في لقطات مرعبة تم بثها عبر مواقع التواصل الاجتماعي شاهد الجميع هدم المساجد العتيقة بأرجاء مصر، بحجة أنها مباني مخالفة، أو بنيت على أرض مغصوبة، كان يمكن أن يمر الموضوع مرور الكرام؛ لولا أنه في المكان ذاته كان يوجد كنائس في غالب الأمر ليس لها أوراق ثبوتية أو عقود ملكية مسجلة، ولم يجر المساس بها، فأضحي الأمر وكأنه حرب صريحة على الإسلام!

المطالع لتاريخ مصر الحديث يجد أنه في أحلك الأوقات التي مرت على مصر وهي تحت الاحتلال كان أشد جرم ارتكبته القوة التي غزت مصر بحق دور العبادة الإسلامية هي اقتحام الجنود والخيول للمساجد وفقط.

فثورة القاهرة الكبري التي انطلقت إبان دخول الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت مصر في العام 1798م، كان أشد ما يألم المصريين هو اقتحام الأزهر الشريف بالخيول وتدنيسه، بل إن الشيخ سليمان الجوسقي، رحمه الله، وكان أحد مشايخ الأزهر، وكان أعمي، شكَّل كتيبة تجسس من مشايخ الأزهر العميان لضرب الحملة الفرنسية، ولما علم نابليون بذلك أتي به ليحيده عن دوره وإغرائه، حتى إنه عرض عليه أن يكون سلطان مصر، ولكن الشيخ بعد مفاوضات كثيرة مد يده اليمنى كأنه يقبل بما قاله نابليون، وكانت المفاجأة أن رفع يده اليسرى ليصفع الأوروبى العظيم صفعة قوية على وجهه، وسجل الأديب الكبير علي أحمد باكثير هذا الموقف فى مسرحيته «الدودة والثعبان»، وأورد على لسان هذا البطل قوله: «معذرة يا بونابرته هذه ليست يدى.. هذه يد الشعب»، فجن جنون نابليون وأمر بقتل الرجل وإلقاء جثته في النيل.

للمساجد رمزية عظيمة لا يمكن المساس بها؛ فهي تمثل الإرث الإسلامي والنبوي وتعبر عن العقيدة الإسلامية؛ لإنها المكان الذي يعبد فيه الله سبحانه وتعالي، ففي الوقت الذي نرى فيه تحويل الكنائس إلى مساجد في أوروبا لخلوها من المصلين، يقوم النظام المصري بالقضاء على ما يجعل الشكل الحضاري لمصر بلدًا إسلاميًّا، فالقاهرة التي سميت بلد الألف مأذنة لما جاءها إبن خلدون ورأى أبهة المساجد والعمران قال: «من لم يزر مصر لم ير عز الإسلام».

المحتل الإنجليزي الذي ظل في مصر ما يقارب السبعين عامًا لم نسمع أو نقرأ في كتب التاريخ أنه اجترأ على هدم مسجد أبدًا.

الإسبان القشتاليون الذين حاربوا المورسكيين الأندلسيين لما اجتاحوا بلاد المغرب الإسلامي لم يستطيعوا هدم التراث الإسلامي لعظمته ورونقه وجماله، بل حولوا المساجد إلى كنائس وترى البناء وعظمته والشكل من الخارج شكل مسجد- لإنه بالفعل كذلك- ولكن تحول إلى كنيسة.

الأخطر من ذلك أن يتدوال في هذه الأثناء تصريح قاله بابا النصاري عن رأس النظام المصري حيث قال:- «إن السيسي أعاد لمصر وجهها المسيحي»، كذلك وفي الوقت ذاته جرى تداول ڤيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لأحد كبار كهنة الكنيسة المصرية وهو يتكلم عن سهولة تقنين أوضاع خمسة آلاف كنسية من الكنائس المصرية في العهد الجديد، منها فقط من جرى توفيق أوضاعه عبر مكالمة تليفونية، بل زيادة أعدادها أكثر من حاجة المصلين، والذي زاد الطين بلة أن المساجد أصبحت تعامل معاملة جافة، فبعد أن كانت وزارة الأوقاف المصرية تدفع مبلغًا رمزيًّا لوزارة الكهرباء ووزارة الري عما تستهلكه المساجد من ماء وكهرباء، جرى تركيب عداد كهرباء وماء للمسجد وعلى المصلين أن يقوموا بجمع المال لإنارة المسجد ودفع فاتورة المياه كذلك حتي تجري الصلاة فيه.

كذلك في تدريب القوات المسلحة المصرية الذي حضره رأس النظام المصري ووزير دفاعه، وُضع مجسم مسجد أمام الجنود وأطلق الرصاص عليه في دلالة غريبة على تغير العقيدة القتالية للجيش المصري ويتحول العدو من المحتل الصهيوني إلى المسجد ومن يصلي فيه.

ثم تأتي المعالجة الدرامية لهذه الأحداث المؤسفة لإشغال الناس وإلهائهم وبعقلية الـ50% المعتادة نفسها من الشئون المعنوية والمخابرات أُنتج فيلم (سيدة القطار) المرأة التي تدفع تذكرة المجند بعد تطاول الكمساري عليه لعدم وجود مال معه لدفع ثمن التذكرة! وبعد تداول الڤيديو على نطاق واسع، تدعي المرأة لشاشة القنوات التي تملكها المخابرات الحربية ويخرج المتحدث العسكري ببيان عن الواقعة (التافهة) يشكر فيها السيدة المصرية العظيمة ، ويتصل وزير الدفاع بالمرأة ويشكرها، وترسل رئاسة الجمهورية مندوبًا لشكر هذه المرأة.

وكأن النظام بهذه التمثيلية يرتدي قفازًا من حرير ليغطي مخالبه التي من حديد، والتي يخمش بها بقايا وجوه الناس! لكي يدلل على أن الشعب والجيش مازالا يدًا واحدة في وجه الأعداء، وإلهاء الناس عن مقاطع هدم المنازل  التي تتدوال على مواقع التواصل الاجتماعي وتبث الغضب بين الجماهير.

وللأسف وفي السياق ذاته يجري تدوال أحكام قديمة لكل من الإدارية العليا والمحكمة الدستورية  تقضي بأن المساجد إذا اكتمل بناؤها فإنها تخرج من ملكية الأفراد إلى ملكية رب العالمين!

فما دلالات هذه الرموز في الوعي الجمعي للشعب المصري أكثر الشعوب ثورةً على حكامه في التاريخ الحديث، على الرغم من إفشال وسرقة الثورات المصرية على مدى تاريخها الزمني، ولكن الأيام تثبت أنه شعب حي وواعي، ولكن القهر والبطش قد يجعله يقف حائرًا لوقت ما، ولكنه سيتحرك في الوقت المناسب وبغتةً حتي يثأر لثوراته التي تم سرقتها من ذي قبل في الأعوام 1798م في ثورة الأزهر على الفرنجة، وفي ثورة القاهرة على خورشيد باشا لتولية محمد على وسرقة الأخير الثورة 1805م، ثم في  1882م في ثورة عرابي لما استعان الوالي بالإنجليز ضد عرابي ورفاقه، وفي ثورة 1919 لإجلاء الإنجليز من مصر، وثورة الطلاب في 1945م (حادثة كوبري عباس)، وفي احتجاجات 1977م، وانتفاضة الأمن المركزي في 1986م، وأخيراً في 2011 حيث انقلب العسكر على الثورة، وكان أول احتواء في 11 فبراير 2011م، ثم الانقلاب العظيم على كل شيء (الرئيس والدستور والمؤسسات المنتخبة) في 2013م.

لا بد أن يعلم الجميع أن مصر بهذا الشكل الممنهج تساق لسيناريو الحرب الأهلية، وذلك من أجل تنفيذ المخطط الاستعماري القديم الذي يرنو إلى تقسيم مصر إلى ثلاث دويلات حتى لا تقوم لمصر قائمة أخرى، ولا تفكر في لم شعث المسلمين في كيان أممي جامع يضم العالم الإسلامي كمان كان قبل العام 1923م.

إن إذكاء نار الكراهية بين أطياف الشعب الواحد من مسلمين ونصارى وإسلاميين وعلمانيين، وتفريقهم ووصولهم إلى مرحلة الاحتراب الأهلي والاقتتال الداخلي لن يستفيد منه سوى الكيان الصهيوني وأمريكا وأوروبا.

إن تكرار تجربة لبنان والعشرية السوداء بالجزائر صار هدفًا لقوى الاحتلال لتصفية أكبر قوى سنية بالمنطقة، وهي مصر، فماذا سيكون رد الشعب المصري؟!

هذا ما سوف تحمله الأخبار في الأيام القادمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد