بلينا بقوم يظنون أن الله لم يهد سواهم – ابن سينا

حقيقةً، فكرت في كتابة هذا المقال بعد أن كثر الحديث واللغط حول الفرقة الناجية بين أوساط السلفيين، وخاصّة أولئك الملتزمون الجُدد، وخاصّة خاصّة بعد أن وقف أمامي جاري العزيز الملتحي يسأل لي الهداية (نسأل الله الهداية)، لأني في نظره لا أتّبع المنهج السلفي لأني لا أرتدي القميص ولا أعفي اللحية وغير ذلك من التفاصيل.. ويحذّرني من الجماعات الإسلامية الأخرى، فيرميها تارة بأنّها كافرة وتارة بأنها من الخوارج، ففي نظره “السَّلفية” هي الفئة الوحيدة التي تمثّل أهل السنة والجماعة.

فجاري وأمثاله يستشهدون بالحديث الصحيح أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي. وفي بعض الروايات: هي الجماعة. رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم.

والعجيب في الأمر هو نسب الفِرقة الناجية لأنفسهم، ولكن هل هذا صحيح؟

أولا سأعرض الـ72 الفرقة الضالة كما أوردها العلامة “ابن الجوزي” في كتابه (تلبيس إبليس) ص 31-35 ولكن باختصار:

“قال بعض أهل العلم: أصل الفرق الضالة هذه الفرق الست: الحرورية، القدرية، الجهمية، المرجئة، الرافضة، الجبرية. وانقسمت الحرورية، اثنتي عشرة فرقة: الأزرقية، الأباضية، الثعلبية، الحازمية، الخلفية، المكرمية، الكنزية، الشمراخية، الأخنسية، المحكمية، المعتزلة من الحرورية، الميمونة. وانقسمت القدرية اثنتي عشرة فرقة: الأحمرية، الثنوية، المعتزلة، الكيسانية، الشيطانية، الشريكية، الوهمية، الراوندية، البترية، الناكثية، القاسطية، النظامية. وانقسمت الجهمية اثنتي عشرة فرقة: المعطلة، المريسية، الملتزمة، الواردية، الزنادقة، الحرقية، المخلوقية، الفانية، المغيرية، الواقفية، القبرية، اللفظية. وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة: التاركية، السائبية، الراجية، الشاكية، البهيسية، المنقوصية، المتثنية، المشبهة، الحشوية، الظاهرية، البدعية. وانقسمت الرافضة: اثنتي عشرة فرقة: العلوية، الأمرية، الشيعة، الإسحاقية، الناووسية، الإمامية، اليزيدية، العباسية، المتناسخة، الرجعية، اللاعنية، المتربصة. وانقسمت الجبرية اثنتي عشرة فرقة: المضطربة، الأفعالية، المفروغية، النجارية، المتانية، الكسبية، السابقية، الحبية، الخوفية، الفكرية، المعية، الحسية.”

ولمن أراد التفصيل أكثر حول هذه الفرق سيجده في الكتاب السالف الذّكر.

إذا، حسب اجتهاد ابن الجوزي، هذه هي الفرق الضالة والمنحرفة من أمّة محمد صلى الله عليه وسلم (نحن لا نجزم بهذا الرأي بشكلٍ قاطع فالله وحده يعلم، ولكنه صحيح إلى حدٍّ بعيد)، وعليه فإنه لا يمكن أبدا أن نُجمع على فرقة غير هذه الفرق من الأمة الإسلامية بالضّلال، أو رميها بالكفر إجمالاً، وسأضرب بعض الأمثلة لذلك:

مثال1: ما حدث في التسعينات أو كما يُطلق عليها (العشرية السوداء) في الجزائر، حيث أوقف الجيش مسار الانتخابات بعد اكتساح جبهة الإنقاذ (الفيس) للأحزاب الأخرى، والفوز بأغلبية ساحقة، ومن ثم سجن قيادييها، ووقوع بعض المناوشات أدى إلى صعود عشرات الآلاف من أبناء الشعب إلى الجبال، ورفع راية الجهاد ضد نظام الدولة، وأغلبهم من التيار السلفي، بعد رفض الإخوان الانزواء تحت مظلة الفيس قبيل الانتخابات، بالإضافة إلى بعض الفرق الأخرى، كالصوفية، والمدخلية، وبعض المتشددين.

فلم يمر وقت طويل على إعلان الجهاد، حتى اختلط الحابل بالنابل، واختراق صفوف جيش الإنقاذ من قبل الاستخبارات الجزائرية، وتمرد البعض عن الجماعة، وكثرة البيانات الصادرة من القيادة، التي تحمل تصعيد المواجهة مع الشرائح المدنية والاجتماعية ذات العلاقة مع هيكل الدولة أو السلطة، حتى وصل التجرؤ إلى التطرف والتكفير وإصدار الفتاوى باستحلال قتل النساء والأطفال من أسر العاملين في أجهزة الدولة !.

فلو قلنا بأنّ السلفية هي من تمثل السنة والجماعة فقط وهي الفرقة الناجية، فكيف نصنِّف تلك الأفعال، والأخطاء الكارثية، والاجتهادات الفردية، وقتل الأبرياء…وغير ذلك، ولكي نجد الحل نقول، بأنّ كل فرد يحاسب على نيته وأخطائه، ولا يمكن أن نقول بأنّ كل من قُتِل هناك فهو شهيد، والأمر متروك لله.

مثال2: روى البخاري ومسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: “بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا الْقَوْمَ، فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! فَكَفَّ الْأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم [وفي رواية مسلم: فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم] فَقَالَ: ((يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!)) قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا [يعني إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاَحِ.. أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟! أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا ؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ”.

وفي هذا الحديث عتاب النبي صلى الله عليه وسلم، لأسامة بن زيد رضي الله عنه، حينما قتل رجلا بعد أن قال لا إله إلا الله حتى وإن كان قالها خوفا، فالأمر متروك لله ولا يحق لنا التنقيب عن النيات، فكما لا يجوز قتل من قال لا إله إلا الله، لا يجوز تكفيره، إلا في حالات معيّنة كالردة وما إلى ذلك.

مثال 3: إنه موقف حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، الذي أرسل رسالة إلى مشركي مكة يُخبرهم فيها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جهَّز جيشًا لفتحها، مخالفًا بذلك أوامر القائد الأعلى للمسلمين رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ومُعرِّضًا جيش المسلمين لخطر عظيم!

ومع كل هذا إلاَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمهُ رحمةً واسعة، وقَبِلَ منه عذره في صفح عجيب، وعفو نادر، وقدَّر موقفه، وعذره، ولم يُوَجِّه له كلمة لوم أو عتاب، بل إنه رفع من قدره، وعظَّم مكانته، وقال لعمر وعمر يعلم ذلك: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ‏ بَدْرًا؛ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ‏فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شئتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ! «

فهذا صحابي جليل شهد بدرا، قام بخطأ فادح، يعتبر خيانة عسكرية للدولة الإسلامية، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم عفا، رغم أن بعص الصحابة الآخرون اقترحوا قتله. فكيف لبشر آخر أن يتهم بالكفر والضلال لمجرد ارتكابه بعض الأخطاء في الماضي البعيد، فهذا الشهيد سيد قطب يُتّهم بالزندقة، رغم أن ما كتبه بعد توجهه إعجاز، تدبري عجيب للقرآن، ومن يقرأ مقدمة الظلال يرى الروعة والفهم العميق لحقيقة الوجود، والاتصال الروحي العجيب من ذلك الكائن البشري الضعيف مع العالَم الآخر.

مثال4: موقعة صفين هي المعركة التي وقعت بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان في شهر صفر سنة 37 هـ. فقد انقسم الصحابة إلى قسمين، قسم مع علي وقسم مع معاوية وهي فتنة شديدة، ولا يمكن القول هنا أن هناك فئة خرجت من أهل الجماعة والسنة ولكنها فتنة نترك أمرها لله. وكذلك معركة الجمل بين جيش أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب والجيش الذي يقوده الصحابيان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام بالإضافة إلى أم المؤمنين عائشة، وهي الأخرى فتنة لا يمكن أن نتّهم فئة دون الأخرى، ولكن نترك أمرها لله أيضاً. وهي التي قال فيها الإمام علي مقولته الخالدة: (الحق لايعرف بالرجال.. وإنما يعرف الرجال بالحق.. فاعرف الحق تعرف أهله).

فهنا، اختلف الصحاب رضي الله عنهم، فكيف لا يختلف غيرهم !

مثال 5: الاختلاف في أمة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة، فالعالِم المجتهد، إن أخطأ له أجر، وإن أصاب له أجران، فالعقول تختلف من شخصٍ لآخر، وكل عالم يجتهد بحسب ما وصل إليه، وحسب ما اقتنع به، فقد اختلف الأئمة الأربعة (مالك، أبو حنيفة، الشافعي، ابن حنبل)، ولكن هذا لم يمنع من احترام بعضهم البعض، ولم يؤدي إلى تكفير بعضهم البعض، فكيف بمن يكفر طارق السويدان، حسن البنا، محمد الغزالي، ويعتبرهم من الخوارج !

والأمثلة كثيرة يطول الموضوع في ذكرها.

إذاً، من خلال الأمثلة السابقة، يُمكن أن يكون الحق مع أفرادٍ من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يكون الحق مع جماعةٍ من الأفراد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنّها ليست مختصّة بالذكر، ويمكن أخذ ظاهر الحديث الذي ذكرناه في أول المقال، أي أنَّ الجماعة تشمُل كلُّ من اتّبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبع الحق، حتى لو لم يكن ضمن جماعةٍ أصلا مثل سيدنا “أويس القرني”، الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم وبشَّر به، على الرغم من أنه لم يره! لأن بره بأمه ورعايته لها أعاقته عن السفر لرؤية النبي، بل وطلب النبي من الصحابة الكرام إن قابلوه أن يسألوه الدعاء والاستغفار لهم.

 وقد ورد في كتب السيرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمرَ بن الخطاب وعليِّ بن أبي طالب: إذا لقيتما أويساً القرني فاسألاه أن يستغفر لكما فإنه مجاب الدعوة.

فهذا دليلٌ واضح أنّ الناجي يمكن أن يكون في جماعة، ويمكن أن يكون فردا، إذا فالفرقة الناجية تشمل كل من اتبع الحق (وأعيدها الحق)، ولو كان فردا يعيشُ في الجبال، وكل من كان قدوته محمد صلى الله عليه وسلم فعلاً وقولاً وأخلاقاً.

وهي ليست مفردة خاصة بجماعةٍ دون أخرى، فلا يمكن أن يكون التيار السلفي كلّه على حق، ولا يمكن أن يكون الصوفية كلهم على ضلال ولا نستطيع رميهم بالكُفر، فقد كان صوفية الماضي زُهادًا عُبّادًا، مجاهدين، ولكن لُبِّس على المتأخرين فأدخلوا بعض الخرافات، والتطبيل والتصفيق..، ولا يمكن اتهام كل من في جماعة الدعوة والتبليغ، بالكفر، فعسى الله أن يرحم امرئ كان سبباً في دخول العشرات إلى الإسلام، ولا يرحم من لم تسلم أمته من لسانه..، ولا يمكن اتهام الجماعة الوحيدة التي توجِّه الصواريخ ناحية الصهاينة، والجماعة الوحيدة التي تقف بالمرصاد لمخططات تدمير الأمة الإسلامية وإعادة الخلافة.. نعم لا يمكن رمي الإخوان وحماس بالضلال أو الكفر أو غير ذلك.

كي لا نقول له كما قال نبينا محمد صلى اله عليه وسلم: (إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!