خالد سعد
خالد سعدأبو المعتصم

571

لفت نظري وأنا أتصفح الإنترنت تكرار عبارة كوكب اليابان الشقيق، تعني هذه العبارة عند مطلقيها أن اليابان تعد كوكبًا مستقلًا، لا دولة في كوكبنا الفوضوي بسبب ما هي فيه من تقدم علمي وتكنولوجي ونظام، حتى أن هناك عباره شهيرة (japan is founder of technology) وتعني أن اليابان هي من أوجدت أو أسست التكنولوجيا، وتسابق الناس في نقل الصور و المعلومات عن اليابان وسكان اليابان، وما هم فيه من حياة، ليس لها مثيل على الكوكب، إلا في كوكب اليابان.

ومع أنني لا أنكر عظمة ذلك البلد في جانب ما، وتقدمه ورقيه، إلا أننا بصدد سؤال هام وهو: على أي أساس نقيم الحضارات؟ وما هي المعايير السليمة التي تجعلنا نشير إلى بلد معين أو حضارة معينة منبهرين بعظمتها ورقيها؟ هل يكفي التقدم التكنولوجي والحياة المترفة؟ هل ما يصلح البشرية هي التكنولوجيا والرفاهية والنظام الدقيق فقط؟ هل تستحق اليابان تلك النظرة المبهرة منا – المسلمين – تجعلنا نستصغر حضارتنا أمامها؟

لابد أن الفت النظر هنا إلى أننا كمسلمين لنا معايير خاصة في تقييم الأمم والحضارات والتي لا تقتصر على الجانب المادي للحضارة أو التقدم التكنولوجي أو الرفاهية أو حتى النظام الذي تتمتع به مع أهمية تلك الأمور، لكن هنالك أمور أخرى هي أهم عندنا وأحق بأخذها في الاعتبار عند تقييم الأمم والحضارات.

مشكلتنا نحن المسلمين أن ذاكرتنا قصيره كالأسماك، وأننا لا نقرأ التاريخ جيدًا لا يمكن نقيم أمة ما دون الرجوع إلى تاريخها، إلى أخلاقها ومبادئها، ليس في وقت السلم فقط، وليس في وقت التقدم والرفاه، بل في وقت الحرب، وفي وقت الشدة والأزمات، كذلك وقت أن توضع تلك الأمة على المحك، ويصير لها اليد العليا على أمة أخرى، أو يصير العالم بين يديها تتقلب فيه كما تشاء، لا يمكن أن نقيم حاضر أمه ما وننسى تاريخها، بل لابد من اعتبار الكل الماضي والحاضر وقت القوة وقت الضعف وقت العظمة ووقت الانهيار والسقوط، هنا نستطيع أن نحكم على تلك الأمة أو الحضارة وأن نقيمها تقييمًا عادلًا، يجب علينا أيضًا أن نقيم الأمم والحضارات وفق قوانين الله وسننه في أرضه، وليس وفق أهوائنا ورغباتنا؛ لأن المعايير البشرية مختلفة، قد تكون باطلة، وقد تكون صحيحة أو متناقضة أحيانًا كل مجموعة بشرية سيكون لها معايير خاصة، لا تتفق مع مجموعة أخرى، فما نراه حقًا يراه غيرنا باطلًا، أما قوانين السماء فهي واضحة نقية عادلة.

كذلك من الخزي أن تكون بين أيدينا أعظم حضارة قامت على وجه البسيطة، ثم نلتفت هنا وهناك عاجزين عن إعادة أمجادنا، بل نحاول تقليد الشرق والغرب تقليدًا أعمى، أو مكتفين بالنظر والتأمل والتحسر على حالنا.

إن كل حضارة قامت لم تقدم وتخدم البشرية كما فعلت الحضارة الإسلامية، وكل حضارة قامت كان لها سيئات فاقت حسناتها إلا الحضارة الإسلامية؛ لأنها قامت وفق قوانين الله وتحت رعايته، فإن كان هناك فخر واعتزاز وانبهار فنحن أحق به وأولى، لكن من نسي ماضيه ضاع حاضره.

يمكننا من خلال استقراء جوهر الإسلام والشرائع منذ أن خلق الله البشرية إلى أن بعث النبي بالشريعة الخاتمة تلخيص أهم النقاط التي نستطيع من خلالها تقييم الأمم والحضارات في هذه النقاط المهمة:

  1. خضوعها لسلطان الله وقوانينه وشريعته.
  2. سلوكيات وأخلاق تلك الأمة بين أفرادها وبين الأمم الأخرى في وقت السلم والحرب.
  3. إيمان تلك الأمة أو الحضارة بالقيم التي تساوي بين البشر ولا تفرق بينهم بسبب اللون أو العرق أو ما شابه وإيمانها وتطبيقها للعدل ونصرة المظلوم والشرف والمروءة والتعاون والتكافل.
  4. التقدم العلمي والنهضة في كل نواحي الحياة وخدماتها للبشرية جمعاء.

هذه النقاط ستجدها أهم النقاط التي حددتها الكتب السماوية جمعاء، بل حتى القوانين البشرية السليمة المتوافقة مع الفطرة والعقل.

الوجه المظلم لليابان

لا استهدف اليابان على وجه التحديد، لكن اخترتها لأنها وبلا شك في نظر الكثير من الناس من أعظم البلاد والحضارات العريقة الضاربة بجذورها في التاريخ وحتى يومنا هذا هي من أكبر وأعظم البلاد تقدما في شتى المجالات لذلك اخترتها كنموذج، وقبل أن نقيمها وفقًا للنقاط السابقة دعونا نستعرض أمورًا هامة ومعلومات أهم في تاريخ اليابان وحاضرها.

اليابان بين الوثنية والإلحاد

غرقت اليابان منذ نشأتها في الوثنية فقد كان أوائلهم (شنتو) يخافون الموتى ويعبدونهم، لأن غضبهم قد ينزل بالعالم شرًا مستطيرًا فلكي يسترضوا هؤلاء الموتى، كان لزامًا عليهم أن يضعوا لهم النفائس في قبورهم – كأن يضعوا سيفًا إذا كان الميت رجلًا، ومرآة إذا كانت امرأة، وكانوا يؤدون الصلاة ويقدمون الطعام أمام صور أسلافهم في كل يوم. وكانوا يلجأون إلى التضحية البشرية آنًا بعد آن توسلًا منهم لإيقاف مطر غزير، أو ضمانًا لثبات بناء أو جدار، وكان يحدث أحيانًا أن يدفن الأتباع مع سيدهم الذي مات ليدافعوا عنه في أولى مراحل حياته الآخرة.

ثم جاءت البوذية في سنة 522 إلى اليابان عن طريق القارة الآسيوية، فأخذت تغزو أرجاءها غزوًا سريعًا؛ وقد توفر عاملان فكتبا للبوذية النصر، وهما: الحاجات الدينية عند الشعب، والحاجات السياسية عند الدولة، إلا أنه لم تكن بوذية بوذا هي التي جاءت إلى اليابان، بل جاءتها بوذية ماهايانا بآلهتها الوديعة من أمثال أميدا وكوانون.

أما في وقتنا الحاضر فالإلحاد هو الغالب على الشعب الياباني وجاء في دراسة لـCambridge University أن نسبة الإلحاد في اليابان تصل 71% وهذا نتيجة طبيعية لمئات السنين من الوثنية والفراغ الروحي.

وهذا أدى أيضًا إلى فراغ روحي يدفع اليابانيين للانتحار، ذكرت bbc أنه قد سجلت رسميًا ما بين 25: 32 ألف حالة انتحار في عام 2014 فقط مع وجود الكثير من الحالات التي لا تسجل وفق لما قالة اليابانيين أنفسهم.

العنصرية في اليابان

العنصرية هي كذلك نتيجة للعقيدة الوثنية عند اليابانيين التي عززت القومية وتمييز بعض الأجناس على بعض نشرت صحيفة the guardian دراسة اشارت فيها إلى أن واحد من كل ثلاثة سياح يتعرض للعنصرية في اليابان وأن نسبه 40% من الأجانب في اليابان يجدون صعوبة بالغة في استئجار مسكن لأن اليابانيين يرفضون التأجير للأجانب ليس فقط مع الأجانب، بل هناك فئة من اليابانيين تسمى أقلية البوراكومين تعاني التمييز والعنصرية والاحتقار ورفض الزواج منهم ولا يسمح لها بالمناصب العليا لأنهم فئة دنيا.

الاستعمار الدموي الياباني أهوال لا تنسى

السائد عن اليابانيين أنهم مسالمون وأنها دولة تنأى بنفسها عن الحروب والمجازر وهذا معلومة مغلوطه حيث ان اليابان كانت دولة ذات أطماع استعمارية ففي الحرب العالمية الثانية احتلت اليابان معظم دول آسيا القريبة منها مثل الصين وكوريا والفلبين وتايوان، وتايلاند، وفيتنام، وسنغافورة وإندونيسيا.

ارتكبت اليابان أبشع جرائم الإبادة الجماعية حيث بدأت احتلال الصين عام سبتمبر 1931 وانتهجت سياسة وحشية، وهي ما يعرف بسياسة الفظائع الثلاث، أي: الحرق الشامل والقتل الشامل والنهب الشامل، الأولى أدت إلى مقتل وإصابة أكثر من 35 مليون مواطن صيني وتشريد ونزوح أكثر من 100 مليون، وفقًا للسجلات الصينية كما أنها دفنت ما يقارب ربع مليون مواطن صيني مدني أحياء تحت الأرض، وارتكبت مذابح لاتعد والثانية أدت إلى استعمار الصين واستعباد الصينيين وإذلالهم لمدة 14 عامًا، والثالثة أدت إلى نهب موارد الصين.

مذابح لا تعد ولا تحصى

مذبحة ليويشون في 21 نوفمبر 1894، بعد احتلال الجيش الياباني لليويشون قاموا بمذبحة للمدنيين الصينيين لمدة أربعة أيام، قتلوا فيها أكثر من 20 ألف صيني.

مذبحة جينان – من 3 : 11 مايو 1928، قتل الجيش الياباني الذي اعتدى على مقاطعة شاندونغ الصينية مرة ثانية الدبلوماسيين والعسكريين والمدنيين الصينيين بجنون وتشير تحقيقات فرع جينان لجمعية الصليب الأحمر الدولية أن عدد القتلى في هذه المذبحة بلغ 6123، والجرحى 1700، وبلغت خسارة الممتلكات 57ر29 مليون يوان.

مذبحة بينغ دينغ شان في 16 سبتمبر 1932، ومن أجل الانتقام من الجيش الصيني المقاوم للعدوان الياباني، قام الجيش الياباني بمذبحة جماعية للمدنيين بقرية بينغدينغشان، قتل فيها أكثر من 3000 صيني.

مذبحة نانجينغ في 13 ديسمبر 1937، احتل الجيش الياباني مدينة نانجينغ، تحت قيادة قائد الجيش الياباني بوسط الصين ماتسوي يشيناي وقائد الفرقة السادسة ناني توشيو، قام الجيش الياباني بمذبحة كبيرة للمدنيين والعسكريين الذين تركوا الأسلحة لمدة ستة أسابيع. تجاوز عدد القتلى 300 ألف، في واحدة من أكبر المذابح التي شهدها التاريخ العالمي.

قصف تشونغتشينغ

من 18 فبراير 1938 إلى 23 أغسطس 1943 قام الجيش الياباني بقصف مدينة تشونغتشينغ؛ عاصمة الصين في ذلك الوقت لمدة خمس سنوات ونصف. وفقا للإحصاء غير الكامل، استخدم الجيش الياباني في تلك الفترة 9513 طائرة.

وأطلق 21593 قذيفة، وقتل 11889 مدنيا صينيا وأصاب 14100 مدني صيني، ودمر 17608 بنايات، وأحداث القصف الكبير في الثالث والرابع من مايو والقصف الكبير في 19 أغسطس ومأساة الخندق الكبير في الخامس من يونيو.. إلخ التي هزت العالم.

وفي الساعة التاسعة مساء الخامس من يونيو 1941، شن الجيش الياباني غارة جوية، اندفع على إثرها أكثر من عشرة آلاف مدني إلى ملجأ يتسع لأربعة آلاف وخمسمائة شخص فقط مذعورين، استخدم الجيش الياباني أربعًا وعشرين طائرة في ثلاث دفعات في قصف استمر ثلاث ساعات، فنشب حريق شديد بقمة الملجأ؛ مما تسبب في إزهاق أرواح 9992 صينيا بالغًا، و1151 طفل، وأصاب 1510 صينيين بإصابات بالغة، وعدد المصابين بإصابات خفيف لا يحصى، ناهيك عن جرائم الاغتصاب حيث اشارت سجلات الحكومة الصينية الى أن اليوم الأول للحرب اغتصبت فيه ألف امراه صينيه وكانوا يجعلون الرجل يزني ببنته والأخ بأخته كنوع من الضحك والتسلية.

كما نهبت من الصين 230 مليون أوقية من الفضة كتعويض عن الحرب، تعادل 4,5 أضعاف دخل اليابان المالي في عام 1894 تجاوزت خسارة الصين الاقتصادية 600 مليار دولار أمريكي كما وصل عدد الضحايا 85 مليونا هي 6 أعوام.

جرائم الوحدة 731 اليابانية وتجاربها على البشر

كانت الوحدة 731 اليابانية تقوم بتجارب حرب بيولوجية وكيميائية سرية في الحرب اليابانية الصينية الثانية والحرب العالمية الثانية، وكانت تتخذ اسمًا مستعارًا كمركز ومختبر أبحاث للوقاية من الأوبئة، لكنها في الواقع كانت مختبرًا يقوم بأبحاث سرية لتطوير أسلحة بيولوجية كيميائية محظورة عالمياً من أجل استخدامها في الحرب مستعينين بأسرى الحرب والمسجونين كفئران لتجاربهم الشنيعة.

وكان موقع تلك الوحدة فى مقاطعة بينجفانج لمدينة هاربين فى شمال شرق الصين، تأسست الوحدة 731 في العام 1932 من قبل الجنرال شيرو إيشى (石井四郎) وهو ضابط طبيب رفيع المستوى في الجيش الياباني وهو صنيعة وزير الحرب الياباني ساداو أراكى.

وكان من تجاربها:

تشريح أسرى الحرب أحياء ونزع اعضائهم بدون تخدير خوفا من أن يؤثر التخدير على دقة نتائج التجارب.

ربط السجناء بأعمدة على مسافات مختلفة واستخدامهم كأهداف لدراسة تأثير القنابل الجرثومية والكيماوية والمتفجرات.

حقن بالهواء لتحديد الوقت اللازم لظهور أعراض السكتة.

خلع الأعضاء البشرية وتغيير اماكنها وصل المريء بالأمعاء بعد قطع المعدة.

حقن السجناء – حقن الكليتين ببول الحصان والكثير الكثير!

أكمل في الجزء الثاني إن شاء الله ما خفي على الكثير من وحشية الحضارة اليابانية، ثم أعرض مقارنة بينها وبين الحضارة الإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست