الصراع السني الشيعي ليس وليد اللحظة بل تعود جذوره إلى 1400 عام منذ نهاية حكم الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان وبعد مقتله بدأت الفتنة الكبرى بين الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان حيث اعتبر البعض ان قتلة عثمان اغلبهم من انصار علي، ومنذ ذلك الوقت بدأ الانشراخ العمودي والاقتتال والفتن الداخلية ين المسلمين لا تهدأ من معركة الجمل بين علي وعائشة أم المؤمنين ومعها الصحابيان الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، ومعركة صفين بين علي ومعه أهل العراق ومعاوية ومعه أهل الشام، إلى معركة النهروان بين علي والخوارج الذين خرجوا عليه لقبوله التحكيم مع معاوية وأهل الشام واغتياله، لتهدأ عقدين من الزمن وتعود بعد وفاة معاوية من جديد بدءًا بكربلاء التي على الرغم من محدودية نتائجها العسكرية إلا أن المؤرخين يعتبرونها الحادثة التي سببت الانقسام الأكبر بين المسلمين حيث أصبح أهل السنة بشكل عام تقريبا يمثلون الموالاة داخل نظام الحكم الإسلامي والشيعة يمثلون المعارضة ضد هذا الحكم، وبدأ الخلاف السياسي يتحول إلى ديني شيئًا فشيئًا وقومي أيضًا حيث أصبح العرب بغالبيتهم يمثلون السنة أما الفرس فبغالبيتهم يدعمون التشيع، ومرورًا بموقعة الحرة قرب المدينة وثورة ابن الزبير وضرب الحجاج للكعبة وثورة زيد بن علي في العراق وباقي الثورات العلوية في اليمن وغيرها وثورات الخوارج التي قضى الأمويون على معظمها، والثورة العباسية الدموية وثورة محمد النفس الزكية ضد العباسيين التي تعد تقريبًا آخر الثورات العلوية القوية.

تعد ثورة أبناء الصحابة في المدينة ضد توريث يزيد بن معاوية التي فجرها مقتل الحسين  وثورة ابن الزبير  محسوبتان على السنة وقام بهما أهل الحجاز، حيث أنه من الملاحظ لم تحولا الخلاف إلى خلاف عقائدي كما هو الحال مع شيعة أهل العراق والكثير من علماء أهل السنة يؤيدون ابن الزبير في ثورته حتى البعض يلقب ابن الزبير بالخليفة الراشد والشهيد المصلوب.

بعد انهيار الدولة الأموية استطاع العلويون إقامة دولة الأدارسة في المغرب كدولة منشقة عن الدولة المركزية في بغداد وكانوا على وفاق تام مع الأمويين في الأندلس ضد العباسيين في بغداد كونهم والامويين كانوا سنة على المذهب المالكي وقامت دولة أخرى كالرستمية الخارجية في الجزائر والزيدية في العصر العباسي المتأخر في اليمن والعلوية في طبرستان، وبهذا استطاعت المعارضة العلوية وغيرها إقامة بعض الدول المنشقة عن الدولة المركزية،ايضا انه يجب التمييز بين العلويين (الذين هم احفاد علي بن ابي طالب والذين عارضوا الحكمين الاموي والعباسي لانهم لم يتخذوا الشورى مبدأ للحكم  واذا كان الموضوع يتعلق بالنسب فهم احق منهم) والشيعة الذين ايدوا اغلب الثورات العلوية ثم انقلبوا عليها في كل مرة فالدول التي حكمها علويون كالتي ذكرناها كانت سنية كالادارسة او على المذهب الزيدي في اقصى حال كالتي قامت في اليمن وطبرستان اما الدول التي قامت بالمعنى الشيعي الديني وان ادعى حكامها النسب العلوي لم يثبت ذلك في الحقيقة! 

ثم بدأ الصراع داخل الحكم المركزي العباسي بين العرب السنة والفرس ذوي الميول الشيعية الذين حاولوا السيطرة على الحكم كالبرامكة وفتنة (الأمين ابن الحرة العربية والمأمون ابن الجارية الفارسية) وفتنة المعتزلة في عهد المأمون والخلاف حول خلق القرآن، حيث ظهرت بعض مظاهر التشيع في عهد المأمون ليعود وينقلب على خطه التقاربي مع الشيعة بعد شعوره بتهديدهم لحكمه، ثم حل الترك بعد سيطرتهم على الدولة في حماية مذهبا االسني قبل أن يأتي البويهيون الفرس ويسيطروا عليها ويعود التشيع ليقوى من جديد، في هذه الأثناء قامت ثورة الزنج في سواد العراق والقرامطة الإسماعيلية في الجزيرة العربية وقتلهم الحجاج في الكعبة وسرقة الحجر الأسود، قبل أن يعيده الفاطميون الإسماعيليون أيضًا! الذين نافسوا العباسيين على لقب الخلافة وبأنهم أكثر قربًا للرسول من العباسيين لكن دعواهم لم يدعمها أغلب المؤرخين بل على العكس ففي إحدى الروايات عندما جاء أعيان مصر إلى الخليفة المعز الفاطمي بعد سيطرته عليها يسألون إثبات نسبه فشل في ذلك فأخرج سيفه وقال هذا حسبي ورمى دينارًا وقال هذا نسبي.

يعتبر ما حصل بين الفاطميين والقرامطة نوعًا من التنافس بين فرق الإسماعيلية نفسها التي انقسمت إلى سبعية كالقرامطة والنزارية كالفاطميين وهناك البهرات في الهند. 

في تلك المرحلة كان التوسع الشيعي في أقصى اتساعه حيث سيطر البويهيون على بغداد وسيطر الفاطميون على الأراضي المقدسة والقرامطة على جزيرة العرب، لكن مجيء السلاجقة الأتراك من الثغور شرقي الأناضول أنقذ سنية الدولة ثم قام صلاح الدين بانقلاب داخل مصر الفاطمية لتعود سنية على المذهب الشافعي.

خلال الاجتياح المغولي حمل البعض الوزير الشيعي للخليفة العباسي ما حصل لبغداد وتقتيل أهلها بعد خيانته وتشجيعه للمغول لدخولها والعالم الشيعي أيضًا نصير الدين الطوسي الذي قدم خدماته لهولاكو، وعند قضاء المماليك في مصر  على المغول والصليبيين بدؤوا حملة تطهير كما يسميها البعض ضد الدروز في الجليل والشيعة في جبل عامل وجبال الساحل السوري. 

ثم جاءت الدولة العثمانية وخصمها اللدود الصفوية في فارس ليعود التنافس السني الشيعي من جديد. 

في العصر الحديث كان لنجاح ثورة الخميني في إيران دور في تأجيج الصراع حيث خاض العراق مدعومًا من أغلب الدول العربية حرب السنوات الثماني ضد إيران التي رفعت شعار تصدير الثورة فسمي حينها العراق بحارس البوابة الشرقية، وفي السنوات الأخيرة ازداد نفوذ إيران بعد سقوط خصمها العراقي وحذر البعض من الهلال الشيعي حسب رأيهم وفي أحداث ما يسمى بالربيع العربي كانت حلبات صراع بين إيران والسعودية التي شعرت بالخطر من ازدياد نفوذ إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتعتبر سوريا الحلبة الرئيسية حيث تدعم إيران النظام الحاكم فيما تؤيد السعودية بشكل أو بآخر المعارضة ولا يبدو أن هناك حلًا في الأفق لهذا الصراع الذي أصبح ضمن صراع عالمي أكبر بين ورثة المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي. 

يشبه البعض أهل السنة بين المسلمين بالبحر حيث يشكلون ما بين 80% إلى 85% من مجموع المسلمين فيما يشبهون باقي الفرق بالجزر الصغيرة وعلى رأسهم الشيعة الإمامية حيث يشكلون ما بين 7% إلى 10% من مجموع المسلمين، أما باقي الفرق الشيعية فحوالي 5% فيما هناك فرق لا تحسب على أي من الطرفين والتي تعتبر من بقايا الخوارج كالإباضية أو التي لا يعتبرها البعض من المسلمين كالبهائية والقاديانية بين الـ2% والـ3%. 

تبقى مقولة إن الإسلام لا يقوم إلا بجناحيه السني والشيعي التي كانت سائدة في العراق خاصة خلال الحكم الهاشمي مجرد سراب صعب التحقق في ظل هذا الاستقطاب القائم في المنطقة. 

من هنا منى كيف تداخل القومي مع العقائدي في هذا الصراع الذي دعمت فيه الشعوبية قديمًا التشيع لأنه من مصلحتها، ولو رجعنا للتاريخ لرأينا أن عدد قتلى المسلمين خلال الفتن والحروب الداخلية يفوق عددهم خلال حروبهم مع الخارج والفتوحات، فهل يا ترى سنظل ندفع هذه الأثمان إلى يوم الدين؟ 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد