بدأت الثورة السورية كما يعلم الجميع  بشكل سلمي، هتف السوريون كغيرهم بإسقاط النظام، وهتفوا للحرية.

هتفوا وغنوا جميعًا (الشعب يريد إسقاط النظام) وهتفوا (الشعب السوري واحد) وغنوا (خائن من يقتل شعبه)، والآن ماذا بقي من الثورة السورية؟ وماذا تحقق من شعاراتها؟ وماذا حققت من أهدافها؟

هناك من ينظر إلى كل ثورة، من خلال ما وصلت إليه من نتائج، وماذا حققت من أمور من شأنها أن تضر بالحاكم.

 أصيب النظام السوري، ولايزال يعاني من الكثير من الأمور بسبب الثورة، وليعلم الجميع أن  هذا النظام كان قد سقط، لولا ما يلقاه به من حمايات وكفالات دولية وإقليمية، وما كان له أن يصمد أكثر من مجرد أسابيع، بعد أن تصدع ملكه القوي، وانهار، ناهيك بأن أي مواطن سوري، سواء أكان معارضًا، أم مواليًا، بات يدرك هشاشة هذا النظام الذي حكم البلاد لقرابة 50 عام، حكمها بيد من حديد، وبات المواطن السوري يعرف أن الشعب يمكنه قهر الحاكم المستبد.

 لو رجعنا بالزمن إلى الوراء نلاحظ أنه لا أحد من الثوار السلميين كان يريد أن تسيل نقطة دم واحدة، سواء من مؤيد أو معارض، حتى من أفراد الأمن أنفسهم، فلطالما هتف السوريين بداية الحراك السلمي الشعب والجيش يد واحدة، إلا أن النظام السوري، راح يستدرك سقوطه المعنوي من خلال الإقدام على لغة القتل والدمار، وتفريغ سورية من أبنائها، إلى الدرجة التي بات نصف سكان هذا البلد، مهاجرين خارج وطنهم أو داخله، بعد أن غضت النظر الدول الكبرى عن جرائمه، ووقف بعضها إلى جانبه، ليكون العالم بأسره، أمام الدراما السورية العظمى، دون أن يرف لهذا النظام أي جفن، لا بل إنه راح يبرر جرائمه هذا، من خلال إعلامه التضليلي الذي غدا موازيًا لآلة القتل والدمار الرهيب.

مقولات عدة كان يتغنى بها النظام السوري سقطت بفضل الثورة منها مقولة «قائدنا إلى الأبد»، ومقولة (الله، سوريا، بشار وبس) وغيرها الكثير، وفي هذا وحده أحد وجوه انتصار الثورة، وهزيمة لنظام الأسد ومواليه. وإن كانت ضريبة الدم باهظة، فهذه الضريبة كان يمكن النظام فعلها دون الثورة فهو مستعد لحماية عرشه وكرسيه بكل السبل الدموية.

لا يعني الفوز بكرسي الرئاسة أو السلطة انتصار الثورة، فالثوار الحقيقيون في عام 2011 لم يخرجوا ليكونوا بدلاء لبشار الأسد في السلطة، بل خرجوا لإسقاط ثقافة الأسد الدموية الدكتاتورية، وهزيمة فكره الذي لازمه منذ أيام والده في الحكم النابع من سلطة العائلة، ثم الطائفة.

لا نستطيع القول عن الثورة السورية، إلا  أنها كانت استجابة طبيعية لمطالب أكثر السوريين، ممن عانوا من كابوس نظام حزب البعث الحاكم في نسخته الأسدية التي استمرت عقودًا من الزمن، ولا تزال تغتصب السلطة، من خلال مساندة بعض القوى الدولية والإقليمية لها. لقد حددت هذه الثورة السلمية، هويتها، في بداياتها، بعيدًا عن المزالق التي تم تمريرها خلالها، عبر اختراقها من الداخل، بما يخدم النظام، عندما تمت محاولة تطييفها، أو أسلمتها من خلال إطلاق سراح معتقلي صيدنايا، أو حتى عسكرتها بالشكل الذي خدم مقولات الأسد على نحو مباشر أو غير مباشر.

ما بعد السلمية.. كيف تمت عسكرة الثورة؟

 في الشهر التاسع من عام 2011 تم التحوُّل الاضطراري لتسلّح الثورة، وكان أبرز الخيارات أمام الثوار ردًّا على احتفاظ واستمرار النظام بالخيار الأمني لسلطة آل الأسد، لكنّ العسكرة جرت بشكل عشوائي متشرذم، وتم إفشال جميع محاولات إنشاء قيادة موحدة تتمتع بقرارات مركزية تتلقى الطاعة من الجميع وتفرز عنها واجهة سياسية لتلك القرارات في الخارج. وابتعد حاملو السلاح شيئًا فشيئًا عن الارتباط بالحراك المدني، وعملوا على إخضاع  المؤسسات المدنية الثورية  لسيطرتهم، بدلًا عن أن يحدث العكس.

لم يعترف العسكريون في الثورة بكل التشكيلات التي تشكلت سياسيًا في الثورة، وهذا برأيي كان أحد أهم أسباب تأخر الثورة السورية. وهذا تشرذم واضح في مقابل توحيد كلمة كل من يدافع عن النظام، سواء كأفراد أو كجماعات أو دول.

وتجلى تشرذم فصائل العسكرة الثورية باختلاف الرايات أولًا، تلاها اختلاف منهجي وعقائدي بعد دخول فصائل إسلامية بعضها سلفي جهادي، والآخر قاعدي جهادي والآخر أشد تطرفًا.

برزت مراحل التشرذم منذ سقوط حلب أواخر 2016 وما تلاها حتى سقوط آخر منطقة بالأمس القريب درعا فبعض الجبهات «الثورية» الأخرى ظلت ساكنة كأنها تمالئ النظام على سقوط تلك المناطق.

وتعمق التشرذم أكثر خلال تلك المراحل وكأن كل تلك  المآسي لم تكن كافية ليفيق  قادة الكتائب الثورية من غيّ التشرذم  ليفيقوا على عار الاقتتال الداخلي فإذ بإدلب تتحول فجأة إلى ساحة حرب ونزاع على النفوذ بين أكبر فصائل المعارضة، خاصة أحرار الشام وهيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقًا) والتي ابتلعت فصائل كثيرة رهبًا ورغبًا.

وهذا ليس الاقتتال الأول أو الأخير الذي حدث خلال الثورة، بل حدث غيره الكثير، سواء بين فصائل إسلامية، وأخرى معتدلة أو بين بعضهم البعض من كلا الطرفين.

بالنظر إلى الجانب الآخر نجد رغم كل الاختلافات التي لا يمكن إخفاؤها، فإن دولًا كبرى كإيران وروسيا وحتى إسرائيل تستميت للإبقاء على بشار الأسد لإبقاء مصالحهم في المنطقة.

هنا لا أنكر أن بعد عسكرة الثورة تم انتزاع العديد من المناطق من سيطرة الأسد، فأنا هنا لست بصدد شرح ذلك؛ لأنه شرح كثيرًا خلال الأعوام السابقة.

لم تكتف فصائل الثورة بتشرذمها أو اقتتالها الداخلي فبعضهم كان رهينة للداعم ولأوامره، وربما كانت هذه النقطة أهم النقاط التي أدت لتسليم كافة المناطق التي سلمت مؤخرًا.

لقد رهنت الفصائل العسكرية أوامرها لدول لم تكن على قدر من الاعتماد عليها، كما يعتمد الأسد على داعميه منهم:

تركيا: توصف تركيا بأنها من أقوى الحلفاء، استضافت أكثر من مليوني لاجئ سوري، رغم ذلك فإن دورها لم يحدث فارقًا كبيرًا مماثلًا للموقف الروسي مع الأسد أو الإيراني، فالموقف الروسي وتدخله المباشر وبشهادة الجميع هو من أطال عمر الأسد، ولربما من سيطيله أكثر فأكثر.

أيضًا الموقف الإيراني وتدخله المباشر من أول تفاقم الأحداث بسوريا يوصف بأنه من دعائم تثبيت الأسد بالسلطة، في المقابل لم تتدخل تركيا بداية في سوريا، ولم يتعد سقف إمداداتها العسكرية للثوار السقف الأمريكي بتقديم مضادات للطيران التي كان من شأنها قلب المعادلة بسوريا، وتدخلت تركيا بالوقت الضائع عندما تزايد نفوذ حزب العمال الكردستاني بسوريا مايضر بمصالحها فتدخلت لعملية درع الفرات أولًا 2016 بالتنسيق مع روسيا بعد تقاربهما على حساب تنظيم الدولة تلاها عملية غصن الزيتون ضد حزب العمال، وسيطرت على مناطق عفرين جرابلس الباب وتل رفعت حاليًا بعد تنسيق أمريكي تركي، هذا يعني تقديم المصالح التركية على المصالح الثورية، ويلتمس لها بعض الأعذار التي تتجلى بعد الانقلاب العسكري الذي كاد يطيح بها خارج الحسابات؛ مما فرض عليها الحذر.

قطر والسعودية: لم يتجاوز دعمها الدعم الأمريكي أيضًا، ولم تقدما سلاحًا مميزًا للثوار، بالرغم من دعمهما لبعض الفصائل الإسلامية والمعتدلة من الجيش الحر وسرعان ما اختفى هذا الدعم بعد الأمور التي حدثت بين الدولتين مع استمرار الدعم الإغاثي، خاصة من جانب قطر.

غرفة الموك والموم: والتي ترأسها الولايات المتحدة الأمريكية مع مجموعة من دول أجنبية ودول عربية أهمها السعودية والإمارات، والتي تتواصل فيها بشكل مباشر مع فصائل الجيش الحر، من خلال غرفتي «الموك»، والموجودة في كل من تركيا، لدعم الجبهات الشمالية، والأردن، لدعم الجبهات الجنوبية، بالإضافة لتنسيقهم مع الائتلاف الوطني». تأسست في أواخر 2013.

وتقدم غرفة العمليات المشتركة «الموك» الدعم لكتائب الجيش الحر ذات الطابع المعتدل ماليًا، ويشمل الدعم غالبية متطلبات أي تشكيل عسكري من الدعم بالسلاح، كتزويد كتائب الجيش الحر بصواريخ التاو الأمريكية المضادة للدروع بالإضافة إلى تذخير المعارك التي تطلقها كتائب الحر من ذخيرة الرشاشات الثقيلة وصولًا لقذائف الهاون والدبابات، ولا يقتصر الدعم عند هذا الحد، بل تلتزم غرفة العمليات بتزويد كتائب المعارضة بالرواتب الشهرية للمقاتلين، وكذلك تقدم سلال غذائية بشكل دوري.

في مقابل كل هذا الدعم من قبل غرفة الموك هنالك خطوط عريضة يجب على مقاتلي الحر الالتزام بها مقابل استمرار  الدعم، وكلنا رأى ماذا فعل الموك بكتائب درعا والجنوب، بعد أن أنامها أعوامًا طويلة أيقظها لتسلم سلاحها وتعود لحضن القاتل على هيئة ضفادع.

من هنا نجد أن من سلبيات بعض الفصائل هو الثقة الزائدة بالموقف الأمريكي، سواء على عهد أوباما، أو ترامب، فماذا فعل الأمريكان للثورة السورية: منع الأمريكان حلفاء الثورة من تقديم دعمٍ جوهري قد يسرع الحسم، كمضاد الطائرات الذي كان أهم ما يفتقده الثوار.

يكفي لتحقيق مصالح أمريكا وإسرائيل، تقليم أظافر النظام السوري، بنزع سلاحه الكيماوي، واستمرار استنزاف قواته، وقوة الحليف الإيراني، وهو ما تحقق ويتحقق. وبقاء بشار في السلطة بلا أنياب خير لهذه المصالح من بدائل ثورية غير معروفة بعضها جهادي وآخر راديكالي.

الرهان الأمريكي في القضاء على (داعش) كان مُركّزًا على أكراد سوريا، وقدمت في سبيل ذلك كل الدعم  العسكري إلى أن مكنت الأكراد من السيطرة على مناطق الرقة وحول نهر الفرات وبعض مناطق ريف حلب الشمالي، وساهمت بإيجاد قوة سوريا الديمقراطية وهؤلاء موقفهم ملتبس من الثورة، بل لهم علاقات لا تخفى مع النظام. ولا يهمهم إلا مصالحهم السياسية والعرقية، وهذا ما حصل مؤخرًا عبر اجتماع قوات سوريا الديمقراطية مع النظام في دمشق واستعدادهم لتسليم مناطقهم للنظام.

لم ولن يواجه الأمريكان الروس من أجل ثورة سوريا، بل يكفيهم أن يحقق الروس تحجيم النفوذ الإيراني، وضمان أمن إسرائيل، وليفعلوا ما شاءوا بعدها، وهذا ما حصل في قمة هلنسكي بين ترامب وبوتين حيث سلم ترامب الملف السوري كاملًا لبوتين مقابل حماية أمن إسرائيل.

بقي أن نشير إلى ارتهان عدد من الفصائل العسكرية لمخرجات مؤتمرات أستانة، وهذا ما طبق مؤخرًا وما قصدته بتسليم المناطق في الغوطة وحمص ودرعا.

والآن فالثورة السورية تمر بأكثر الأطوار المأساوية فبعد كل ما ذكرناه استرجع نظام الأسد سيطرته على مناطق واسعة باستثناء الشمال السوري المكون من إدلب وأرياف حماة والساحل وحلب بعد تهجير الرافضين للمصالحات من كل من حمص والغوطة ودرعا والقنيطرة فما هو الحل أما الفصائل التي راهنت على داعميها لتجد نفسها متجمعة في كانتون ضيق؟

لا فرصة أخيرة إلا بتغيير جذري في المشهد الداخلي بحيث تجتمع كل الفصائل المعارضة المسلحة في كيان واحد، يفرز واجهة سياسية واحدة ومعبرة. يتوافق فيه الجميع على المطالب الكبرى كرحيل الأسد، وتصور منطقي لما بعد بشار يُحتكم فيه إلى الانتخابات النزيهة مسارًا وحيدًا، وتقام حياة مدنية ديمقراطية.

متغير داخلي كهذا قد يعيد قوى الثورة إلى الواجهة من جديد، ويعيد الثقة الضائعة لدى غالبية الشعب السوري، وقد يغير الموقف الخارجي، ويعيد التوازن إلى معادلات الصراع.

قبل أن أختم، فإن ما جرى في سورية لم يكن إلا ثورة، قبل أن يتم تحويلها تدريجيًا من مساراتها المطالبة بإسقاط النظام وإقامة دولة الحرية والقانون، لتصبح سورية  فيما بعد ساحة حرب، وتصفية حسابات لأطراف دولية وعربية كثيرة، كان لكل منها هدف، من وراء محاولاتها استثمار الثورة، ولا أنسى من استغل دعم الجيش الحر لمصالحه الشخصية ومن تستر باسم الإسلام وأشاع ظاهرة إطلاق اللحى وقتل الأبرياء على إيقاعات التكبير الأمر الذي أدى إلى التباس عند الناس ممن كانوا يدعمون الثورة، ولا أنسى أيضا أصحاب الخطاب العلماني الذين انبطحوا أيضًا أمام ما فرض عليهم من قبل الممولين  ومن قبل الإخوان المسلمين الذين أداروا بعض الأحيان دفة الاتجاه السياسي للثورة مستفيدين من سطوة المضيفة تركيا لمقارهم الافتراضية من ائتلاف ومجلس وطني وحكومة مؤقتة.

لكن يبقى السؤال هنا: ماذا لو لم يثر السوريون؟ وماذا لو لم يخذلهم القريب والبعيد؟

الثورة السورية لم تنتصر، لكنها حتى اللحظة لم تهزم.. ولثوارها ولأهلها ولشهدائها في ذمة العالم والتاريخ دين وحكاية عن خذلان الجميع لهم، وهذا ما لا ينساه السوريون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد