لم تكن الأهداف المشروعة بتحقيق الاستقرار الاقتصادي ودفع النمو الاقتصادي وضرورة أن يلعب الاقتصاد دوره في دعم عملية التحول السياسي والانتقال الديمقراطي التي يمر بها السودان، بل نتجت تمظهرات عكسية كنتاج طبيعي لعدم وجود مشروع وطني مؤطر ومقيد بقيد زمني محدد بمهام ومسؤوليات محددة يُنزل وفق قيد زمني محدد لعمر الفترة الانتقالية هو ما أعاد حالة «الشارع» لتساؤل ما هي برامج وتصورات مشروعات «إعلان قوي الحرية والتغيير» تجاه مؤسسات الحكم الانتقالي بما يتوافق مع مشروع يستطيع أن يستوعب جميع الموارد الاقتصادية بما يليق بحجم وموارد هذا البلد؟

غيبنة تبني مشروع سياسي وطني لتماسك البنية السياسية خلال الفترة الانتقالية

عجز التحالف السياسي المُمسك بمؤسسات الحكم الانتقالي في تقديم مشروع وطني ورؤية بديلة تنزل على مؤسسات الحكم الانتقالي المختلفة وبدوره ما ينعكس على الحياة العامة، إلا أنها كرست لتصورات انهزامية لمشروع الدولة التنموية من خلال تعاطيها مع البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون أفق لإدارة الدولة وميكانزماتها.

تشكل اتجاه غيبنة المشروعات الوطنية خلال الفترة الانتقالية، ولاسيما في انتخاب مشروع إستراتيجي وطني وأنموزج اقتصادي تنموي تستثمر فيه قيمة الموجودات المحلية من الموارد الاقتصادية، وإضافة قيمة مضافة إليها بصورة أو بأخرى، ما ينعكس بصورة إيجابية على القيمة الكلية للموارد الاقتصادية، إلا أن هذه الغيبنة المعنية باستبعاد أي مشروع وطني واستبدال به آخر أجنبي تدفعه الإملاءات وتحركة الأجندة الخارجية بصور وأشكال مختلفة، وبأدوات أيضًا مختلفة ما انعكست على أثر هذه الغيبنة من عمر الفترة الانتقالية التي يشهدها السودان الآن اختلالًا في البنية السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، من بعد ثورةً عُقدت فيها الآمال العراض نحو السعي لبناء دولة تنعم بالحريات وتعزيز فرص السلام وتحقيق العدالة، إلا أنها بنيت شعاراتها على تصورات لحظية استخدمتها الأحزاب لتمرير فترة حرجة، وبالتالي مثلت تمظهرات سالبة على البنية الكلية للفترة الانتقالية.

يمر السودان بمرحلة حرجة بالفعل! بمخاضً انتقال ديمقراطي عسير باعتباره انتقالًا ديمقراطيًا رابعًا يشهده السودان والأول من نوعه كانتقال ديمقراطي موسوم بإملاءات خارجية؛ ولأن السودان دولة محورية تجتمع فيه تقاطعات محاور إقليمية ودولية مختلفة من جهة وعدم وجود مشروع وطني داخلي يجتمع عليه النادي السياسي السوداني من جهة آخرى، هو ما جعل الفترة الانتقالية التى يشهدها السودان عرضةً للابتذال والاختطاف لصالح مشروعات خارجية دون تبني مشروع وطني يستصحب التجارب والعبر السابقة ويوظف التنوع المختلف الذي يتميز به السودان وعلى أثر هذه الغياب والغيبنة الآن الفترة الانتقالية مهددة اقتصاديًا بمؤشرات مخيفة هي الأولى من نوعها منذ الإستقلال وما تنذر بتفكًكً للبنية الاقتصادية والاجتماعية من نوع آخر، ما تستدعي الحاجة الملحة على أقل تقدير لملامح مشروع وطني «سياسي اقتصادي بامتياز، اجتماعي، ثقافي» أي مشروع دولة تنموية تتخذ مواردها كنقطة انطلاق لتحقيق معدلات متقدمة من النمو الاقتصادي وتعزيز فرص التنمية المستدامة، كالدول الصاعدة بمواردها الاقتصادية ما يكون ضامن للانتقال لمرحلة ما بعد الفترة الانتقالية بصورةً تحفظ البلاد وأمنه.

غيبنة تبني أنموزج اقتصادي وطني لاستغلال الموارد الاقتصادية

ما انتهجته إعلان قوى الحرية والتغيير مسلكًا في إدارة الكبينة الاقتصادية من تغييبٍ وغيبنةً للمشروعات الوطنية خلال الفترة الانتقالية وتبنيها برامج صندوق النقد والبنك الدوليين ولعدم مقدرتها على وضع برنامج اقتصادي طموح بدوره يتلمس ويعالج الاختلالات الهيكلية التي ألمت بمفاصل الاقتصاد السوداني بفعل الغيبنة الآن ما تشير إليه التقارير والإحصاءات أن الاقتصاد السوداني يسير للخلف بمعدلات كبيرة مقرونًا هذا التراجع بالفترة الانتقالية.

تشكل التطور الطبيعي لتفاقم حدة الأزمة الاقتصادية وانهيار البنية الاقتصادية نتيجة لعدم استغلال قيمة الموجودات الوطنية من الموارد الاقتصادية وتوظيفها في برنامج يخدم أجندة الاستقرار الاقتصادي ويعززه لتحقيق معدلات استقرار اقتصادي إيجابية على أقل تقدير في مستويات الأسعار، لكن من خلال تجربة «إعلان قوى الحرية والتغيير» الممسكة الآن بزمام الفترة الانتقالية في السودان مما تؤكد تبني وصفات وإسقاطات لبرامج وأجندة خارجية (برامج المؤسسات الدولية) مما أثبتت عدم جدواها ومقدرتها على كبح جماح الأزمة الاقتصادية، بل ساعدت في تفاقمها.

بفعل تغييب المشروعات الوطنية تعقدت المشاكل والاختلالات الاقتصادية أكثر من ذي قبل، من خلال انخفضت قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية وارتفاع معدلات التضخم وانخفاض الإنتاج المحلي، وبحسب آخر تقرير للجهاز المركزي للإحصاء الخاص بقياس مؤشر التضخم، والذي بلغ (304.33 %) لشهر يناير (كانون الثاني) 2021، وكذلك ما أورده موقع ( Trading Economic) الذي وضع السودان ضمن الدول الخمس صاحبة أعلى معدلات تضخم في العالم، حيث صنف الاقتصاد السوداني الثالث عالميًا من حيث ارتفاع معدل التضخم تسبقة (فنزويلا، زيمبابوي، السودان)، وأيضًا وفقًا لنشرة منصة ميدان حيث وضعت السوادن ضمن الأربعة اقتصادات عربية التي ستعاني بشدة وستواجه تحديات هي الاسوء في العام 2021 فمؤشر هذه الدول هي (لبنان، سوريا، العراق، السودان)، وحيث أشارت إلى تدهور الاوضاع الاقتصادية من خلال وضع السودان بين أعلى خمسة دول تعاني التضخم عالميًا بنسبة أكبر من 200% وارتفاعًا حادًا بأسعار السلع والخدمات، إضافةً إلى أنه اقتصاد مثقل بالديون الخارجية والتى تصل حوالي 60 مليار دولار وتراجع قيمة الجنيه السوداني حيث تخطى سعر الدولار الأمريكي مبلغ 400 جنيه سوداني في السوق الموازي» عقب إجازة موازنة العام 2021، مقرونًا بغياب السياسات المالية والدور الرقابي، وتراجع معدلات النمو في القطاعات الانتاجية والانفلات الكبير في الأسواق بصورة غير مسبوقة دون وجود سياسيات ناجعه تعالج هذه الإختلالات بصورة واضحة، فالاقتصاد السوداني الآن يدار دون ملامح لمشروع وطني ودون خطوط واضحة لبرنامج اقتصادي لفترة انتقالية اخطتفتها مجموعات كانت خارج دائرة الفعل السياسي ليست لديها أي خارطة برامجية سياسية لأحزابها، بالتالي أصبحت الآن ممسكة بمؤسسات الحكم الانتقالي ما خلفت على أثر غيبنتها للمشروعات الاقتصادية مزيدًا من التردي الاقتصادي والبنيوي لمفاصل الاقتصاد السوداني بصورة أكبر مما كان قبل ثورة ديسمبر، بخلاف لما حملته الرؤى ما بعد الثورة نحو مأسسةً لدولة تنموية، ويقول: «ريك رودين» في كتابه كيف نُعرف الدولة التنموية في القرن الواحد وعشرين، قال: إن الشرط الأول لبناء الدولة التنموية هو التوافق السياسي على خطة اقتصادية طويلة المدى ويجب أن تكون للدولة التنموية حكومة تتعهد بالتزامات طويلة الأمد في اتباع إستراتيجية فعالة وديناميكية تستمر مع مرور الوقت ويتطلب هذا الأمر إجماعًا سياسًا واسعًا أو تسوية متفق علىها بين الفئات السياسية الرئيسة، والقطاعات الرئيسة الاقتصادية «تسوية بين النخبة والمؤسسات السياسية، والنخبة والمؤسسات الاقتصادية»، هذا ما عجز عنه إعلان قوى الحرية والتغيير التي أربكت وأخلت بالفضاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي في السودان خلال الفترة الانتقالية، وهذا ما تشير إليه الأزمات الاقتصادية الراهنة التي توحي بتفاقم الأوضاع الاقتصادية إلى مؤشرات ستكون الأولى من نوعها منذ السودنة.

مطلوبات الراهن الاقتصادي والسياسي

ما تتطلبه الحالة الراهنة والمحلة من عٌمر الفترة الانتقالية في السودان هو السعي بصورة حسيسه لتحقيق استقرارًا في مؤشرات الاقتصاد الكلي مرتبطًا بتوافقٍ سياسيٍ بين المكونات السياسية من جهة والمكونات الاجتماعية من جهة أخرى خلال الفترة الانتقالية يكون هو الضامن لتماسك البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر السعي لتحقيق الانفتاح الاقتصادي لتوسيع نطاق السوق من خلال الاتفاقيات الاقتصادية الثنائية والمتعددة والعمل على دعم الصادر والعمل على تطبيق سياسيات مرنه خاصة بسعر العملة وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي ودعم القطاع العام ومحاربة الاحتكار وتشجيع الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وإصلاح النظام الضريبي، وتذليل كافة الإشكالات المعوقة لعملية التطور الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي. والعمل على تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، هو ما يعزز لبناء لبنات جديدة وما يحفظ كرامة وحقوق انسان هذا البلد الذي يعتبر أيقونة الخارطة الجيو – إستراتيجية، والاقتصادية، والجيبولتيكية في المنطقة، والغني بموارده وثقافاته المتنوعة، هذا ما تحتاجه جموع الشعب السوداني الذي خرج في ثورة تنادت بتحقيق مؤشرات إيجابية في البينة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد