تبدت الحياة للإنسان السومري في المدينة مؤلمة، فتملكه الحزن والخوف، والرعب من تزايد حاجاته، تعقد الصراعات في كل شيء مما أعطاه تصورًا عامًا للحياة المدينية على أنها ظلام دامس.

ظهرت مع أنكيدو وهو على فراش الموت بعد أن حكمت عليه الآلهة بذلك عقابًا غير منطقي بسبب مشاركته مغامرات صاحبه جلجامش، فلم يرى نفسه سوى ضحية حياة المدينة وصخبها ليجني ثمار الحضارة فيقول أنكيدو ناعيًا نفسه مخاطبًا باب الخشب المصنوع من الأرز، والذي أتى به من جبال لبنان: أيها الباب لو علمت أن هذا سيحل بي، وإن حمالك سيجلب على المصائب، إذن لرفعت فأسي وحطمتك[1] وينتقل أنكيدو ليشتم كلًا من الصياد والبغي المقدسة اللذين ورطاه فيما هو عليه، وأتيا به من القفار والغابات ليشارك في صناعة الحضارة.

وهو الجانب الآخر النابع من قاع النفس البشرية وخفايا النفس التي تلجلجت أحزانها وأنتجت شعر المراثي وأدبه السومري (أدابًا) باللفظ السومري، الذي شكل ضربًا مستقلًا في الأدب الرافدي فتجد المراثي تطغى على ملحمة (جلجامش) في رثاء (أنكيدو) لنفسه و(جلجامش) له التي جاء فيها:

المسالك التي سلكتها في غابات الأرز

وعسى ألا يبطل النواح عليك ليل نهار

… ليندبن عليك نهر (أولا) الذي مشينا على ضفافه

وليبكيك الفرات الطاهر الذي كنا نسقي منه[2].

على فراش المجد أضجعتك… سأجعل أهل أوروك يبكون عليك ويندبونك… أنا نفسي بعد أتوسد في الثرى سأطلق شعري وسألبس جلد الأسد ولتندبك أهيم على وجهي في البراري[3].

ولكأنه يقول: تحية مَنْ بالمصاب مقروح ودمعه عند الذكر مسفوح، تحية المفجوع الحزين الواله المستكين، فلأندبنَّك صباحًا ومساء ولأبيكن عليك بدل الدموع دمًا.

بالإضافة إلى مرثية الربة الأم الأولى على بني البشر بعد الطوفان، وعلى ما يبدو أن الملاحم كانت تغنى اعتمادًا على النسق الإيقاعي للنص الميثولوجي الرافدي، بحزن وشجن، بل ظهر ما يسمى بكهنة المراثي الذين يتولون النواح والترنم بالأحداث المؤلمة إضافة إلى الملحمة الشهيرة نجد مرثيات لمدن سومر التي تعرضت للخراب، إذ تقول بعض المراثي السومرية في عزاء مدينة نفر:

المدينة…إلى متى سوف يرفض إلهها الحامي، العودة إليها وإصدار قراره بأن تكف آلامها.

كفى إلى متى (سيستمر كل هذا) وليكف سكب الدموع.

الأبناء الذين اضطرت أمهاتهم إلى انتزاعهم من بيوتهم.

والذين هاموا على وجوههم إلى أن يجدوا مكانًا تستقر به رؤوسهم.

يمكن لنفر أن ترفع جبهتها عاليًا، ويزدهر فيها الإيكور وتتوسع بلاد سومر وأكاد[4].

مما يؤكد أسبقية الإيقاع على النص، والشعر المغنى على الأدب نفسه كلمة (شيرو) وتعني في اللغات الشرقية الغناء وهي الجزر اللغوي لكلمة (شعر) العربية.

ويمكن أن نجد ذاك الإيقاع الشجن إلى اليوم في الغناء، بل استمرار منطقي لطقوس الرثاء الديني، ففي رواية الصَدوق في باب البكاء على الحسين حديثًا لعل فيه إشارة مهمة إلى أن بلاد الرافدين هي مصدر اللحن الرثائي التي يعرف بها الطائفة الشيعية اليوم فيروي عن شاعر واسمه أبو هارون جاء يرثي الحسين في المدينة عند جعفر بن محمد، وذكر قصيدة للسيد الحميري.

… يا أبا هارون، أنشدني في الحسين فأنشدته، فقال: أنشدني كما تنشدون ـ يعني بالرقة ـ قال: فأنشدته:

أمرر على جدث الحسين فقــل لأعظمـه الزكية…[5].

كما أنه من الطبيعي أن ما يسمى اليوم بأطوار العزاء الحسينية تحدرت إلينا منذ أيام الحضارة السومرية وما بعدها، كما عرف بلاد الرافدين (قارئ العزاء) الكاهن النَّداب (كالو) ومعناه الحرفي (الذي أكل البكاء بصره)[6] أي جعله كليلًا من الإعياء كان يقوم بطقوس خاصة عند انهيار أحد المعابد، ولربما اعتمد الكالو وطريقته النوحية في مراثي المدن والبلدات وغيرها من الكوارث الإنسانية، وينبغي خوض بحث خاص لتطور هذا المعنى لدى مراثي الأطلال العربية وثقافة الندب على حائط المبكى، كما أن التشابه بين اسم كاهن الندب مع اسم مكة القديم (بكة)، والذي عرفة العرب ببيت البكاء، أمر مثير للاهتمام حقًا، ولا يتسع هذا البحث لهذا الموضوع. كما لا يبعد أن يكون السلم الموسيقي الذي ابتدعه فيثاغورث مأخوذ عن بلاد الرافدين على غرار نظريته الشهيرة في قياس وتر المثلث القائم وذلك أثناء تطوافه على بلاد الرافدين، ويعززه اللقى الأثرية في بلاد الرافدين، والتي منها أول قيثارة معروفة في العالم، إضافة إلى النوتة الموسيقية الرافدية.


[1] طه باقر: ملحمة جلجامش، وزارة الإرشاد سلسلة الثقافة الشعبية، العراق، ص 67 وما بعدها.

[2] طه باقر: ملحمة جلجامش، وزارة الإرشاد سلسلة الثقافة الشعبية، العراق، ص 67 وما بعدها.

[3] طه باقر: ملحمة جلجامش، وزارة الإرشاد سلسلة الثقافة الشعبية، العراق، ص 67 وما بعدها.

[4] قاسم الشواف: ديوان الأساطير، دار الساقي، بيروت، ط1, 1997، ص 367 وما بعدها.

[5] محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق): ثواب الأعمال، طليعة نور، قم، ط5, 1431هـ، ص111

[6] قاسم الشواف: ديوان الأساطير، دار الساقي، بيروت، ط1, 1997، ج2، ص62

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد