581

اقتربت ولم تقترب، وابتعدت ولم تبتعد.   عبد الوهاب مطاوع

أحيانًا، أفضل ما يمكن أن نقدمه لمن حولنا أن نستمع إليهم، حتى ولو كان كلامهم صامت، فلننصت إلى قلوبهم، في النهاية نحن قد نعجب بعقلية أشخاص، لكن لطفهم هو ما يمس قلوبنا وقد يحدث أن تجتمع الصفتان في شخص.

تتهاوى أمامي الأحرف وتنسل مني الكلمات حينما أرغب في الحديث عنه، إنه ليس مجرد كاتب أو صحفي، إنه ذلك الرجل الذي نفذت كلماته إلى القلوب وكان صديقًا روحيًّا للجميع، لقد أمضى حياته يصغي إلى المهمومين، وترك بصمته عند الكثيرين وألهمني كما يلهم النور الخافت الظلام البهيم، عن عبدالوهاب مطاوع أتحدث.

إنه ذلك الصحفي الذي تسلم باب بريد الجمعة لاثنين وعشرين عامًا، حاز الباب على شهرة واسعة في حل المشكلات الإنسانية التي كانت تجذب القراء في عدد الجمعة، ونُشرت فيه بعض أغرب القصص والمشاكل الشخصية والأسرية التي استفاد الناس من ردود عبد الوهاب مطاوع عليها، والتي كان يطعمها بأقوال الحكماء والأنبياء وكبار الكتاب والفلاسفة، وكان لا يقسو على صاحب المشكلة في الرد مهما كان حجم ما اقترفه من ذنب، بل كان يسعى دائمًا لمساعدة صاحب المشكلة، وكان يستقبلهم أحيانًا في مكتبه، أو يوجههم لمن باستطاعته مساعدتهم على حل مشكلاتهم.

لقد حكى يومًا أن قسًا ظل خمسة عشر عامًا يتلقى الاعترافات تعلم أن الناس أتعس كثيرًا مما نظن، وكما يقول أندريه مالرو في كتابه (لا مذكرات): الإنسان مخلوق هش لا حد لكبريائه إذا استكبر ولا لضعفه إذا انكسر.

وإن ما يستهويك حقًا، هو أسلوبه الأدبي، إذ أن كتاباته وردوده تصنف على أنها لون من ألوان أدب الرسائل، وهو أحد ألوان الأدب العربي التي كادت تندثر.

فاذا أمعنت في جميع ردوده ومقالاته ستجد أن أساسها لطالما كان قائمًا على التحليل العميق وسبر أغوار السرائر، وإليك بمثال:

في بداياته عمل ناقدًا رياضيًا في الأهرام؛ ففي الستينيات كتب سلسلة من التحقيقات الرياضية بعنوان «شخصية الملاعب»، وكان يوقعها بتوقيع «رياضي»، ولم يوقعها باسمه الصريح إلا متأخرًا، ونالت سلسلة التحقيقات تلك اهتمام القراء؛ فما السبب برأيك؟

قد يكون السبب في ذلك وعلى حد تعبير مطاوع نفسه في مقال بعنوان مظبوط كتير! «فإنني لا أجد سببًا لذلك سوى أني قد استخدمت فيها منهجًا كان جديدًا وقتها، هو محاولة التعمق في فهم شخصية اللاعب الذي أكتب عنه ودراسة ظروف حياته ونشأته لفترة طويلة قد تستغرق شهرًا كاملاً، ثم محاولة تحليل شحصيته بعد ذلك باستخدام منهج التحليل النفسي الذي أولعت به منذ شبابي ؛ بسبب قراءتي المبكرة لكتب عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد..»،هو ذاك النهج الذي سار عليه في جميع كتاباته.

الحقيقة،أنه مثلما أخضع الآخرين لتحليله النفسي العميق، فإنه فعل ذلك مع نفسه أيضا حيث يضيف قائلًا:

دخلت غرفة العمليات مرات عديدة، وفي كل مرة كنت وحدي تمامًا بلا أهل يقفون بالباب ويترقبون كلمة تطمئنهم على مصيري، وهذا لا يرجع ـ كما يقول في كتاب ترانيم الحب والعذاب- إلى قلة الأهل والأصدقاء، ولا إلى شجاعتي كما قالت الطبيبة الأمريكية بعد أن سألتني قبل بدء الجراحة عمن ينتظرني بالخارج؟

لا تفسير لدي سوى أنني أحب الانزواء بهمومي وحدي دون الآخرين، وهو يرجع إلى الطبع الذي يجعلني استكثر على نفسي أي عطاء يقدمه لي الآخرون.

كان خجولًا جدًا،خفيض الصوت رومانسيًا، هكذا يرسم له صورته أنيس منصور وإن كانت ملامحه هندسية حادة، ولكن عندما تراه يتحدث بسهولة شديدة في قضايا صعبة جدًا تندهش كيف استطاع السباحة في هذه الحياة العميقة المخيفة، لكنه استطاع.

لطالما أعجبت بحسه الصوفي المنفتح على كل الثقافات، فلا يجد حرجًا في أن يحكي لصاحب الشكوى عن الحكمة البوذية التي تقول: إن لكل إنسان منا شمسين، واحدة في السماء، وواحدة في داخله، وحين تغيب شمس السماء ويظلم الكون، فلا يضيء للإنسان حياته إلا شمسه الداخلية، ولهذا السبب فلا بد للإنسان أن يحتفظ بها متوهجة دائمًا بالأمل والرضا، والود الصادق وتذوق الجمال في كل شيء.

كم تمنيت لو كنت مثله يومًا وكم حلمت أن ألقاه، لكن عزائي الوحيد أنني قد التقيت بروحه بين ثنايا كتبه، وإنه وإن وارى الثرى جسده، فلن يواري ذكراه نفسي، وكما قال: إنّي هنا وأنا هناك طفلٌ تجسّدَ في ملاك، يتحسّسونَ ملامحي، يستنسخون جوارحي، حتى غدوت في كل بيت، قنديل زيت، من قال أني قد مضيت؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك