كلما أمعنت النظر في البدائل المطروحة أمام الشعوب العربية والاسلامية؛ أجد أن المحتل يضعهم دائمًا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما طريق ندامة، وإما طريق اللاعودة، يحجم إعلامه العقول بحيث لا يستطيع أن يفكر الناس خارج صندوقه، فلا يشقون طريقًا للسلامة علهم يستطيعون فرارًا. لا أستطيع أن ألقي عليهم جام سخطي، فالأحداث تكون متسارعة بحيث لا يتسنى لهم التفكير، كما أن خيانات تسري وتتلون وتتدثر بوشاح العدل والقيم والمثل كفيلة بأن تسحر الألباب، فتجد العاقلون ينادون، والعامة وبعض النخب يتشبثون بجبل وهم عله ينقذهم.

أقرأ كثيرا من التحليلات لوقائع تاريخية قديمة وحديثة. يخلص فيها بعض الخبراء لضعف متخذي القرار، وينتهي البعض الآخر لسوء تقديرهم وخفة عقولهم. غير أني وجدت في مواضع كثيرة أن المحتل الغربي أو الشرقي الذي صنع العقل العربي الإسلامي المعاصر على عينه، دائمًا ما يضع أمامه خيارين أحلاهما مر، فيهرب العربي من حفرة ليسقط في بئر، وفي النهاية يكتشف أن الحفرة والبئر ينتهيان إلى نفس بركة الوحل. وإن أنت أمعنت النظر ستجد أن أحد الخيارين غير موجود في الحقيقة وإنما هو سراب، فقط ليوهمه أن لديه القدرة على الاختيار.

سأضرب لكم بعض الأمثلة:

في مصر: خُير المصريون بين ثورة مجهولة العواقب واستمرار حكم ظالم مستبد ينهب خيرات البلاد، وعلقت لهم جزرة الحرية في عصا، فقفزوا للمجهول واختاروا الحرية، وساروا خلفها إلى أن سحبت الجزرة وركلوا بالأقدام وضربوا بالعصا. وما زالوا يعيشون وهم الاختيار، ولا يريدون الاعتراف أنهم قد استدرجوا من حيث لا يريدون أن يعلموا.

خُير المصريون في استفتاء مارس بين نعم لتعديل الدستور القديم ولا للتعديل، حيث لا فرق في الحقيقة بين نعم ولا، ففي الحالتين كان العسكري سيفرض شروطه، أصحاب «نعم» تمسكوا بها خوفا من سيطرة الليبراليين على لجنة الدستور في غياب ممثلين حقيقيين عن الشعب، وأصحاب «لا» تمسكوا بها علمًا منهم بأن التمثيل الشعبي سيفرض وجود الاسلاميين بنسبة كبيرة في لجنة الدستور وهذا سيعرقل أحلامهم في التغيير، وقد وضح سوء تقديرهم وأنهم اختاروا المر بعينه عندما تمت كتابة دستور 2013 بعد تعطيل دستور 2012 في وقت مشابه جزئيًا لما حدث بعد ثورة يناير، حيث فرض العسكر أنفسهم وتم تمريره بما يحلو لهم.

خُير المصريون في انتخابات مجلس شعب ولما اختار قيل نحن نملك أوراق حله في الأدراج، فيختار الرئيس مرسي وقتها الموافقة على حله وإعادة الانتخابات لتجنب حروب داخلية ويسعى للانتهاء سريعًا من دستور البلاد بشكل ديمقراطي، فينتهي الأمر بتخيير الرئيس في مساومة حقيرة بين أن يسمع ويطيع وبين أن يهدوا المعبد على رأسه، وقد كان.

خُير المصريون في انتخابات رئاسية بين مرشحين حُكم عليهم بالفشل من خلال برامج تليفزيونية خبيثة الإعداد ومرشحين عسكريي الباطن مدنيي الظاهر، وبين مرشحين ذوي خلفية إسلامية تم تغييبهم واحدًا تلو الآخر، فلم يبق منهم سوى مرسي، الذي خيروه أن يكون إمعة أو أن يذهب مع الريح، فاختار أن يثبت.

وعندما انقلب الجيش خير الشعب بين أن يقبل الخضوع وبين أن يستمر في ثورته فينال مصير سوريا والعراق، فاختار الناس الرضوخ، فنالوا مصيرًا أسوا من سوريا والعراق.

ويظهر في مصر يظهر شيخ أزهرها بمظهر الشجاع المحافظ على السنة النبوية المطهرة، وتصنع منه وسائل الإعلام بطلًا يصمد في وجه الظالم ليعلي كلمة الحق فيصفق الناس، وينسون أو يتناسون أنه وقف على نفس منصة القاتل يؤيده في حين أنه عتب على الناس زج الأزهر في المواقف السياسية! فطابق كلامه كلام بابا الكنيسة، فهل تحول الأزهر لكاتدرائية وتحول هو إلى بابا المسلمين؟ ثم أصدر بيانًا بعد فض رابعة والنهضة يقول فيه أنه ما علم إلا من وسائل الإعلام! وكأنه لم يقرأ التاريخ ولا يعلم كيف يفعل المنقلب بمن انقلب عليه! وكأنه لم يسمع تحذيرات المسئولين قبل الفض بأنهم سيفضونه بالقوة! وفي نهاية بيانه شجب الشيخ واعتزل! لم يرتفع الشيخ ليصل إلى مكانة وكيله الشيخ الشافعي الذي لم يحتمل وأعلن أن ما حدث هو إراقة دم حرام. نُزعت استقلالية الأزهر وتحول منذ تولى عبد الناصر الحكم إلى غطاء ديني يثبت شرعية الرئيس ويسير فتاواه وفق أهوائه، وفي عام 2012 هب الأزهر ليعيد استقلاله خوفًا من تدخل الإخوان ثم ما لبث أن سُحبت منه صلاحياته الجديدة في عهد المنقلب. وها نحن أمام خيار جديد، فإما أن ندعم شيخ الأزهر على اعتبار أنا نعلم أن رأس الحكم يريد زواله ليمرر من القوانين كل ما يغضب الله، أو أن نهاجمه لنصبح سكينًا في يد المجرم نطعن به أنفسنا ونحن لا ندري؟ وها نحن ندعمه ليدعم هو بدوره السفاح وتستمر المهزلة.

وعلى خطا الاختيار في مصر سارت باقي دول الربيع العربي، فتونس اختارت أن تنتخب ديمقراطيًا وأن ينسحب فيها حزب النهضة على أمل ألا يحدث لها ما حدث في مصر، فأفاقت على انقلاب ناعم مكتمل الأركان قد تم بغطاء انتخابي ديمقراطي شفاف، يعيد غمة ثقيلة كانت تعتقد أنها قد تخلصت منها بثورة ياسمينية.

وفي سوريا واليمن اختار الثوار ألا يرجعوا فوقعوا حيث أريد بهم بالضبط، فأصبحوا كعكة يلتف حولها ألف ذئب وذئب، وسبقتهم العراق وأفغانستان اللتان لم يعرض عليهما اختيار فقد اختار المحتل نيابة عنهما.

ظنت بعض دول النفط أنها تسطيع الهرب من مأساة الاختيار بتحطيم خيارات إخوتها في الدين بفضل ما تملك من مليارات، وهي لا تدرك أن ذلك كان في حد ذاته اختيارًا، فقد اختارت أن تتنازل وتدفع لتذب عنها شبح الثورات وضياع العروش، ولكن هيهات؛ فالسعودية اليوم تتمزق بالتصوير البطيء، وها هم يخيرونا الاختيار الأصعب على الإطلاق في تاريخ المسلمين، أن تظل مكة والمدينة أغلى بقاع الأرض لدى المسلمين تحت حكم قتلة مارقين، وبين أن يتم تدويل الحرمين ليصبحوا فاتيكانا للمسلمين!

تظن باقي الدول العربية والإسلامية أنها في حال أفضل لأنها لم تتعرض للاختيار، وقد اختاروا الخوف من المجهول؛ وفي الحقيقة، لا مصلحة الآن لدى المحتل في أن يدفعهم نحو اختياره، فهو يعمل بطريقة سقوط أحجار الدومينو، وعندما يحين الوقت ستسقط كل الأحجار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات