عزيزي القارئ، إنني لا َأضمن لك ما يمليه العنوان، حتى نكون موضوعيين: لا أحد يعرف متى يصبح الإنسان مثقفًا، إنها عملية صعبة جدًا، وما لا يجب أن تتصوره أيها القارئ – حتى إنني لا أعلم إن كنت قارئًا جيدًا أو غير جيد – أن هناك مدرسة أو مسلكًا في الجامعة يعلم الناس كيف يتثقفون – فإن كنت قارئا جيدًا، سيصيبك هذا النص بخيبة أمل، وإن لم تكن كذلك، سيصيبك بخيبة أمل كذلك.

الكل يدعي المعرفة، الصواب والجمال أحيانا. لا تستطيع أنثى، مثلًا، أن تعترف بأن تلك المرأة التي تبدو – ظاهريًا – أنها تضاهيها في الجمال والأنوثة، أنها تستحق أن تكون كذلك، لا تقوى على تقبل حقيقة أنها أقل منها جمالًا. حتى وإن كان الأمر كذلك: يبدو لي هذا السبب الرئيس في جميع المشاكل التي تعيشها المرأة: الجمال؟

فإذا اعتبرنا، على سبيل المثال ليس إلا، المرأتين: الجميلة والأقل منها جمالًا، مثقفتين. أيعني هذا أن تلك التي هي أكثر جمالًا، هي الأكثر معرفة وثقافة بالمقارنة مع تلك التي هي أقل منها جمالًا؟ أيكون العكس دائمًا صحيحًا؟ بالرغم من إمكانية القول إن هناك حالات شاذة، يتم خلالها تفوق الثقافة على الجمال، وحالات أخرى يتم فيها تفوق الجمال على الثقافة، فالمرأة الجميلة دائمًا ما تجذب الأنظار، بل حتى الإعجاب والمديح والأحقية: حتى نكون موضوعيين. فالشكل الخارجي لمثقفة، بإمكانه أن يسيء إلى مستواها الفكري الكبير جدًا. فإذا كانت تعاني حتى من تشوه في السمع أو النظر مثلًا، هو أمر لا يضاهي الشكل الفيزيونومي، إنه يؤثر على كل شيء فيها.

وبالتالي، ولا داعي لمزيد من الحجج، فكل شيء واضح وبديهي، يجب ألا يغلب طابع التكرار على أقوالنا وأفعالنا؛ مما قد يعرقل مسألة قراءة ما وراء السطور أحيانًا، وحتى لا نكون ذاتيين أكثر أو بسطاء. مع إن البساطة شيء جميل.

إن جميع المثقفين، بدون استثناء، كانوا ولا يزالون يعيشون في فوضى. فالواقع الذي يهدفون إلى تغييره أو تحسينه، هو أكثر تعقيدًا مما قد يظن الرجل العادي، أو المثقفة الجميلة، مثلًا. حين ينفصل المثقف عن الغالي ويضحي بالنفيس ويعذب في الأرض من أجل السلام، فذلك ليس بالأمر الهين. قد يقول بائع الأحذية عن مانديلا أنه زعيم وشجاع. في حين أن ما دفعه إلى النضال ليس الشجاعة ولا حتى حب الريادة. وقد يقول المثقف التقليدي، بكل سخرية إنه ثائر مجنون، ولن تؤدي به ثورته إلا إلى الموت: شيء طبيعي. وسيقول الإعلاميون والمراسلون إنه يرغب في كسب الشهرة الكفيلة بجعله غنيًا: إنه فقير. وسيقال الكثير عنه، ولا شيء منطقي بالمقارنة مع الدافع الرئيس وراء تضحيته بوقته وراحته، بل بزوجته وأبنائه، من أجل شيء ما، نعجز نحن – والحق يقال – عن وصفه.

ما الذي يدفع المثقف الحقيقي، والمناضل الحق، أن يدخل تلك الخانة الضيقة التي تحرمه من النوم وتخلق له ما اختلف من المشاكل؟

أن تكون مثقفًا يعني ألا تخرج إلى الشارع: فقد يصيبك الجهلاء بالعين، أو يرمونك بالحجارة وكأنك تدعي – بفعلتك هاته – النبوة. وإن تحدثت بإتقان، أصابك الكل بالإحباط حتى تتعثر وتسقط في التكرار، وتفقد قوتك في الارتجال. هذا هو حال المثقفين وقد لا يستطيعون البوح بهذه الحقائق، لكن هذا هو حال كل مستيقظ، ثائر على الواقع من أجل واقع أفضل منه شكلًا ومضمونًا. فإن باح بسره هذا، فقد حب الجماهير له. ألم يقل فريدريك نيتشه: من ينظر إلى الناس كقطيع، ثم يهرب منهم حالما يستطيع، فإنهم سيدركونه بالتأكيد ويضربونه بقرونهم؟ ترى لماذا؟

إن المثقف شديد الخجل وقليل الكلام وإن تكلم أسيء فهمه وتدمر واكتئب وأسدل الستار. إنه يقاوم في الفراغ ومتى تفرد بشيء حسد عليه ورجم وكأنه زانية لا تستحق الحياة. أن تكون مثقفًا، يعني أن تكون صبورًا، لأن الجهلاء دائمًا في ترقب، يترقبون أبسط تعثر كي ينكبون بالسب والشتم واللوم عليك، لأتفه الأسباب وكأنهم في خضم مساعدة اليهود على احتلال فلسطين، مجاهدون مزيفون، منافقون.

أن تكون مثقفًا، لا يعني أن تكون شفيقًا على من هم غير ذلك، إذ إن من المهام المنوطة بالمثقف أو المفكر أن يحاول تحطيم الأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية، التي تفرض قيودًا شديدة على الفكر الإنساني وعلى التواصل ما بين البشر.

إنه لا مجال للشفقة ها هنا، بالمفهوم الديني. أن أمارس فعلًا على شخص ما هو في حد ذاته إهانة له، مع العلم أن هذا الفعل غالبًا ما يكون لا شعوريًا وإن كان كذلك كان مستترًا، مختبئًا وراء نظرات عيون انكسرت وغيرت من شكلها الخارجي، فما بالك بالداخلي؟ إن وجود الشفقة داخل منظومة بشرية ما، هو دليل قاطع على الذل التي تعيشه هذه المنظومة. فالكرامة الإنسانية تقر ذلك. متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ متى كان لكم الحق في الشفقة عليهم؟ أليست شفقتكم نابعة من الثراء الفاحش الذي تعيشونه؟ أو في العجز العظيم الذي يصيب البعض منكم في التغاضي عن هذا الموضوع؟ أقصد هؤلاء الذين لا يفعلون شيئًا من غير الشفقة على الآخرين، لدرجة وصلت فيها الشفقة إلى مرتبة العادة أو المهنة التي يظن أصحابها أنهم يجنون من الحسنات ما قد يدخلهم الجنة، عند مزاولتها.

إن كل شفقة نظرية – تجريدية – تكشف عن درجة من العجز البشري. والمقصود بالعجز هنا، عدم قدرة العقل البشري على استبدال الشفقة بشيء آخر، يكون مبنيًا عليها، لكن من أجل المضي بها قدمًا، أو إخراجها من قالب الفعل المحدود، ونقله إلى الجانب التطبيقي. إن كل مثقف شفيق، هو مثقف عاجز عن مجاراة الوضع: أي غير قادر على إيجاد حل فعلي لهذا السلوك – المحمود طبعًا، لكن في حدود – والذي يشكل عائقًا قويًا من شأنه إبراز مكامن الخلل داخل المنظومة البشرية: الشفقة المجانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد