في يوم المرأة العالمي، أين هي المرأة السورية؟

مرّت السنوات الأخيرة في سوريا على الجميع بقسوتها وقهرها، وحزنها وألمها، فأتعبت الرجال، وخطفت الشباب، ولكن العبء الأكبر كان على المرأة السورية في ظل المآسي المتلاحقة، فأينما توجهنا سنجد أحزان النساء من يتامى وأرامل وثكالى وقاصرات تزوجن قبل البلوغ.

في سوريا، ستجد لكل امرأة عشرات القصص المأساوية، أول ما ستواجهه هنّ النساء الأرامل اللواتي فقدن أزواجهن، إما في القتال، وإما تحت القصف، وإما تحت التعذيب في المعتقلات، فأضحت الأرملة وحيدةً بلا معيل مع أبناء وبنات يتامى، محتارة تلك الأرملة في بحثها عن قوت عيالها، فتراها في الجمعيات الخيرية تسعى، وفي طوابير المساعدات الإغاثية قد فقدت كل أنوثتها ورقتها في سبيل ستر أفواه جائعة.

وقد تواجه نساءً ثكالى فقدن فلذات أكبادهن، امرأة ربّت ابنها سنوات طويلة لتحلم به عريسًا تزفّه إلى عروسه، أو طبيبًا ترفع رأسها به فخرًا، أو سندًا تتكئ عليه عندما تبلغ من الكبر عتيًّا، فيأتي الموت ليخطفه من بين ذراعيها، ليترك في الفؤاد حرقةً وحسرةً لا تزولا أبد الدهر.

ثم تواجه نساء قاصرات صغيرات، حُرِمنَ من الأب والأم بعد فقدانهما مع أسباب الموت الكثيرة، فلا سبيل أمام من تبقى من ذويها إلا تزويجها صغيرةً قبل أن تفرغ من ألعاب الطفولة، لتصبح أمًا قبل الأوان، وترى طفلةً تحمل بين ذراعيها طفلًا آخر هو ابنها، صابرةً محتسبة.

في سوريا، يمكن أن نرى الأم التي أضحت أرملةً فقدت زوجها إما اعتقالًا وإما قتلًا، فتصبر وتقول: «الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه»، ثمّ يخرج ابنها من المنزل للعمل فيعود جثةً هامدةً من المعتقل وقد قضى تحت التعذيب، ثم يخرج ابنها الآخر مقاتلًا في جبهات القتال فيعود محمولًا على الأكتاف وزغاريد الشهادة تزفه إلى الجنة.

وفي الليل، ينام الجميع تحت وابل من القصف الغادر من الغزاة، فيقضي ابنها الثالث تحت الأنقاض، ما أعظمك من أمّ، تقولين: «الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم»، هي الأم السورية التي فقدت زوجها وأولادها الثلاثة، وتراها صابرةً محتسبة، كل أملها ألا تضيع دماء أبنائها وزوجها هباءً منثورًا، هي خنساء من خنساوات سوريا، سوريا التي أضحت نساؤها كلهنّ خنساوات.

بإمكانك أيضًا أن ترى المرأة السورية تعمل لتطعم أولادها من كد يمينها، هي أسماء بنت أبي بكر في زماننا، بعد أن فقدت المعيل لم تجد بُدًّا من العمل في مصانع الخياطة، أو الورشات اليدوية المنزلية، أو تعليم الأطفال في المدارس الأهلية ودور الأيتام، أو تراها تشمّر عن ساعديها لتحصد القمح من الحقول. إنها المرأة السورية العظيمة، التي حملت كل أوجاع الدنيا، صابرةً على البلوى، تنتظر ساعة النصر التي ستنسيها كل آلامها.

بإمكانك أن ترى المرأة السورية في مخيمات اللاجئين تمسك طفلها بيد، وتطبخ الطعام بيدها الأخرى، ثم تراها تجمع الحطب لتؤمن الدفء للخيمة التي أضحت وطنها ومسكنها الوحيد، بعد أن فقدت بيت أحلامها وذكرياتها، تعيش ما تبقى من سنين عمرها على أمل العودة لبلدها الحبيب الذي يلمّ في ترابه الطَّهور أشلاء أولادها وزوجها وأخوتها، وتنتظر لقاءً قريبًا معهم في الجنة.

بإمكانك رؤية أم أحمد التي خرج ولدها الوحيد من البيت منذ عامين ولم يعد حتى الآن، وهي تنتظر عودته كل يوم، رغم أن أصدقاءه أخبروها بأنه استشهد في المعتقل، إلا أنها متيقنة من عودته، لأنه آخر أمل لها بعد أن مات زوجها كمدًا على ولده، وزوّجت بناتها القاصرات إلى المجهول والغربة، وهاجر أخوتها وأخواتها إلى الأردن بعد التغريبة الكبرى، ديدنها قول نبي الله يعقوب، عليه السلام: «عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا، إني أعلم من الله ما لا تعلمون»، وقد ابيضت عيناها من الحزن، ولكنها صابرة، توزع عطفها على أطفال المدرسة التي أوت إليها بعد تدمير بيتها.

لله دركنّ يا نساء سوريا، أين التاريخ ليمجدكنّ؟ أضحيتُنّ مضرب المثل في الصبر والشجاعة، فحُقّ لكُنّ أن تُكتَب فيكُنّ ملاحم الشعر العظيمة، وحُقّ لكُنّ أن تصبحنَ مدارس للتاريخ وسيدات الجنة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد