موجة كبيرة من اللاجئين ضربت بقوة سواحل الجزر اليونانية، حيث وصل الآلاف من اللاجئين القادمين من تركيا خلال الأشهر القليلة الماضية، مما أدى إلى الوصول إلى وضع غير إنساني في تلك الجزر، حيث إنها غير معدة لاستقبال هذا الكم الهائل من اللاجئين حيث وصلت أعدادهم إلى ما يفوق القدرة الاستعابية للمخيمات المخصصة لاستقبلاهم بأربع أضعاف في بعض الجزر، مما سبب ازدحامًا واكتظاظًا غير مسبوق لدرجة أن الكثير من العائلات لم تجد مكانا لها في داخل المخيمات فباتوا يفتروشون الأرض ويلتحفون السماء في ظروف مزرية، خاصة مع دخول فصل الشتاء وتساقط الأمطار على تلك الجزر ناهيك عن الطوابير التي يصطف بها اللاجئين لساعات للحصول على الطعام مع انعدام للمرافق الصحية اللازمة لهم.

على الرغم من تراجع أعداد اللاجئين خلال السنتين الماضيتين بسبب إغلاق الدول الاوربية لحدودها مع اليونان في وجه اللاجئين والاتفاق الأوروبي التركي 2016 الذي يقضي بإعادة من يعبر الحدود بطريقة غير شرعية إلى تركيا مقابل تعهد الاتحاد الأوروبي باستقبال لاجئ مقابل كل لاجئ يتم إعادته والالتزام بدفع 6 مليارات كمساعدات لتركيا لتغطية احتياجات اللاجئين، لكن الاتفاق بات من الواضح أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة بسبب الفشل في تطبيق بنوده الجوهريه، جاءت موجة الهجرة الأخيرة لتدق آخر مسمار في نعشه، ولكي نعلم الأسباب وراء هذه الموجه علينا أن نعلم جنسيات المهاجرين ولماذا يهاجرون؟ معظم الاجئين هم سوريون كانوا يعيشون في تركيا ولبنان والداخل السوري لكن جلهم كان يعيش في تركيا ولم يفكروا بالهجرة من قبل لكنهم اختاروا الهجرة في هذا التوقيت لمجموعة أسباب ومن أهمها:

بالنسبة للقادمين من الداخل السوري: هو الهجمة الأخيرة التي قامت بها روسيا وإيران والنظام السوري والمليشيات المساندة له على آخر معاقل المعارضة في إدلب وهي المنطقة الوحيدة التي يتجمع فيها مئات الآلاف من المعارضين والمطلوبين للنظام السوري مع عائلاتهم، حيث يتخوف هؤلاء من عمليات انتقام كبرى ومذابح ستطالهم كما حصل في المناطق التي سيطر عليها سابقا إن استطاع النظام السوري السيطرة على هذه المناطق.

هؤلاء قرروا الهجرة بعد حالة من اليأس انتابتهم وشعورهم بأن المعركة تسير في صالح النظام وحلفائه من الروس والإيرانيين بتواطؤ غير معلن من المجتمع الدولي الذي بدا عاجزًا أو متعاجزًا عن إيقاف المذابح المتنقلة على الأرض السورية على مدار ثماني سنوات متواصلة التي نتج عنها مقتل مئات الآلاف واعتقال وفقدان مئات الآلاف وتهجير الملايين، بالنسبة للوضع في لبنان. فلا يخفى على أحد سوء وتردي الأوضاع بالنسبة للسوريين فالعنصرية تجلت بأقبح مظاهرها في لبنان خاصة بعد استلام الرئيس ميشال عون المعروف بعنصريته وكرهه للاجئين مقاليد الرئاسة اللبنانية.

ولم يتوقف الأمر على هذا النحو بل أقدمت الحكومة اللبنانية على عمليات ترحيل قسري لبعض الشباب السوريين المطلوبين والمنشقين عن قوات النظام السوري وقامت بتسليمهم لمخابرات النظام عبر المعابر الحدودية بحجة عدم امتلاكهم لأوراق تمنحهم حق الإقامة القانونية في لبنان! رغم أن مئات الآلاف من السوريين في لبنان لا يملكونها، ما جعل حالة من الرعب تدب في أوساط اللاجئين حيث قام الكثير منهم – بعد هذه الممارسات من قبل الحكومة وأجهزة الأمن اللبنانية – بمغادرة لبنان والتوجه إلى تركيا ومنها إلى اليونان رغم أن الكثير منهم كان يعيش في لبنان لعدة سنوات.

بالنسبة للوضع في تركيا التي يتواجد فيها ما يقارب ثلاثة ملايين سوري، فالوضع بات لا يقل سوءا عن لبنان، حيث أدت عدة أسباب على إقدام الكثير من السوريين على مغادرتها بطريقة غير شرعية، رغم أن أكثرهم كان يعيش لسنوات في تركيا و يجيد اللغة التركية وقد اندمج فعلا في المجتمع التركيا ومن هذه الأسباب:

1- الحملات العنصرية قبل وأثناء وبعد الانتخابات البلدية التركية الأخيرة، حيث قامت وللأسف الأحزاب التركية المتنافسة باستخدام ورقة اللاجئين للمزايدة في ما بين بعضها البعض مما أدى إلى ازدياد الحملات العنصرية ضد السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الوعي الجمعي للأتراك، ونتج عن ذلك حالات تكسير وتخريب وحرق وضرب للسوريين وممتلكاتهم في بعض الولايات وخاصة إسطنبول.

2-قيام الحكومة التركية بعمليات ترحيل كبرى إلى الداخل السوري، خاصة في العاصمة إسطنبول التي يعيش فيها اكثر من نصف مليون سوري بحجة عدم امتلاكهم كملك «بطاقة حماية مؤقته تمنحها تركيا للسوريين» رغم أن بلدية إسطنبول أوقفت منح تلك البطاقات منذ عامين!

3- اغلاق المحال والمطاعم السورية التي تحمل أسماء عربية وتشديد الخناق على العمال السوريين وطلب تراخيص عمل منهم وفرض غرامات على أرباب العمل الأتراك الذين يوظفونهم بدون تلك التراخيص، رغم أنهم كانوا يعملون ولسنوات بدون تلك التراخيص وبعلم الحكومة التركية.

4- طلب السلطات التركية لإذن سفر لكل سوري يرغب بالسفر من ولاية إلى أخرى، ويكون الإذن لعدة أيام فقط وفرض غرامات عليهم وعلى من يقلهم بدون تلك الأوراق.

5- سعي أنقرة لترحيل أكبر عدد من السوريين لإنشاء ما تسميها «المنطقة الأمنة» وهي في الواقع لا تعدو كونها منطقة آمنة للأتراك أكثر منها للسوررين، حيث تكشف الخرائط أن هدف هذه المنطقة هو إنشاء شريط ديمغرافي من العرب السنة على طول الحدود التركية السورية لعزل أكراد سوريا عن أكراد تركيا.

6- تهاون السلطات التركية في مكافحة الهجرة غير الشرعية لسببين الأول: هو ابتزاز الاتحاد الأوربي لحمله على تقديم مليارات الدولارات تزعم أنقره بأنها تنفقها على اللاجئين واحتياجتهم، حيث هدد المسؤولون الأتراك بفتح باب الهجرة باتجاه أوروبا إذا لم تف بتعهداتها المالية لتركيا أما السبب الثاني: فهو حمل الاتحاد الأوروبي على دعم «المنطقة الأمنة» لحشر اللاجئين فيها بدلا من استقبالهم.

كل هذه الأسباب وأكثر دفعت الكثيرين إلى مغادرة تركيا رغم أن الكثيرين عبر عن حبه لتركيا تماما مثل حبه لوطنه الأم سوريا. بالعموم فإن موضوع الهجرة موضوع شائك وطويل، لكن في المجمل كانت هذه أهم الأسباب المؤدية إلى موجة الهجرة الأخيرة التي لا يبدو لها حل في القريب العاجل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات