كما هي العادة في كل مجازر النظام السوري التي يقوم بها على أي جزء من الأراضي السورية الحبيبة، تبدأ سلسلة الندب والشجن والرفض على مواقع التواصل الاجتماعي وفي جميع المحافل التي من المقرر أنها توصل الصوت العربي إلى أصحاب القرار وذوي السلطان.

حيث اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي ابتداءً من تطبيق فيسبوك وواتس آب مرورًا بتويتر وإنستجرام وسناب شات وغيرها الكثير، اشتعلت تلك المواقع بالفيديوهات المباشرة من (قلب الحدث) كما يقولون، والتي تصور الوضع المأساوي في الغوطة الشرقية وتبين جرائم النظام السوري بقيادة الشبيح الأكبر بشار الأسد بحق أهلنا في الغوطة الشرقية، وكيف يعاني أهل الغوطة اليوم القصف والقتل الممنهج والمركز على كل ما يثبت أنه من فصيلة الأحياء من بشر وحيوان وشجر، وكيف أن هذا النظام لم يكتف بالقتل والتنكيل حتى انتقل إلى التجويع والترهيب بحق من بقي على قيد الحياة من أهالي الغوطة.

ولا ننسى الصور المحزنة والتي تقطع القلوب في مشاهدها الوحشية لطفل يخرج من بين الأنقاض وقد ملأت الدماء كل جزء من جسده الصغير، أو فتاة عالقة تحت حطام منزلها تموت دون أن تجد من يعينها لتخرج من ذلك المكان المميت، رجل يحمل طفله الميت، امرأة تناجي الإنسانية الميتة في محاولة فاشلة لاستجداء عطف من لا يملكون في قلوبهم سوى الحقد والضغينة والحفاظ على المصالح الشخصية.

تلك المشاهد بالمناسبة ليست مقتصرة على الغوطة الشرقية فقط، ولم تحدث في الغوطة فحسب، فالمشهد متكرر في مئات المدن والقرى والمناطق السورية، وعلى أيدي النظام أو غيره فالسيناريو واحد ولا جديد يضاف إلى القديم!

لكن السؤال الأبرز أعزائي، هو لماذا كل هذه الضجة الإعلامية والممنهجة لكل ما يجري في أي جزء من سوريا؟ ما الذي جنته الغوطة من تلك الفيديوهات والصور والكلمات المنمقة التي تبعث الحزن والحسرة في النفوس؟ هل من نشر كل هذه المقاطع والصور وتحذلق بالكلمات تلك التي تدعي الرفض والشجب والإدانة هو يحمل هم الغوطة أو سوريا بأسرها في قلبه حقًا؟

ما نتيجة كل هذا في كل مرة يقوم به النظام أو غيره من الفئات المتصارعة الدموية على الأراضي السورية وفي كل مرة لا يفتأ كبيرنا وصغيرنا يكتب ويندب وينشر الفيديوهات والصور مع فارق وحيد، اسم المنطقة الجديدة!

فما هي الأسباب الحقيقية وراء هذا السباق الإعلامي المتسارع لتصوير الوضع في الغوطة أو غيرها؟

1. أسباب مادية

وهذه الأسباب تتعلق بمن اتخذ من الأوضاع العربية والسورية باب رزق واستغل كل ما يجري لزيادة مخزوناته المالية في البنوك والمصارف من خلال الترويج لقناته التلفزيونية أو صفحاته الإخبارية على فيسبوك وتويتر وغيره، حتى من خلال زيادة عدد النقرات على مقالاته في المواقع الإلكترونية الكثيرة، أو زيادة مشاهدات الفيديوهات على يوتيوب، وأنا متأكدة أنه مع هذه الفئة فالأمر لا يتجاوز مجرد خبر يجب الاستفادة منه أكبر فائدة ومواكبته بالكامل فكل جديد هو ميزانية جديدة تصب في حسابه بالدولار! وهؤلاء لا يملكون الوقت حتى لمشاهدة الصورة أو الفيديو ليتعاطفوا ولو بقلوبهم منتهية الصلاحية.

2. أسباب نفسية

وهذه الأسباب تتعلق بأولئك الذين عشقوا دور الضحية واتخذوه منهجًا في جميع مناحي حياتهم، وغالبيتهم من الشعب السوري الذي استساغ دور الضحية واستفاد منها أكبر فائدة ماديًا ومعنويًا، فبعض هؤلاء يسعى بكل ما أوتي من قوة لإثبات أنه المستضعف في الأرض والمظلوم الوحيد في هذه الحياة في سبيل الدعم النفسي من الآخرين والذي من المحتمل في كثير من الأحيان أن يصل إلى دعم مادي من أصحاب القلوب الضعيفة الذين يقرؤون الخبر بعين المسؤول عما يحدث ويسعون إلى المساعدة التي لن يصل منها 1% للضحية الحقيقية!

3. الشهرة

وهذه واضحة وبارزة في مشاهير الشعب العربي الذي لا يفتأ يسمع بخبر مأساوي حتى يشجب ويندب ويرفض ما يحدث ويتباكى على أولئك الأبرياء الذين ينكل بهم نظامهم دون شفقة أو رحمة، وكأن قوله الحق! وكأن تلك الكلمات التي لا تتجاوز ثلاثة أسطر في أفضل الأحوال ستوقف المجزرة وستعيد الحق إلى نصابه وستوقف الدم المنسال منذ ثماني سنوات في سوريا!
في حين أن صاحبنا لم يبتغ من كل هذا سوى ارتفاع عدد المشاهدات على منشوراته أو فيديوهاته، وبالتالي زيادة شهرته بين الناس والحصول على دعم معنوي من الناس في جميع أنحاء العالم والذي سيؤدي بالتأكيد إلى رفع أجره في الأعمال القادمة التي يزمع القيام بها، فقد زادت شهرته!

صدقوني لا أحد يحمل هم الغوطة أو سوريا حتى، فالكل ينشر الخبر أو يقرؤه أو يتابع الحدث وهو يمارس حياته الطبيعية، ولربما وهو يشاهد مناظر القتل والتنكيل بالناس يكون يشرب القهوة ويدخن السجائر، بينما تصدح أنغام فيروز من جهة أخرى، أو أنه يكون يتناول وجبة غدائه أو عشائه وهو بعد قليل سينام دون أن يذكر ما شاهد حتى.

الجرح لا يوجع إلا صاحبه، والألم لا ينبعث إلا من مصدر الألم، والدم لا ينزف من عيوننا كما نزعم. فهو لا ينزف إلا من جراح الجرحى وجثث القتلى.

ولو أننا نحمل هم أي جزء أو مدينة في سوريا لما ندبناها بعد أن عاث الفساد فيها ودمر كل خيراتها ونكّل بأهلها وقتل أطفالها وشيوخها ونساءها.

لو أننا حملنا هم وطننا العربي بحق، ما وصلنا إلى هنا نقرأ الأخبار ونحزن حزنًا زائفًا لا روح فيه ونحن بعيدون عن ساحة المعارك وكأننا نبارك صنيع الغزاة في بلادنا العربية ونكلل جرائمهم الشنيعة بتغطية إعلامية هائلة وكأننا نغطي نصرنا الذي لن يأتي!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد