الثورة ليست فورة عاطفية – وإن بدأت بفورة عاطفية – وليست مجرد مظاهرات، تنادي بإسقاط النظام، وليست شعارات، يرددها عوام الناس في كل مكان، وليست أرجوزة أو أغنية أو أنشودة، يترنم بها المتظاهرون، أو المعارضون والمعترضون، وليست لافتات، يحملها الصغار والكبار، أو تعلق في الشوارع والطرقات.

مواصفات الثورة

الثورة فكرة، وعقيدة، ومبدأ، ورغبة جامحة، تعتلج في جوانح كيان الإنسان الحر، ومشاعر وأحاسيس تواقة، تخرج من أعماق القلب، تطالب بالتحرر من الاستبداد، والاستعباد، والجبروت، والطغيان.

الثورة قيمة أخلاقية عالية، ومشاعر إنسانية سامية سامقة، تنبع من نفس ملتاعة من الاستبداد، مقهورة من الظلم، والقمع، وتكميم الأفواه، ومنع حرية الكلام، والانتقاد، وإبداء الرأي في سياسة الحكم والحاكم.

الثورة هدف نبيل، ومقصد شريف، يسري في حنايا جسم الإنسان الحر، كما يسري الدم الأحمر القاني في شرايينه وأوردته، وكما تسري النبضات العصبية في الأعصاب، حاملة الأوامر والنواهي والمحفزات، ما بين أطراف الجسم إلى الدماغ، وبالعكس من الدماغ إلى أطراف الجسم!

الثورة حينما تهيمن، وتسيطر على كيان الإنسان الحر، وتنتشر في خلايا جسمه كلها، ومفاصله وعضلاته وغدده، حتى تصل إلى نواة الخلية، وتتفاعل مع أحماضها النووية الريبية، ومنقوصة الأوكسجين، وتعشش فيها، لا يمكن بأي حال من الأحوال اقتلاعها من كيانه، ولو قُطِعَ جسمه إربًا إربًا.

الثورة تضحية بالغالي والنفيس، وفداء بالممتلكات، وبذل مهج الأرواح والأنفس والدماء، وعطاء الأموال بسخاء، وتقديم الأرواح رخيصة، قربانًا على مذبح الحرية، كما قال أمير الشعراء:

ولا يبني الممالك كالضحايا  **** ولا يدني الحقوق ولا يحق

ففي القتلى لأجيال حياة  ****  وفي الأسرى فدى لهم وعتق

وللحرية الحمراء باب  ****   بكل يد مضرجة يدق

 

الثورة جهاد وكفاح، ونضال، ومقارعة الطغاة، بالسنان والصوارم البواتر، وبالقتال الفتاك، حتى ترتوي الأرض بالدماء الزكية الطاهرة النقية، وليست بالمفاوضات الدنية المذلة المهينة، ولا مؤتمرات أستانة وسوتشي وجنيف الباطلة المُزهِقة للحقوق، والمحطمة لآمال الثوار، والمضيعة لأهداف الثورة، ولا بمباحثات تحت قبة مجلس الأمن المرهون للصهيونية العالمية، وللماسونية الدولية.

وطالما أن الثوار الأحرار في سوريا، قد انطلقوا بهذه الثورة المباركة، وقدموا لها أثمانًا غالية نفيسة، عشرات الآلاف من القتلى، ومثلهم أو أكثر من الجرحى والمعاقين، ومثلهم أو أنقص من المعتقلين والمعتقلات، والمسجونين والمسجونات، والمعذبين والمعذبات، والمغتصَبين والمغتصَبات في أقبية سجون الأسد، وملايين المهجرين والمشردين والنازحين على امتداد المعمورة، من أقصاها إلى أقصاها.

يجب الاستمرار في الثورة إلى النهاية

فيجب على كل من يحمل في نفسه شعلة الثورة، وفي قلبه بذرة الإباء، والاستعلاء على الظلم والطغيان والاستبداد، وحب الانعتاق من العبودية للطاغية المجرم بشار، والرغبة الصادقة المخلصة للتحرر من المحتلين الأوغاد، أن يستمر في مسيرة الثورة مهما اكتنفها من صعوبات، واعترضها من عقبات، ومهما تآمر عليها الجن والإنس، ووقفت ضدها قوى الأرض كلها كما قال تعالى: ﴿لن یَضُرُّوكُمۡ إِلَّاۤ أَذىۖ وَإِن یُقَـٰتِلُوكُمۡ یُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا یُنصَرُونَ﴾ (آل عمران 111).

لأن الثورة هي التي تضمن الحياة الكريمة العزيزة، لكل الناس، والخسارة في توقف الثورة في منتصف، أكبر بكثير من الاستمرار فيها، ولو عَظُمت التضحيات، وكَثُرت الدما.

والنصر دائمًا، يحصل للفريق الذي يستمر في الكفاح والنضال، والجهاد والصبر، أكثر من الفريق المتقاعس، ولذلك يقال:«النصر صبر ساعة»، ويعزز هذا القول ويؤيده قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِی ٱبۡتِغَاۤءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ یَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا یَرۡجُونَۗ﴾ (النساء 104).

وإن توقفَ الثوارُ الأحرارُ عن الثورة، وملوا وتعبوا، وأرادوا أن يرتاحوا، فإن نظام الأسد وأعوانه من المحتلين، لن يتوقفوا، ولن يرتاحوا، ولن يهدؤوا لحظة واحدة؛ فهم في خوف شديد، وقلق دائم من الثوار، وهم حريصون على الاستمرار في القتال، ومباغتتهم، والقضاء عليهم، حتى ولو بقي ثائرٌ واحدٌ، فإنه يشكل للنظام مصدر قلق، وأرق وخوف.

إذن، لا مفر ولا مهرب من الاستمرار في الثورة، ولا بد من تغيير وتبديل طريقة التكتيك كل فترة، حسب الظروف السياسية، والميدانية، والعسكرية الطارئة.

طبيعة طريق الثورة

ويجب أن يعلم الثوار، أن طريق الثورة ليس مفروشًا بالورود والرياحين، وليس ممهدًا ومنبسطًا ومعبدًا، ويسهل سلوكه بكل راحة وسهولة، وليس هو نزهة، أو رحلة استجمام.

بل هو طويل جدًّا، وشاق وشائك ومزروع بالأشواك، والصخور، والأحجار، ومتعرج تارة يصعد الجبال، وتارة يهبط إلى الوديان، ومحفوف بالمخاطر، ومملوء بالوحوش والسباع الضارية، والأفاعي والعقارب، ويدمي الأرجل والأيدي، ويتعرض السالكون إلى السقوط مرة، وإلى الانزلاق من على شفا جرف هار، وإلى التدحرج، والارتطام بالأشواك، والأحجار، وتفجر الدماء من كافة أنحاء الجسم، وإلى الصراخ والأنين من الألم.

ومن يسلك طريق الثورة، سيكابد ويعاني من الآلام والأوجاع، وسيتعرض إلى ابتلاءات وامتحانات قاسية، ورهيبة.

ولا غرو في هذا، فقد سبقه في هذا الطريق كل رسل الله بما فيهم خاتمهم محمد، صلوات الله وسلامه عليهم، فقد كان كفار قريش، يؤذونه أشد الإيذاء له ولأصحابه، ومع ذلك لم يتزحزحوا عن دعوته وثورتهم على النظام الجاهلي الشركي الكفري قيد أنملة، حتى إن خباب بن الأرت، جاء إلى الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وطلب منه أن يدعو الله له ولأصحابه المعذبين، كي يستنصر لهم، فكان الرد:

«قلنا يا رسولَ اللهِ ألا تَستَنصِرُ لنا ألا تدعو اللهَ لنا فقال إنَّ من كان قبلَكم كان أحدُهم يُوضَعُ المنشارُ على مَفْرِقِ رأسِه فيخلصُ إلى قدَمَيه لا يصرفُه ذلك عن دِينِه ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما بين لحمِه وعظمِه لا يَصرِفُه ذلك عن دِينِه ثم قال واللهِ لَيُتِمَنَّ اللهُ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوتَ لا يخافُ إلا اللهَ والذئبَ على غنمِه ولكنكم قومٌ تَستَعْجِلونَ».

الاقتداء بالرسل

هكذا كان حال جميع الرسل، الذين كانوا هم أول الثائرين والخارجين والمعترضين والمعارضين لنظام أقوامهم، الذي كان مبنيًّا على عبادة الأصنام، والشرك بالله، وعلى الظلم، والاستبداد، والطغيان، وتحملوا في سبيل دعوتهم وثورتهم، كل أصناف العنت والعذاب، والاضطهاد، حتى بلغوا رسالة الله كاملة غير منقوصة، وما توقفوا لحظة واحدة، عن الدعوة إلى الله، والثورة على الشرك، حتى انتصروا في النهاية على قومهم، انتصارًا باهرًا.

ولا أدل على ذلك، من أن نوحًا عليه السلام، بقي يدعو قومة ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما أصابه الكلل، ولا التعب ولا السأم ولا الملل. فكيف إذًا بالثورة السورية، التي لم يمض عليها سوى عشر سنوات فقط؟

إن الذين يتوقعون، أو يشيعون أن اقتلاع نظام الأسد سيكون قريبًا، في خلال سنوات معدودات، وعن طريق التفاوض، أو تطبيق قرار جنيف، أو قرار مجلس الأمن، أو أن الرئيس الأمريكي الجديد بايدن، سيضغط على النظام، ويجبره على تغيير نهجه وسلوكه، أو يقلم، فهذا هراء ووهم وخيال وأحلام.

فهؤلاء كلهم – مع كل أسف – واهمون، وجاهلون، وغير مدركين لطبيعة نظام الأسد، وطبيعة النظام الدولي، الذي كان الداعم الرئيسي، لبقاء النظام واستمراره في القتل والإجرام.

وهذا الأمر لن يتغير البتة بمجيء رئيس أمريكي جدي؛ لأنه مر ثلاثة رؤساء خلال هذه الثورة – أوباما وترامب والآن بايدن – ولم يفعلوا شيئًا، سوى التصريحات بمعسول الكلام، وهذا الأخير لن يكون أفضل منهم؛ فالسياسة الأمريكية تستند وتعتمد على نهج ثابت، لا يتغير بتغير الرئيس.

والنهج الثابت هو المحافظة على أمن واستقرار وسلامة الكيان الصهيوني، والثورة السورية إذا نجحت، تشكل خطرًا كبيرًا عليه؛ فلذلك لا يمكن أن يساعدوا على إنجاحها.

فلم يبق أمام الثوار، إلا الاعتماد على الله تعالى أولًا، ثم على أنفسهم، وأن يضعوا نصب أعينهم قول الشاعر:

قف دون رأيك في الحياة مجاهدًا ** إن الحياة عقيدة وجهاد

فتحقيق النصر والغلبة على الأعداء، والحصول على الحرية، والتحرر من العبودية للطواغيت، لا يكون بالأحلام والأماني العذاب، ولا بالتهويمات والشطحات، ولا التحليق بأجواز الفضاء، بالأمنيات والتمنيات، بل لا بد من الكد والكدح، والصبر والمصابرة، كما قال تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱصۡبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ (آل عمران 200).

وكما قال الإمام الشافعي أيضاً: بقدر الكد تكتسب المعالى *** ومن طلب العلا سهر الليالي

ومن رام العلا من غير كد *** أضاع العمر في طلب المحال

تروم العز ثم تنام ليــــــلًا *** يغوص البحر من طلب اللآلي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد