نلاحظ في السنوات الأخيرة، أن قطاعات واسعة من الشعب السوداني، تتفاعل مع الأحداث اليومية، وحتى المصيرية منها، بالاستخفاف، واللا مبالاة، والطرفة، والسخرية أحيانًا؛ فمثلًا ارتفاع سعر رغيف الخبز، أصبح برنامجًا في وسائط الميديا، لمن لا برنامج له، وإلى غير ذلك من الأحداث المتواترة، إذا ما يجري في هذا الوطن؟

المؤسف، والمحزن، والأكثر إيلامًا، أن هذا النوع من الفهم الجديد، وغير المرحب به، قد تسلل إلى دواوين الدولة نفسها؛ ففي خلال ثلاثة أشهر فقط، هبطت قيمة الجنيه السوداني بنسبة 100%، من شهر نوفمبر 2017 إلى 31 يناير 2018، هذا التهاوي والانهيار للعملة الوطنية، لم يجد التفاعل اللازم من المسئولين الحكوميين، دعك من المواطن.

الجنيه السوداني اليوم يُسجل أعلى معدل انخفاض له، أمام العملات الأجنبية، في تاريخ الجمهورية، لو أن الدولة لم تعلن حالة الطوارئ، لهذا الحدث، ولم يستقيل المسئولين، لكل هذه البلوى، والمصيبة الأكبر في تاريخ الوطن فماذا ننتظر؟!

هناك العديد من الخبراء، والاقتصاديين، الذين طالما أبهرونا بأحاديثهم الرنانة، على شاشات التلفاز، ويحملون صفات علمية، رفيعة المستوى، هل عجزوا تمامًا عن حل إشكالات الاقتصاد الوطني؟

بهذا الواقع الذي أشاهده أمامي، وخلال ثلاثة أشهر، تزيد قيمة الدولار، مقابل الجنيه السوداني، بمتوالية هندسية، وجب عليّ مجبرًا لا بطلًا، أن أبصم بالعشرة على ما يقوله «ستيف جوبز»، مؤسس شركة «أبل»؛ وهي أكثر الشركات قيمة في التاريخ، «إن الخبراء جهلة»، فلو أنهم غير ذلك، لوجدوا حلًا لهذا الخلل المحبط.

في مقال سابق، كنا قد تحدثنا عن الإجراءات الاقتصادية، التي طالت تجار العملة، في السوق الموازي، والكشات، والمطاردات؛ قد تسبب هلعًا وسط تجار العملة، وهنا يرتفع قيمة الدولار للندرة، وصدق ما قلناه بالفعل، وتوقعنا ارتفاع قيمة الدولار إلى خمسين جنيهًا، مع نهاية العام 2018.

لكن يجب أن نعدل رأينا صراحةً؛ لأننا اليوم نحن في أوائل شهر فبراير، والدولار بـ43 جنيهًا، ويتصاعد يوميًا بمعدل جنيه إلى جنيهين؛ إذًا فلنقول إنه بنهاية العام الحالي، سيصل الدولار إلى 100 جنيه في أقل الاحتمالات.

إن المعطيات التي أمامنا، لا تبشر بالخير أبدًا، وهذا رأيي الشخصي، الذي لا علاقة له بالهتيفة من نوعية «سير سير يا بشير»، ولا حتى من المعارضين الذين كل همهم، وإبداعهم، وعطائهم لهذا البلد، عبارات على طريقة «ارحل يا بشير»، ولا مقتنع بعلماء السلطان، الذين يتلاعبون بالألفاظ، والتعبيرات اللغوية، والدينية، لترجيح رأي فقهي، يخدم مصلحة معينة، على حساب سمو وعلو ديننا الإسلامي الحنيف، بيد أني مواطن سوداني، لديه رغبة صادقة، بأن يشاهد وطنه عاليًا، في علو صقر الجديان، عن طريق اقتصاد قوي، لا يستمرئ المنح، والهبات، والتسول، قوي بذاته، وهذا بعمر البشير أو بغيره، وماذا يفرق في ذلك؟

زادنا في ذلك أن نستصحب التعبير القرآني {لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى}، وأن لا نسلم فقط بعبارة هذا {بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}، لكلا التعبيرين دلالات، وفهم ديني ودنيوي، والإنسان مكلف، ليس مسيرًا بالمعني الحرفي، ولا هو مخير.

شاهدت يوم الأربعاء الماضي، على شاشة التلفاز، استقالة على الهواء مباشرة، لوزير بريطاني في مجلس العموم؛ بسبب تأخره لخمس دقائق، من انعقاد جلسة في مسألة تخصه، وبعد أن استقال، غادر قاعة المجلس مباشرة؛ لأنه اعتبر نفسه مقصرًا في واجبه. تصرف في منتهى المسئولية، والوضوح، والتفاني، مؤسف جدًا أن يكون هذا الكافر مضربًا للمثل، لو أننا قارنا تصرف هذا الوزير، مع مشكلة تدهور العملة الوطنية، فليس هناك أصلًا وجه للمقارنة.

لا نطالب باستقالة أحد، فنحن في أفريقيا، ولكن نلتمس المسئولية، فالوضع مقلق بحق، وهناك خلل كبير، وهناك شيء غير مفهوم.

نفسي تحدثني أن هناك من يعمل ضد الوطن، من أجل إحراج «عمر البشير»، أو أن دولة جارة تقوم بهذا العمل؛ تدميرًا لاقتصاد هذا البلد، والرأي الأخير، يؤيده بشدة، الكمية المهولة من العملة المزورة، التي قبضت عليها السلطات، في معبر «أرقين»، على الحدود الشمالية، وتحقق فيها نيابة أمن الدولة حاليًا، وأخيرًا حرب المخابرات التي طفت على السطح.

أما الرأي الأول؛ وهو أن تكون هناك أياد تعبث باقتصاد البلد؛ رغبة في الانتقام من الرئيس «البشير»، فإن تاريخ المعارضة غير المشرف، والذي يحمل الاستقواء بالأجنبي، أبرز ملامحه، وارد أن يكون هذا العمل يليق بهم، كما لا يمكن أن نستبعد، أن هذه البلبلة سببها المنافسون السياسيون المحتملون، فالأمر غير عادي، ومثير للدهشة.

لذا؛ في تقديرنا ما يجب أن تفعله الدولة، لوقف هذا الانهيار للعملة:

أولًا- أن تعجل في مسألة إصدار العملات الذهبية؛ لتخفيف الضغط عن الدولار، ويطمئن الذي في قلبه مرض، من التجار، والسماسرة، والمضاربين، وأن تسمح الدولة للمسافرين بحملها معهم، حتى خارج البلاد؛ لمجابهة تكاليف العلاج، والدراسة، والتجارة، وغيرها.

ثانيًا- إعادة الدكتور «صابر محمد الحسن» للبنك المركزي فورًا، وبدون أي مغالطات، حتى ولو بلغ مائة عام؛ فهو خير من يدير ملف العملة، وأثبت كفاءة مهنية ممتازة، حتى والبلد في أوج حرب الجنوب، ودارفور، وفي زمنه لم تنهر العملة، ولم يترنح الجنيه، ناهيك عن أنه لا يوجد حرب ولا غيره، أضف إلى ذلك أن الرجل حاسم في مسألة طباعة العملة، فلا يُعقل أن تصل حجم نسبة نمو الكتلة النقدية في عام واحد 64%، الخبرة في هذا الظرف ضرورية، ففي سبيل الوطن الغاية تبرر الوسيلة.

ثالثًا- إعادة «صلاح عبد الله قوش» وزيرًا للداخلية، بعيدًا عن تصفية الحسابات، وطموحات الرجل المشروعة، وغير المشروعة، فهو الأقدر على ضبط إيقاع الفوضى، والعبث في قطاعات واسعة تدخل في صميم عمل وزارة الداخلية، والسودان يحتاج إلى ذكاء «صلاح قوش»، خصوصًا أن للرجل القدح المعلى، في حرب العملات، التي حدثت مع جنوب السودان، في عام 2011، ولهذه قصة أخرى.

رابعًا- تعيين اقتصادي مميز، صاحب تاريخ عريض، في النجاحات، حتى ولو كان بعيدًا عن السياسة؛ فهي وزارة إبداع، وليست سياسة، وهناك العديد من الاقتصاديين المميزين، بهذا البلد «أسامة داؤود، وأبو بكر البقاري، عمر الفاروق»، هؤلاء أسماء يمكنها أن تقدم الكثير، بعيدًا عن الأيديولوجيا، والتمكين، والهوس الذي أدى إلى هذا الوضع، وليعلم الجميع أن من بارك النور أحلامه يباركه النور أنّى ظهر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات