هم أشخاص دائمًا ما يتغنون بأنهم الفرقة الناجية من بين جميع الفرق الإسلامية، وأن من لا يركب سفينتهم يغرق في بحر الظلمات، وقد كان ضحية خطابهم الشباب، حيث ادعوا أنهم يحافظون على الشباب، وصدروا لهم الخطاب الوعظي والحماسي المفتقر للحكمة، فكان الشباب كوقود أهدر في صحراء خالية، ولم ينتفع به.

قد يخيل إليكم أني أتحدث عن الجماعات المتطرفة، مثل داعش وأخواتها، وللأسف هم لا يختلفون عن هذه الجماعات، إنما الفارق بينهم ربما أن الجماعات المتطرفة حملت السلاح وقامت بمجازر دموية، ولكن هؤلاء قاموا بمجازر فكرية نمت بعقول الشباب، فطمست أعينهم عن الواقع لينحدروا إلى أودية الظلمات، وأن كانت الجماعات المتطرفة خلقت عداوة مع السلطة، إلا أن هؤلاء كانوا جنبُا إلى جنب مع السلطة في المنشط والمكره كما يقولون لتظهر الهوية الدينية للسلطة.

 

قد يقول البعض لماذا ربطت دمار أمة بفرقة من فرقها وجوابي هو أن هؤلاء اليوم هم من تصدروا الخطاب الديني عبر منابرهم وأعلامهم، وكل ذلك يعود لوجود دعم غير محدود لهم على كافة الأصعدة، ولولا هذا الدعم لما وجدت أصلًا، ولولا الأموال التي يملكونها لما خرج الفكر الذين يدعون له خارج بلدتهم كما قال لي أحدهم أيضًا لو كان الإسلام الذي أتى به الرسول، كما يدعون هم، لما انتشر خارج الجزيرة العربية.

وأيضًا انتشار هذا الفكر اليوم يصب في مصالح الجميع، إلا الأمة الإسلامية، فلو بحثت، و بحثت، لما وجدت فائدة قدموها تذكر أمام المساوئ التي قدموها، وأن أول مساوئهم هو جلب استعداء العالم لنا بوصفنا إرهابيين، وأن أكبر إنجاز قاموا به هو المساعدة على إتاحة الطريق للقطب الواحد ليحكم العالم، وليساعد بتفكيك الاتحاد السوفيتي، حيث لم تستفد منطقتنا من هذا الإنجاز، إنما التي استفادت هي القوى التي يدعون معاداتها، وفي الواقع كانوا سندًا لها، وقد أضر منطقتنا وجود قطب واحد، حيث إنه بوجود قطب واحد ينعدم الأمان في العديد من الدول التي تخالف سياسة هذا القطب، وهذا بالفعل ما قد حدث في العراق والمنطقة بأكملها لتأتي بعدها سلسلة الدمار التي بدأت منذ انهيار القطب الروسي، وكل ذلك بسواعد المجاهدين الذين تلقوا الدعم الأمريكي، ثم تنقلب عليهم من غير سابق إنذار.

و أما إن تحدثنا عن الكهنوت في هذا الفكر، فإن خير من وصفه هو أحد أبرز دعاته، عندما قال، ولا تخطو بقدمك خطوة، إلا إذا سألت أهل العلم: أيحل لي أن أخطو أم لا، ثم إياك أيها القارئ أن تسيء لأحد رموز هذا التيار؛ فإنهم يقدسون رموز هذا التيار بشكل لا يطاق، وقد يكون هذا التعصب في كل التيارات لقادتها ورموزها، ولكن الأمر المختلف هنا أن هؤلاء ينكرون على من يغلو في شخص ما، ولكنهم في حقيقة الأمر أكثر من يغلون في رموزهم، وإن ناقشت أحدهم في غلوه بشخص معين؛ يبدأ بسرد الكلام ليخبرك أن لحوم العلماء مسمومة، وما شابه هذا الكلام، فيكون قد أعطى لغلوه شرعية دينية أرضى بها نفسه.

أنا هنا لا أتحدث كرجل دين، ولكن ما يظهر لأي شخص أن هؤلاء الأشخاص لديهم فهم سطحي للنصوص، ودائمًا ما يشغلون الناس بسفاسف الأمور متناسين الأمور العظام التي تحدث في المنطقة، وأن ما أدهشني حقيقة عندما سمعت أحدهم يدخل قضية فقهية المسح على الخفين لأجل الوضوء في الأمور العقدية، وعندما سألت لماذا أدخلتم هذا الأمر في العقيدة كان الجواب لتميزهم عن الطوائف والفرق الأخرى، فأي فكر هذا، وهم يجرمون من يختلف معهم اختلافًا فقهيًا ليصنفوه مع أصحاب العقيدة الضالة.

من يعرف هؤلاء جيدًا يرى أنهم يحرمون أمورًا لا يحرمها الإسلام أبدًا، ولكن ما يحرمها هي تلك الأعراف التي ربوا عليها، فأصبحت شرعًا لهم، وخلطوا بين الأعراف والشريعة الإسلامية، وإذا تتبعت أخبار من حولك ترى أن الدول التي انتشر بها هذا الفكر أصبح شبابها أكثر عرضة للإلحاد والانحلال مجرد خروجهم للدول الأخرى لتكون هنا ما يسمى الصدمة الحضارية، والبعض منهم قد ينجوا ليقوم بتصحيح منهجه الذي ولد عليه، وما هذا إلا ردة فعل عكسية على التشدد الذي قد مورس ضده، فما بعد التشدد إلا الانحلال، وحقيقة الأمر أن ردة الفعل دائمًا مخيفة لخلوها من التعقل وارتباطها الوثيق بالعاطفة.

دائمًا ما يتغنى أتباع هذا المنهج بأنهم الطائفة المنصورة والناجية مستشهدين بحديث نبوي، بالرغم أن ابن حزم ضعف هذه الزيادة: كلها في النار إلا واحدة. وهذه الزيادة التي يتلفظون بها دومًا، وقد قال ابن الوزير اليمني عن هذه الزيادة إياك أن تغتر بهذه الزيادة كلها في النار، إلا واحدة، فإنها زيادة فاسدة، ولا يستبعد أن تكون من دس الملاحدة.

انتهى وقولي هنا أن كل من اتبع ديانة قد اتبعها لوجود أسلافه عليها فالنصراني أو غيره قد وجد والداه على هذه الملة واتبعها، وأنت هل تدعوني للقبول بكل ما تمليه علي فقط؛ لأنك وجدت نفسك بهذه الفرقة، وولدت مخالفًا لي أصبحت تصفني بأقبح الأوصاف كوصفك لي بالضال والمضل وما شابه.

وهذا التيار دائمًا ما يسعى لتشويه صورة التيارات الأخرى المعادية أو الفرق والطوائف، ولا يستطيع الوصول معهم إلى نقطة اتفاق، حيث إنه بهذه العقلية عقلية الطائفة الناجية يريد من الجميع ركوب سفينته التي لا تغرق، واليوم نرى هذه السفينة على مقربة من الغرق، حيث انتهى دورها التخريبي، بعد أن بثت سمومها في عقول الشباب، وقامت بالذي يطلب منها، وأيضًا اللافت للنظر في هذا التيار أنها تنتقد الفرق الإسلامية أكثر من نقدها للأديان الأخرى بحجة ترتيب البيت الداخلي وتنقية الصفوف.

وأن آخر ما أود أن أنهي كلامي به هو أن هذا التيار ليس كل أتباعه على هذا الشكل، فداخل هذا التيار توجد انقسامات، و أن القصد من هذا المقال ليس نقد الأشخاص، إنما نقد فكرهم، وأن هذا التيار ضرره أكثر من نفعه، فالفائدة التي قدمها لأعدائه من خلال ذراعه الجهادي، إن صح التعبير، أكثر من الدمار الذي ألحقه بالأمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد