كنا كتبنا مقالاً منذ أيام قليلة بعنوان (يجب أن تستمر الثورة السورية حتى اقتلاع نظام الأسد) ذكرنا فيه أنه يجب الاستمرار في الثورة إلى النهاية، مهما كانت العقبات، ومهما كانت الصعوبات، ومهما تكالبت الدنيا بقضها وقضيضها، لمحاربتها، والقضاء عليها!

لا بد من الاستمرار بدون توقف، وبدون ركون إلى الحياة الدنيا، وملذاتها وشهواتها، ومتعها! لأن أي توقف ولو لحظة واحدة، يعني خسارة الثورة. لأن العدو لا ولن يتوقف عن محاربتها، وبذل كل جهده، وكل ما لديه من قوة، للقضاء عليها، وعلى المؤمنين بها، والمؤيدين لها.

وهذه سنة كونية ثابتة ودائمة، وباقية منذ بدء الخلق، وإلى قيام الساعة، لن يكف الأشرار والفجار، والبغاة والطغاة، وأهل الباطل، عن محاربة المؤمنين، والطيبين، والثائرين على الظلم والاستبداد، ومقاتلة أهل الحق، حتى ولو قعدوا في بيوتهم، وأغلقوا عليهم الباب، فسيدخلون عليهم من ظهورها، ومن النوافذ، بل وسيحطمون عليهم الأبواب، ويخرجونهم منها، ليقتلوهم، أو يعلنون ركوعهم، واستسلامهم للباطل!

وقد أخبرنا الله الخبير البصير بعباده، أن الكافرين لن يتوقفوا عن قتال المؤمنين، حتى ولو توقف الأخيرون عن القتال (وَلَا یَزَالُونَ یُقَـٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ یَرُدُّوكُمۡ عَن دِینِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَـٰعُوا۟ وَمَن یَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَیَمُتۡ وَهُوَ كَافِرࣱ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ) البقرة 217.

والسؤال الكبير، والخطير والهام جدًا، الذي يجب أن يسأله الثوار الأحرار لأنفسهم: كيف تتوقف الثورة في منتصف الطريق؟!

ومن لهؤلاء المهجرين، والنازحين، والمشردين، الذين يعيشون في خيام مهترئة، لا تقيهم حر الصيف، ولا برد الشتاء، ولا ماء السماء، الذي إذا تساقط بغزارة، غرقت الخيام بما تحويها من أطفال، ورضع، ونساء، وشيوخ، وعجائز، ومتاع بالٍ ممزق مهترئ!

وإذا توقفت الثورة، من الذي سيرجع هؤلاء المستضعفين، إلى أرضهم وديارهم، وبيوتهم، آمنين مطمئنين سالمين؟!

نعم، ثم نعم.. لا مفر ولا مهرب من أن تستمر الثورة، وعلى كل الثوار الأحرار أن يرددوا، بصوت واحد، نشيد الحرية لسيد الشهداء سيد قطب رحمه الله تعالى:

أخي هل تُراك سئمت الكفاح *** وألقيت عن كاهليك السلاح

فمن للضحايا يواسي الجراح *** ويرفع راياتها من جديد

أخي هل سمعت أنين التراب *** تدُكّ حَصاه جيوشُ الخراب

تُمَزقُ أحشاءه بالحراب *** وتصفعهُ وهو صلب عنيد

أخي فامض لا تلتفت للوراء *** طريقك قد خضبته الدماء

ولا تلتفت ههنا أو هناك *** ولا تتطلع لغير السماء

فلسنا بطير مهيض الجناح *** ولن نستذل .. ولن نستباح

وإني لأسمع صوت الدماء *** قويا ينادي.. الكفاحَ الكفاح

سأثأرُ لكن لربٍ ودين *** وأمضي على سنتي في يقين

فإما إلى النصر فوق الأنام *** وإما إلى الله في الخالدين

إن الثورة عقيدة وفكرة ومبدأ، لا يجوز لأي إنسان حر كريم، يعتز بإنسانيته وآدميته، أن يتخلى عنها، لأنه ليس له مفر، ولا مهرب من الموت!

فإما أن يموت واقفًا شامخًا، عزيزًا كريمًا، ويفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، ويخلد اسمه التاريخُ بأحرف من نور، ويذكره الملأ الأعلى بالخير، ويستغفرون الله له قائلين: ﴿رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّـٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِی وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَاۤىِٕهِمۡ وَأَزۡوَ ٰ⁠جِهِمۡ وَذُرِّیَّـٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡحَكِیمُ﴾ ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّیِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّیِّـَٔاتِ یَوۡمَىِٕذࣲ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ﴾ غافر 8-9. أو أن يموت خانعًا راكعًا ذليلًا، ويفوز بجهنم، وقودها الناس والحجارة، ويذكره التاريخ بالخزي والعار، وبأحرف سوداء مظلمة.

وقد سألنا الكثيرون عن الطريقة، وعن النهج الذي يجب أن تستمر فيه الثورة، حتى تحقيق أهدافها التي لأجلها قامت، ولأجلها قدمت الكثير من الضحايا، والكثير من الآلام، والجراح والمعاناة، والعذابات والأوجاع!

لمواصلة الثورة، وديمومتها حتى تحرير سورية، من جميع المحتلين الداخليين والخارجيين، يجب تأمين، وتوفير متطلبات، وشروط النصر والغلبة، وتهيئة التربة الصالحة، والبيئة الطيبة، لكي تنمو بذور شجرة الثورة، وتترعرع، وتكبر، وتتفرع، وتتطاول في عنان السماء، لتصبح كالدوحة الشماء الشامخة، ذات افنان، أو كالنخلة الباسقة، ذات قنوان دانية.

تنقسم متطلبات استمرارية الثورة إلى عدة أقسام:

1- القسم الأول يتعلق بكل من يطلقون على أنفسهم الثوار الأحرار، سواءً كانوا في داخل سورية، أو خارجها، عليهم تحقيق هذه المتطلبات، والتمثل بها في الحياة العملية، وهي ثلاثة أركان أساسية وضرورية، وواجبة.

وبدونها لن تستمر الثورة، وإذا استمرت فستكون هزيلة، ضعيفة، عجفاء، لن تدر بقطرة لبن، ولن يكون لها أي قيمة، في استمرارها، ولن تحقق أهدافها، وستبقى عبارة عن شعارات جوفاء، وكلمات فارغة، كتنفيس عن الغضب، والحنق والألم!

1-1 الركن الأول: الإيمان بالله وحده

والإيمان.. هو العقيدة التي تملأ جوانح القلب، وتنشر فيه الضياء، والنور الرباني، الذي ينير بصيرة الإنسان المؤمن، ويدفعه إلى الحركة، والنشاط، والعمل الدؤوب، لطاعة الله، وتطبيق منهجه كاملًا، في الحياة الفردية، وفي أسرته، وفي مجتمعه.

وأن يؤمن إيمانًا يقينيًا بوجوب تحقيق المنهج الرباني في إدارة الحكم، والجيش، والاقتصاد، وفي جميع دوائر الدولة كاملة، وليس في دائرة الأحوال الشخصية، من زواج وطلاق فقط!

وليس الإيمان مجرد نية نظرية، باردة، ساكنة، جامدة في القلب، بدون حياة، ولا عمل، ولا سلوك. فهذا ليس إيمانًا، وإنما هو مجرد أمنية، وتمن.. كما وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:

«لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ، وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ».

1-2 الركن الثاني: العبودية والدينونة لله وحده

العبودية لله تعالى.. تعني الخضوع، والإنابة، والاستسلام الكلي، والكامل لنظام الله، بدون تردد، ولا تلكؤ، ولا جدال. (مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ) غافر 4.

ولا يجوز تجزئة الدين إلى أجزاء متفرقة، وتسميتها بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، مثل الإسلام السياسي، والإسلام الجهادي، والإسلام الاقتصادي! وتطبيق الجزء الذي تهواه النفس، وترك الأجزاء الأخرى، كما كان يفعل بنو إسرائيل!

(أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ) البقرة 85.

1-3 الركن الثالث: الولاء لله

فالولاء هام جدًا، جدًا، فهو الانتساب إلى الله، والخضوع له، والافتخار والاعتزاز به، دون العالمين.

الولاء هو التطبيق المنهجي، والعملي للإسلام، والإيمان.. وهو العلامة الأولى الفارقة، والمميزة والمفصلية، لإثبات صحة إسلام، وإيمان المرء.

وهو المفاصلة والمفاضلة.. بين الله تعالى، وبين ما عداه من أصنام وأوثان. فالذي يؤمن بالله، ويعتمد عليه كليًّا، ويثق به، ويحسن الظن به، لا يأبه للعبيد، ولا يبالي بهم، ولا يستجديهم، ولا يناشدهم أن يساعدوه.

وإلا حينئذ يجعل قيمة الله عز وجل، أدنى من قيمة العبيد! وقد كتبنا مقالة مفصلة عن الولاء، يمكن البحث عنها في محرك جوجل، لمن أراد الاستزادة.

2- القسم الثاني يتعلق بالفصائل العسكرية، التي يقع عليها العبء الأكبر، ويترتب عليها الحمل الأثقل، في تحقيق أهداف الثورة، بقوة السلاح، الذي هو الأساس، في تحقيق النصر المظفر المؤزر، على نظام الأسد، وعلى المحتلين، لطردهم من سورية.

وكل من يتوهم، أو يظن، أنه بغير السلاح والقوة، يمكن اقتلاع جذور هذا النظام، الممتدة جذوره إلى أعماق الأعماق، سواء في التراب، أو في نفوس عبيده ومواليه، فهو مخطئ، وجاهل في السنن الكونية الثابتة، وجاهل بأبسط القواعد الحياتية المعروفة، والمشهورة على ألسنة الناس جميعاً وهي (ما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة).

وحتى تحقق هذه الفصائل النصر عليها:

2-1 الالتزام بالأركان الثلاثة المذكورة آنفًا.

2-2 أن تكون مجتمعة جميعًا تحت قيادة واحدة، من عسكريين اختصاصيين في التخطيط العسكري الإستراتيجي، ولهم باع طويل، وخبرة كبيرة في فن القتال، والمناورات العسكرية.

2-3 وأن تكون الفصائل مستقلة في قراراتها، حين بدء القتال أو إيقافه، أو الانحياز إلى فئة أو مكان آخر.

2-4 ومستقلة في تسلحيها، لا تخضع لأي جهة أجنبية مهما كانت، وهذه نقطة أساسية وجوهرية، في تحقيق الفوز! لأن الجهات الأجنبية، يهمها في الدرجة الأولى، مصالحها الخاصة، وليس مصلحة الثورة!

2-5 وأن تعتمد في قتلها على أسلوب حرب العصابات، لأنها الطريقة الأفضل والأمثل، في إنهاك وتشتيت قوى الأعداء، وتحطيم معنوياتهم.

3- القسم الثالث يتعلق بالمعارضة السياسية، التي يجب عليها:

3-1 الاتصاف بالصفات الثلاثة الآنف ذكرها.

3-2 كما يجب عليها إيصال صوت الثورة، إلى المحافل الدولية، ومخاطبتها بقوة وإباء، وعنفوان، ومطالبتها بقوة أيضًا، بنصرة الشعب السوري المظلوم المضطهد المشرد، لأنه هذا واجبها الإنساني، وليس بالترجي والمناشدة، وليس بالمفاوضات العبثية، ولا المناقشات العقيمة في تشكيل دستور لدولة غير موجودة!

3-3 فالذين يضيعون وقتهم في هذه الترهات، ليسوا أهلًا لأن يمثلوا المعارضة السورية، وليسوا أكفاءً، ولا جديرين بالدفاع عن الشعب السوري المسحوق!

3-4 وعليهم أن يكونوا أمينين على الأموال، التي يتلقونها من الخارج، لمساعدة المستضعفين، وينفقونها بالعدل والمساواة، ويجعلوا رواتبهم كأوسط راتب من المشردين، لا أن يأخذ الواحد منهم 3 أو 5 آلاف دولار شهريًا، تكفي لإعاشة مائة عائلة لمدة شهر كامل!

3-5 فالذين يأخذون هذه الرواتب العالية، لن يشعروا يومًا، بآلام النازحين، ولن يدافعوا عنهم، ولن تثق الدول المانحة، بجدوى وفائدة الأموال التي تقدمها!

3-6 فمثل هؤلاء! يجب أن يُطردوا من المعارضة السياسية، لأنهم عبارة عن أشخاص عديمي الدين، والضمير، والأخلاق، لا يريدون إلا منفعتهم الشخصية فقط، ولا تهمهم الثورة، ولا يهمهم الشعب البائس الفقير!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد