقضات واحتدام المواقف بسبب تعدد الرؤى والمشروعات.

إن بروز تداعيات الصراع السياسي بتدهور أداء مؤسسات الدولة الخدمية علاوةً على ذلك عدم تمكنها من توفير الاحتياجات الضرورية والأساسية، بالإضافة إلى سوء استخدام الموارد وإدارتها بما يوفر على أقل تقدير الاحتياج الأساسي، حيث توقع صندوق النقد الدولي أن يشهد الناتج المحلي الإجمالي في السودان انخفاضًا بنسبة 72% في العام 2020م وأن تكون نسبة العجز التجاري  15.2% من قيمة الناتج المحلي الإجمالي وأن يرتفع التضخم إلى 81%، إلا أن إخفاق مؤسسات الحكم الانتقالي في التعاطي مع الملف الاقتصادي بصورة جيدة هو ما أعطى مؤشرًا بحجم ضرر أكبر مما هو متوقع فاق توقعات صندوق النقد الدولي من خلال مقارنة ارتفاع نسبة التضخم إلى 229.85% في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2020م، وعدم إدارتها للقطاعات الإنتاجية بصورة تلائم المتطلبات الاقتصادية التي يحتاج إليها الاقتصاد السوداني، وبلغ التدهور الاقتصادي ذروته بانهيار قيمة الجنيه السوداني؛ إذ انخفض سعره عشرات المرات مقابل الدولار الواحد في السوق الموازي أو ما يعرف «بالسوق السوداء»؛ إذ انخفضت قيمة الجنيه فأصبح 250 جنيهًا مقابل دولار واحد، مقرونةً بأزمة حادة في المشتقات البترولية والنقد الأجنبي، إذ يعد الملف الاقتصادي التحدي الأول الذي يواجه مؤسسات الحكم الانتقالي، وأشارت إليه الوثيقة الدستورية بنصها «معالجة الأزمة الاقتصادية، بإيقاف التدهور الاقتصادي، والعمل على إرساء أسس التنمية المستدامة، وذلك بتطبيق برنامج اقتصادي واجتماعي ومالي وإنساني عاجل لمواجهة التحديات الراهنة».

كان ما يجب أن توظف هذه السياقات للبناء وتنفيذها بما يتيح لها مؤشر رضا عام في الحياة العامة، إلا أن أدواتها كانت توظف للصراع الداخلي «وتأجيج شكوك الريبة بين المكونات السياسية»، فلم تستطع تقديم تصور واضح بنسق الوثيقة ذاتها التي غلب عليها الطابع «العناويني» للقضايا المختلفة، وذلك لقصورها في تعاطيها مع القضايا الوطنية، فالحاجة الملحة خلال الفترة الانتقالية إليى رؤية استراتيجية وطنية، تتفق عليها القوة الاجتماعية والكيانات السياسية الفاعلة في المجتمع السوداني وتُشرك في وضع حلول علمية جادة تعالج حالة التشظي والتفكك، وتخاطب الجميع بأنهم شركاء في مسؤولية الانتقال الديمقراطي الآمن والسلس؛ إذا حال دون ذلك فسيحل خطر الانشقاقات والانقسامات السياسية وتفكك البنية الاجتماعية، وبالتالي سيكون هنالك شرخ «بنيوي» كلي يكون الأول في نوعه منذ الاستقلال، أو بالأحرى توجيه مسار الحكم الانتقالي توجيهًا موضوعيًّا صوب القضايا الأساسية والمحورية التي تسهم في معالجة الاختلالات الهيكلية وتمضي في تهيئة المناخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي والاحتكام إلى العقل بمنأى عن التماهي في تأجيج الصراع ما يقود إلى استقرار في البنية الاقتصادية يكن لها منعكسات على الحياة السياسية، مما يعزز فرص إنفاذ برنامج إصلاح اقتصادي بغية إحداث نمو هيكلي متزايد يعالج جميع التمظهرات والاختلالات المُعقدة بالاقتصاد السوداني مع وجود إرادة في إنفاذ ما يجري التوافق عليه سينعكس في إصلاح البنية الاجتماعية، وبالتالي ستنتج منه تحولات إيجابية في الممارسة السياسية بعكس مما نشهده اليوم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد