في سباق التناقضات السياسية ضمن حلبة العلاقات الدوليّة، وما بين الترجيح والموازنة فيما يخص الوضع الداخلي لتركيا وخارجه، لجأت أنقرة مؤخرًا إلى تقوية علاقاتها مع موسكو، والتداعيات والأسباب كثيرة، وعلى رأسها تأمين الحدود التركية السورية، وضبط الداخل التركي مع تنسيق نشاطات المعارضة التركية، الممثلة في حزب الشعب الجمهوري CHP مع الحكومة، كما أعلنت الأخبار زيارة الحزب لدمشق أواخر الشهر الحالي، لمناقشة التبادلات التجارية ومسألة الأزمة السورية، (على اعتبار أن تركيا ليست أردوغان فقط)، فالعلاقة الثنائية (التحالف) بين أنقرة وموسكو ستحقق الكثير من المصالح على الصعيدين التجاري والاقتصادي، وبحسب تقديرات المراقبين أنّ العلاقة بين الطرفين جاءت رد فعل على سياسة الرئيس ترامب المتذبذبة، وتمدد القطب الأمريكي عمومًا.

وعند إجراء الرئيس أردوغان زيارة لموسكو في 27 أغسطس (آب) 2019، التي رتبت عدة أمور، من بينها طبيعة العلاقة مع طهران، كونها الطرف الثالث في اتفاق أستانة، كما كشفت عن نية شراء المقاتلات الروسية، التي أبدى الرئيس التركي إعجابًا بها (سو- 57 وميغ- 35)، وهذا ما أكده «ديمتري شوغاييف»، مدير الهيئة الفيدرالية للتعاون العسكري، والتقني خلال المعرض الجوي (ماكس 2019)، وأمّا موسكو فلا تتوانى عن مفاوضة تركيا على تسوية الأزمة السورية مع نظام الأسد، إذ يعمل الجانبان (التركي والروسي) خفيةً على إسقاط بنود اتفاق تثبيت منطقة خفض التصعيد الرابعة «إدلب»، عبر تنازلات تقدّمها أنقرة لموسكو. الأمر الذي بدا معروفًا لدى الكثيرين، ومن يبرر عكس ذلك فهو بالتأكيد ينتظر معجزة السماء.

وللحديث أكثر عن مساقات إدلب المتباينة، ينبغي معرفة سبب تغير الموقف التركي وتصاعد السياسة الروسية الداعمة لقوات الأسد، لكن مع كلّ مساق هناك مستجدات وشبكة «تفاهمات مبهمة» إلى ما بعد لقاء بوتين وأردوغان وروحاني في أنقرة بتاريخ 16 سبتمبر (أيلول)، والسؤال هنا: إلى أين تتجه إدلب؟

من الواضح أنّ هناك اتفاقًا جديدًا على أنقاض اتفاق أستانة، الذي لم يستطع ضبط الأمور عسكريًّا في مناطق خفض التصعيد (رأينا سقوط المنطقة تلو المنطقة)، ولم ينجح «مسار أستانة» في تأسيس أرضية مهيئة لمباشرة العملية السياسية في سوريا، علاوة على ذلك حوصرت النقاط التركية 12 المتوزعة في شمال سوريا، وهذا ما جعل اجتماع أستانة الأخير «رقم 13» بروتوكوليًّا ليس إلا، ومن دون أي مخرجات تحافظ على المنطقة الرابعة «إدلب».

لكن ما أعلن في منتصف شهر سبتمبر، حول اجتماع ثلاثي يجمع طهران وأنقرة وموسكو، هو في الواقع لصياغة ترتيبات جديدة تتعلق بمسألة التوزيع والتقسيم، وحسابات أمنية استراتيجية. إذن المتغيرات الحاصلة اليوم تأخذنا إلى أبعد من ذلك، وهو في عدم اتفاق الأطراف الدولية المشتركة على صيغة واحدة تجمع طموحاتهم ومصالحهم، التي ربما تتقاطع مع الشعب السوري أو لا تتقاطع، من حيث الاتفاق على عمق المنطقة الآمنة، وتسوية وضع اللاجئين (المنطقة الآمنة كما تُقرّ موسكو ستكون تحت سيطرة الجيش التركي، وبذلك ستمنع قوات الأسد من اجتياح المنطقة؛ لأنها على غرار درع الفرات وغصن الزيتون الخاضعتين للحماية التركية)، كذلك مستقبل الفصائل المقاتلة في إدلب.

فمؤخرًا ضرب طيران التحالف الدولي مقرًّا تابعًا لفصائل المعارضة (أنصار التوحيد) وقتل العديد منهم، ومن المعلوم أنّ الضرب جاء على أثر اتفاقات روسية تركية سابقة، ترجع لمضمون سوتشي، وبضوء أخضر أمريكي من أجل محاربة الإرهاب، بجانب محاولة إفراغ المنطقة من فصائل المعارضة، وتفكيك هيئة تحرير الشام. فضلًا عن تصريح الرئيس أردوغان أمس الثلاثاء 3 سبتمبر في مؤتمر صحفي جمعه مع رئيس الوزراء التشيكي في أنقرة، بأنّ إدلب تتعرض للتدمير كما سبقتها مدينة حلب نهاية عام 2016، فسيناريو إدلب يشبه سيناريو حلب وبالطريقة نفسها.

احتمالات التهديد الروسي لمصير إدلب

الاحتمال الأول: الحسم العسكري الذي تعلنه روسيا بين الفنية والأخرى، باتباعها سياسة الأرض المحروقة، وباستخدامها أحدث التقنيات الحربية، للإجهاز على المنطقة ومن فيها.

الاحتمال الثاني: الحل السياسي المتمثل في نقطتين: النقطة الأولى على المقاس الروسي، أي بإعادة مؤسسات نظام الأسد إلى المنطقة، واستمرار روسيا باتفاق خفض التصعيد، وبذلك تخرج تركيا من إدلب ويسيطر عليها النظام السوري، وهذه النقطة تبدو مستبعدة على المدى المنظور، والنقطة الثانية تقتصر على فتح الطرق بين مواقع قوات النظام وطريق حلب- دمشق الدولي، وهذا ما اتفق عليه الجانبان الروسي والتركي على أن تكون الإدارة وتسيير الدوريات مشتركة بين الجانبين، وبذلك ستتم السيطرة على معرة النعمان، وسراقب، وخان شيخون (والأخيرة باتت بيد قوات الأسد)، والسيطرة على غيرها من المناطق الواقعة على طول القسم الشمالي من الطريق إلى مدينة حلب.

أخيرًا التفاهمات التركية الروسية والتركية الأمريكية، لا يبدو عليها الحسم العسكري، على الرغم من سكوت الولايات المتحدة عن الهجمات الروسية المتصاعدة على المنطقة، لكن المصالح المشتركة تدعو إلى نهاية الملف السوري لصالح الأطراف المشتركة، كما يشار إلى أنّ روسيا والولايات المتحدة متفقتان على تقليم أظافر إيران، وقد جرى الاتفاق أثناء اجتماعهما في قمة هلسنكي في فنلندا (16 يوليو/ تموز 2018)، وبذلك يبقى مصير إدلب معلقًا بالقرار الروسي والورقة الأخيرة التي تمسكها تركيا في حال انقلب السحر على الساحر، وهي «اتفاق أضنة» الأمني (الموقع بتاريخ 20 أكتوبر (تشرين الأول) 1998 بين تركيا وسوريا) كتحصيل حاصل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد