يعاني الكثير من الناس في حيواتهم معظم الوقت دون الوقوف على أسباب تلك المعاناة، فيشعرون بالأسى على أصدقائهم الذين لا يعرفون عنهم سوى أتعس الأخبار ولا يرونهم إلا في أشد الأوقات، بل يمكن أن يتقلص تحصيلهم المعرفي أو يقل كسبهم المادي ليصل إلى أديق الحدود، ظنًا منهم أن ما يحدث ليس خطأً من أصدقائهم أو تقصيرًا من أنفسهم، في حين أن السبب الرئيس يكمن في شخصياتهم التي يتناسوا أن يروضوها أحيانًا أو يتمادون في التقصير عن قصد أحيانًا أخرى..

فهل لديك صديقًا يعاني دائمًا؟ أو تعرف شخصًا لا يلتأم جرحه إطلاقًا؟ فلا يسرد سوى المشاكل ولا يذكر سوى الأعباء؟ أو آخرًا يحب المستشفيات والأطباء أكثر من الخروج والمرح؟

لو أنك تعرف أحدهم فربما يكون محبًا للعب دور الضحية كثيرًا لعدة أسباب، أهمها: طلب الإهتمام من الآخرين.

حب الخضوع لإستراتيجيات الآخرين وألاعيبهم، فيجاري ما يحدث لأنه لا يقوى على امتلاك مهاراته الشخصية.

إيجاد حجة ولو ضعيفة على التأخير والتأجيل والتسويف.

وعادة ما يُلجأ الشخص الذي يلعب دور الضحية تعسفه إلى تقصير شخص آخر.كما أن لعب دور الضحية لهو أسمى صفات الشخصية المحتاجة (فتجد على سبيل المثال من يطلب مالًا يلعب دور الضحية ليكسب تعاطف الآخرين ويقضى حاجته حتى وإلم يكن كذلك).

بلعب دور الضحية يهرب الكثير من الأشخاص من المسؤولية التي قد تقع عليهم من الآخرين نتيجة لأفعالهم الغير سوية وما يتبع ذلك من اتهامات.. فتصبح هذه الطريقة في التعامل مع الظروف المحيطة كالسكين الذي يقطع في التجاهين.. تحصل بعض المكاسب وتحمي من تبعات الأفعال. أو تشجع على التفاعس والتكاسل وتوجد مبررات لذلك.

كما تعرف هذه الحالة نفسيًا بمتلازمة منخهاوزن. وهي عبارة عن خلل نفسي يختلق المصاب به أمراضاَ ووعكات صحية وإصابات وكدمات بغرض الذهاب إلى المستشفى وكسب تعاطف الآخرين. ومن الممكن جدًا أن يحدث الشخص المصاب الكثير من الإصابات في نفسه أحيانًا فيخلقها اختلاقًا وهو مايعرف بعرض إدمان المستشفيات.

وفي هذه الحالات لا يجب التعامل مع الجروح والكدمات بقدر ما يجب التعامل مع حالة المريض النفسية ومعالجة اضطراباته الشخصية قدر الإمكان إن تكرر الأمر في مدة زمنية قصيرة.

لكن الغريب في الأمر أن الكثير من شباب هذه الأيام لا يكاد يتلفظ بجملتين إلا وتستشعر فيهما الكثير من الحياة في إطار الضحية، فيلوم الوضع الإقتصادي للدولة والعالم لأنه لا يملك المال، ويرجع سلبية حياته وتفريطه في الأسس والمبادئ لتهالك الوضع الإجتماعي في بلده، ينتهك الحرمات لأنه لا يقوى على الزواج، ويستحل حرمات الغير بدافع الحاجة، فيلعب دور الضحية الاجتماعية والاقتصادية والزوجية والعائلية وغيرها، فتصاحبة هذه المتلازمة طوال حياته في كل عمل يقوم به.

متناسيا أنه لا أعذار أمام الله يوم القيامة حينما نسأل عن التقصير، فالبلد والمجتمع والوضع الإقتصادي لن يأتوا شفعاء بأي حال من الأحوال؛ لأن الله تعالى قد قال: «أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا» النساء 97

إذًا لم يقبل القرآن عذر الأذلاء الذين يعتذرون بالعجز عن العمل، أو بتغلُّب الأقوياء عليهم، وصدِّهم إياهم عن الخير، بل دعاهم إلى الهجرة حيث يستطيع الإنسان العمل، وإلم تكن هجرة من دولة إلى أخرى، فمن مدينة لأخرى أو من حي لآخر.

كما أحس النبي محمد صلّ الله عليه وسلم المؤمنون على السعي والكد والعمل حتى في أصعب الأوقات. كما جاء في الحديث الصحيح الذي راوه أحمد وغيره بإسناد صحيح «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها».

فالمراد منه التَّشجيع على العمل والسعي في أصعب الأوقات، وإلا فمعلومٌ عند قيام الساعة ما يتمكَّن أن يُسوي شيئًا، لكن المقصود التشجيع على العمل، وأن الإنسان ينبغي أن يعمل، وفيه حثٌّ على الزراعة والغراس، وأنه ينبغي للمؤمن أن يكون ذا عملٍ، ليس ذا بطالةٍ وكسلٍ كما يفعل بعضُ الناس.

كما أن الأفضل للإنسان أن يعش بدور الناجي كلما مرت عليه محنه أو تجاوز عقبة ولا يصح له أن يعش دور الضحية حتى وإن كان، ليزداد عزًا بالله ويتغلب على كل معضلة نفسية وتترجم أفكاره لأسلوب حياة ينجيه من كل سوء ويجبر له كل كسر وينجي نفسه من مثل ذلك من أفكار.. والله المستعان

دمتم في نعيم الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد