لا أحد يحبُّ المعاناة. نُحاول التخلص من أيِّ نوعٍ من الألم والمعاناة عند كل مُنعطف. الجميع يحاول الغَوص في شيءٍ جديد وتجنُّب الألم بعد الكسر. ومن ثمّ، فمن المنطقي إذن أن تكون المُعاناة مفهومًا سيّئًا على نطاقٍ عالمي.

لكن ماذا لو لم يكن هذا صحيحًا؟ لماذا المُعاناة موجودة أصلًا؟

لفهم جمالِ المعاناة، نحتاج أولًا إلى فهم سببِ وجود الألم. إنَّها علامة تحذير من خطرٍ مُحتمل. فيُصبح الألم ذاكرة لتجنُّب خطرٍ في المُستقبل. فكِّر في رجُل الكهف والنار. لمسَ النّار في السَّابق وأُصيب. الآن عندما يصادف النار، لن يلمَسها.

هذه هي الطَّريقة التي تطوَّرنا بها، ولكن في العصر الحديث، فإنَّ «المعاناة» التي نشعُر بها ليست جسَدية في أغلب الأحيان. إنَّها في الغَالب عمليات عقلية نرغبُ في تخطِّيها ولكن لا يجب أن نتخطّاها. إليك مثال جيد: عندما كنا صغارًا، كنّا نصنِّف الدِّراسة والقيام بالواجبات المنزلية على أنّها «معاناة». سنُفضِّل أن نكون في الخارج للّعب. ولكنّك إذا تخطّيت الدِّراسة، فلن تتعلّم أيّ شيء (غالبًا)، وسيتمُّ تهميشُك في المُجتمع، وستكون لديك نتائج مستقبلية سيّئة، وستندم.

وينطبق الشَّيء نفسه في مرحلة البلُوغ. يمكن أن يبدو العمل الجاد بمثابة «معاناة» لبعض النَّاس. فلو اتّبع الناس غريزتهُم وحاولوا التخلُّص من هذه «المعاناة» من خلال الترَّاخي في العمل، فمن المُحتمل أنّهم سيعملون ببطء، ويكون لديهم أداءٌ سيء وقد يتمُّ طردُهم في النهاية.

كما أنَّ المعاناة هي السبيل الوحيد للإبداع، وهو ما يُعرف بالخُروج من منطقة الراحة، بحيث تستمتعُ بالمُعاناة في سبيل تحقيق هدفك، فلو تأمّلت حياة أكثر النّاس نجاحًا، تجدُهم أكثر النّاس مُعاناة، وأكثرهُم تضحيةً، وأكثرُهم تعبًا.

المعاناة ليست ضد المُتعة

هذا ما يفتقدُه الناس في كثير من الأحيان: «الفشل» و«النّجاح» ليسا بالضرورة متعارضين. فإنّهما أبناء عم أو حتى أشقّاء!

هناك علاقة وثيقة بين الألم والمُتعة، أو الفشل والنَّجاح. بعد مجهود بدني مكثَّف في عملية الجري، يشعر المتسابقون بشُعورٍ من النَّشوة التي ارتبطَت بإنتاج المواد الأفيونية، وهي مادة كيميائية عصبية تطلق أيضًا استجابةً للألم. يسمَّى هذا «Runner’s High». وبعد مجهُودٍ بدني لأشهرٍ أو حتى أعوام في صالة الألعاب الرياضية، يشعُر المتمرّن بشعورٍ جيّد ورِضا عن نفسه بعد حصُوله على النتائج التي كان يصبو إليها.

وبعد مجهودٍ في كتابة المقالات بشكلٍ يومي، لمدة طويلة، يكتسبُ الكاتبُ أسلوبًا فريدًا وربما رصيدًا لُغويًا هائلًا، طبعًا وهذا بعد أن تألّم لليالٍ طويلة.

هل يمكن تخفيفُ المُعاناة؟

لا، إنّها جزءٌ طبيعي من التّجربة الإنسانية. يمكنك تخفيف تضخيم الألم في «المعاناة» من خلال التركيز على نفسك بشكلٍ أقل. (لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ). وبطبيعة الحال إذا كنت تملك هدفًا كبيرًا تسعى لتحقيقه فغالبًا ما ستُقابَل بالرّفض،وستتعرّض لمواقف من الإحباط واليأس وستتألّم، ولكن، لا عليك، كلّ شيءٍ على ما يُرام، فهذا هو حالُ الدنيا.

 اعلم أنَ الجميع يُعاني. يتمرّن الرياضيون للحصول على الأفضل. يخسرُ رجال الأعمال المال ويعتقدون أنَّ الأمر قد انتهى، ثم يتوصّلون بالفعل إلى عملٍ ناجح.

ستيفن كينج، وهو واحد من أنجح المؤلِّفين على الإطلاق، قد رُفضت روايته الأُولى، كاري، ثلاثين مرة قبل نشرِها. وعددٌ مماثل من رفض هاري بوتر لـ ج. ك. رولينج، والتي قد تكون أنجح سِلسلة كُتب وأفلام في كلِّ العُصور.

كل هؤلاء الناس قبل أن يختبروا الفرح والنَّجاح، عانوا.

اعثُر على المتعة في المعاناة

احتفل بأيّ مقدارٍ صغير من النّجاح. سوف تفشل. سوف تُعاني. ولكن افهم أنّ ذلك سوف يُعلّمك خِبرات. سوف تنمو وتتطوّر.

قلّة قليلة (ربما نادرة) من النّاس يتزوّجون حبّهم الأول؛ الكثير يتعرّض لانكسار القلوب. قلة قليلة من الناس يرَون أنَّ محاولاتهم المهنية الأولى نجحَت بالكامل. كثيرون يفشلُون قبل أن يجدُوا بعض النَّجاح.

اعثر على طريقة لتتبُّع تقدمك وإجراء مراجعة أسبوعية لتقييم مكانك والاحتفال بكلّ المكاسب الصَّغيرة لهذا الأسبوع. بعد تتبع تقدمك، اعثُر على العوائق التي تحدُّ من تقدُّمك وخفِّف من حدَّتها.

الهدف هو أنَّك تحرز تقدمًا. حتى لو شعرت وكأنَّها معاناة، يمكنك أن ترى أنّها تقودك إلى النجاح والسّعادة.

الفشل صعب، لكنّه عنصرٌ ضروري في الحياة. اعثُر على الجَمال في تلك اللحظات لأنّك تنمو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد