لا أحد يستطيع تحديد مسار الثورة السودانية واتجاهها، وليست هناك قوى تستطيع ادعاء امتلاك الشارع والقدرة على توجيهها!

فقد ما يسمى «تجمع المهنيين السودانيين» السيطرة على الشارع، وأجهزت عليها الأحزاب السياسية ودقت عليها الانقسامات المسمار الأخير في نعشها!

أما قوى الحرية والتغيير فقد انكشفت سوءاتها في أول أيام زوال ثورة الإنقاذ.

هو في الأصل تحالف يجمع في داخله مجموعة من الكتل المتحالفة مسبقًا (نداء السودان، الإجماع الوطني، الجبهة الثورة، القوى المدنية، وتجمع المهنيين). أجمع الخبراء أن هذا الكيان أضعف تحالف للمعارضة السودانية على مر التاريخ وذلك لعدة اعتبارات:

– باعتبار أن هذا التحالف يجمع في داخله كل المتناقضات وأجمع المحللون على أن القاسم المشترك الوحيد الذي يجمع بينها هو إسقاط النظام.

– كذلك هذا التحالف لم يقم على مشروع وطني يحقق إجماع ويحشد توافق حوله من كل القوى السياسية، بل قام على مشروع واحد فقط هو تفكيك نظام الإنقاذ مما جعله عرضة الانتقادات حتى من مكوناته وفتح الباب أمام قوى جديدة، واستقطابات حادة، وانسلاخات وأجسام من النشطاء السياسيين الذين قادوا الثورة.

وأخيرًا: هذه القوى لم تقم على هياكل واضحة ومعروفة، بل كانت السمة المميزة لها الارتجالية والتهور والتسرع نحو تصفية الخصوم؛ مما ظهر جليًا من البيانات التي تخرج من مكوناتها في رفض قراراتها، فضلًا عن تصريحات قياداتها حول غياب المؤسسية وعدم وجود هياكل قيادية، والذي كانت نتيجته الطلاق البين بين هذه القوى وأقوى مكوناتها (الجبهة الثورة) كما وصفتها في مقال سابق أن هذا الشعب لايستحق أن تقوده الأقزام!

ولعل ما يجعل هذا الحلف (قوى الحرية والتغير) بهذا الضعف وهذا الترنح هو أسبقية الحراك الجماهيري على هذه القوى، حتى لا ننسى وحتى لا تنال هذه النخب شرف لا تستحقه، أن ما حدث في السودان كانت احتجاجات مطلبية في مدن( الدمازين، القضارف، الفاشر وعطبرة) نتيجة لشح الخبز، ثم لحقت هذه القوى بالاحتجاجات الشعبية بعد تسعة أيام من الحراك، واكتملت حلقات سقوط نظام الإنقاذ بعد انحياز اللجنة الأمنية لنظام البشير للإرادة الشعبية.

كل المؤشرات تشير على أن قوى ما تسمى بالحرية والتغيير ما هي إلا قوى انتهازية امتطت ظهر الثورة حين غفلة، وما جعلها تبدو في المشهد هو خوف الشارع من تكرار تجربة هبة سبتمبر (أيلول) والتي أيضًا كان الشعب فيه متقدمًا على الأحزاب، فسلمت أمرها لتجمع المهنيين بغرض التوجيه والتنسيق حتى انكشف أمر التجمع فما هو إلا واجهة سياسية.

ولأن الثورة كانت شعبية رفعت شعارات بعيدة عن الأجندة السياسية وأبعد عن تصفية الحسابات والنزعة الانتقامية فكان الشعار (حرية، سلام، وعدالة) حيث أضافت هذه الشعارات مفاهيم جديدة في الحياه السياسية بعيدة عن الكيد والإقصاء والانتقام.

ما إن برزت هذه القوى إلا وأفسدت الأجواء وظهر خطابها الإقصائي ونهجها العدائي وخطابها الذي من خلاله نسفت كل الشعارات من دعوتها لتجميد نشاط الحزب الحاكم، لمصادرة دوره وحظره والتحريض ضد منسوبيه، وكادت بهذا النهج أن تفقد هذا الشعب سماحته، وتهدد سلامه الاجتماعي وتفتك بوحدة نسيجه، بل تعدى عداؤها الحزب الحاكم وحلفاءه والتيارات الإسلامية، بل إقصاؤها حتى لحلفائها من الحركات المسلحة!

ولم يمض على هذه الثورة شهر واحد حتى ظهرت الأجندة السياسية واللهاث وراء السلطة والاختلاف حول تقاسم السلطة حتى ضاع للشعب خمسة شهور في مفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية تارة وبين مكونات قوى التغيير تارة أخرى!

بل تجاوز الخطاب في كثير من الأحيان حدوده وصادم قيم الشعب السوداني ومورثاته السمحاء وسنفرض له مساحة خاصة.

بل زادت من سقف الخطاب والوعودات الزائفة وتجريم كل العهد السابق؛ مما جعل الشعب ينتظر تجربة ملائكية ونموذج فريد ولا يقبل الشعب السوداني خلال هذه الفترة الانتقالية بواقع أقل من سويسرا نموذجًا في الرفاهية ومستوى دخل الفرد!

ليس سقوط تلك المفاهيم وحدها السمة المميزة، بل اختلال الأداء وفقدان البوصلة وانعدام التنمية وتفاقم الأزمة الاقتصاديه هو الأرجح.

ليس تشاؤمًا، ولكن ستشهد الفترة الانتقالية مشاكسات، وتباعد في وجهات النظر وانقسامات حادة، وربما انفجار في أقاليم الحرب ومناطق الصراع ما لم تضع هذه القوى جذور الأزمة السودانية وأسباب مشكلاتها المتوارثة في سلم أولوياتها!

فالمراقب للمشهد السياسي الآن هنالك حالة من التململ في الولايات وتفاقم في الأزمات!

وحالة من الصمت الذي يسبق العاصفة، ولعل زوال هذه القوى الانتهازية رهينة بتشكيل حكومة المحاصصات القادمة وستشهدون بأنفسكم موجات الرفض التي تنتظر حكومة حمدوك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد