تعمل سياسة الذلقراطية العالمية والتي تتحكم بالواقع السوري وجغرافيته على تمزيق الممزق وتفتيت المفتت، وقام بتنفيذ هذه السياسة في الواقع السوري نخب وفصائل ثقافية ومليشيات عسكرية تابعة للنظام والمعارضة (كتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ)، وهو عين ما نراه اليوم في سوريا.

وأورث ذلك فقد السوري ثقته بكل شيء له قيمة فبات يكفر بكل قيمة ومضى في المحافل الدولية بلا قيمة.

وهو ما يوجب على العقلاء من كل الاتجاهات إحياء مفهوم إعادة بناء الذات أو إنتاج الوعي النوعي للفرد السوري في ميادين الفكر والتصورات والسلوك وفي علاقته ببعضه البعض واستعادة الحالة الفكرية الطبيعية والعلاقة الاجتماعية والأخلاقية بين كل المكونات، واستعادة موضوعية الهوية الجمعية إلى الذات السورية، مرة تلو مرة.

السائد اليوم دعوات تضر ولا تنفع قوامها تغذية الكراهية والفرقة وفيما يتعلق بالنتائج الناجمة عن مواقف الكراهية، فإن المواقف إذا تحولت بين أطراف الكراهية إلى عدوان ينجم عنه ضحايا، تطور العدوان إلى عنف يشيع بين الرعاع، جماعات الكراهية بعدوى نفسية تأخذ أسلوب العنف العشوائي هو ما نراه في سوريا اليوم دون كثير تأمل.

أما جهات التحريض على الكراهية من خارج الأطراف المتصارعة، فإنها لأسباب تتعلق بانتماءات عقائدية أو عشائرية، أو لمصالح اقتصادية وسياسية تعمل على تحريض الجماعة التي تنتصر لها وتظهرها كما لو كانت مظلومة أو مستلب حقها أو متجاوز عليها، حتى لو كانت الحقائق لا تؤيد ذلك.

كما لا يتم التركيز حسب المقروء والمرئي في الساحة السورية على أن الفرد مختلف عن المجتمع اختلاف نوعية، وأن المجتمع السليم ينشأ من العلاقات المتبادلة بين الأفراد والجماعات، وفق نمط الحياة الخاصة (الشخصية) لكل منهم وظروفها ونوعيتها ومستواها، ووفق أحواله الذهنية والنفسية ومن تكامل تلك النوعيات لا تفاضلها. وأما الدولة فهي نظام هذه العلاقات المستقرة والمتغيرة، تتجلى فيه الحياة النوعية للأفراد أنفسهم، وقد صاروا مواطنين متشاركين ومتساوين.

لا يعلم السوري أن ثمة فروق نوعية بين الجماعات الطبيعية (العائلات الممتدة والعشائر والقبائل والقوميات والطوائف) التي هي قوام المجتمع الأهلي وأهم مصادر «قوة الشوكة»، وبين الجماعة المدنية (المجتمع المدني من جهة، وبين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، أي الدولة، من جهة أخرى.

لذلك كان لا بد من نقد مفهومي الأكثرية والأقليات الشائعين عندنا نقدًا جذريًا واستبدال مفهوم الجماعات الإثنية أو المذهبية بهما، انطلاقًا من:

• وحدة المجتمع التناقضية وواقعية الاختلاف.

• واقع أن الكم أو العدد لا يضيف شيئًا إلى ماهية أي من الجماعات الإثنية والمذهبية، ولا ينقص منها شيئًا.

وبناء على ذلك لا يجوز أن نجعل من قلة عدد أفراد أي منها أو كثرته أي نتيجة سياسية.

(العدد لا يضيف شيئًا إلى نوع المعدود ولا ينقص منه شيئًا). وهذا أدعى إلى تساوي هذه الجماعات في القيمة المعنوية وفي الحقوق؛ لا سيما أن مفهوم الأقلية تخطى دلالته العددية أو الكمية واكتسى معنى قيمية، تحقيرية، على الأغلب، بات هو المقصود في الخطابات الأيديولوجية والسياسية.

كما لا يفهم معنى الصراع في عملية المنافسة السياسية على السلطة، حيث تتطلع جماعتان أو أكثر إلى الحصول عليها. والمنافسة ليست نقيضًا لعملية التعاون، بل فيها شيء منه بمقتضى القوانين التي تحكم اللعبة.

ففي لعبة الملاكمة مثلًا يتعاون المتنافسان على عدم ضرب أحدهما الآخر في مناطق معينة من الجسم.

وقل الشيء نفسه في البلدان الديمقراطية، إذ لا تستخدم الأحزاب المتنافسة أساليب تنتهك قيم التنافس وتقع تحت طائلة القانون. ففي عملية المنافسة يحاول المتنافسون أن يحققوا الهدف نفسه وفقًا لقوانين عامة مقبولة تحترمها الأطراف المتنافسة وتركز على الفوز وليس على إيقاع الأذى بالآخر. ومع أن كارل ماركس يعد حلل الصراع الطبقي وعده المحرك التاريخي والمصدر الرئيس للتغيير، إلا أن الصراع يكون أيضًا بين جماعات عرقية وطائفية، وأحيانًا بين جماعات تنتمي لطائفة. ولكن ذات مصالح مختلفة. وليس بالضرورة أن يكون الصراع مصحوبا بالعنف.

إلا أن «انعدام المساواة الاجتماعية» و«انعدام العدالة في توزيع الثروة»، وانقسام المحتم إلى فئتين متمایزتين (مستفيدون ومتضررون) تعمل على تصعيد انفعال الكراهية حالة شعور سلبي «منافس ضد منافس» إلى حالة غضب «خصم ضد خصم» إلى حالة انتقام «عدو ضد عدو» يصبح فيها الهدف إفناء العدو أو تعويقه.

كل هذا يتم السكوت عنه في التخاطب السوري، ولو تم ترسيخ تلك القيم فهذا يعني أن قوة المجتمع أكثر عمقًا ورسوخًا وأشد تأثيرًا من قوة الشوكة. كما ينبغي أن يعلم السوري أن العالم لم تصنعه الحروب ولا التمايز القومي ولا التباين الديني، بل صنعه فكر الدولة والهوية الجمعية، بالفكر المبدع والعمل المبدع فقط، وأن المجتمعات المتحضرة انتقلت من النظام الحيواني إلى النظام الأخلاقي، ومن عبادة القوة إلى التعلق بقيم الحق والخير والجمال، والنزوع إلى الحرية والمساواة والعدالة.

وهذا ما يجعلنا نؤكد على مفهوم الوطنية أكثر من المواطنة حيث تتضمن المواطنة (حقوقًا) ينبغي أن يتمتع بها المواطنون، وعلى الدولة أن تقوم تأمينها لجميع الأفراد بغض النظر عن القومية والدين والجنس، واللون، والمكانة الاجتماعية، والاقتصادية…، والمتمثلة بالآتي: بالحقوق السياسية: تأمين حق الفرد في الانتماء السياسي، وشغل الوظائف العامة في مؤسسات الدولة، وتشکیل منظمات مجتمع مدني تسهم في تطوير الدولة والمجتمع، وضمان حق الترشيح لأية سلطة في الدولة، وحق الانتخاب، والتجمعات السلمية. والحقوق المدنية: تأمين حق المواطن في توفير الأمن، واحترام حريته طالما لا تخالف القوانين ولا تتعارض مع حرية الآخرين، ومساواته مع الآخرين أمام القانون، واحترام خصوصية الفرد وعدم التدخل في شؤون أسرته أو مراسلاته، وحريته في اختيار مكان إقامته، والسفر أو خارج الدولة والعودة إليها، وعدم المساس بشرفه أو يسمعته، تعريضه للتعذيب أو المعاملة القاسية، وضمان حرية الفكر والتعبير عنه.

الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: ضمان حق المواطن في العمل وتوفير مصدر رزق له ولعائلته، وحقه في الانضمام إلى النقابات. بينما تعني الوطنية القيام بالواجبات وليس المطالبة بالحقوق.

وعلى السوريين أن يدركوا أن انكفاء المكونات على هويتها البدائية يكون بعاملين عدم العدالة الداخلية والاستثمار الخارجي مما يعمق العقل الحدي الكيدي التناحري.

وعلى الكل السوري أن يؤمن أن الأقلية هم الطائفة المنتفعة من اللانظام ومن الفوضى والدم بغض النظر عن تفاصيل هوية ومعتقد تلك الطائفة، بل هي مزيج من المعومين والمنتفعين الذين لا ولاء لهم إلا للمصلحة الخاصة.

وأن الوطنية والمواطنة يتطلبان الولاء والانتماء ولا دخل لقوميتك ولا ديانتك كما أن الانتماء الى الوطن والوطنية لا يعنيان التخلي عن قسمات هويتك الكردية أو العربية أو العلوية أو السنية أو غيرها، بل أنت بمقدار صلاح فعلك الوطني تكون منتميًا إلى هويتك التي هي جزء من وطن يتم محوه اسمه سوريا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد