كيف نفهم عودة طالبان للسيطرة مرة أخري؟

تصدرت الأحداث في أفغانستان عناوين وكالات الأنباء العالمية، ومع ظهور سيطرة طالبان على القصر الرئاسي في كابول عاصمة أفغانستان، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عن الأحداث هناك بين مهاجم ومدافع، وبين مخطئ ومصيب، وبين ساعي للفهم ومطلق الأحكام بلا مرجعية، وسوف نسعى من خلال السطور التالية فهم الأحداث وتسلسلها.

في البداية نشأت طالبان في إقليم (قندهار) جنوب غرب أفغانستان، بالقرب من الحدود مع الجارة باكستان، على يد المؤسس الملا محمد عمر عام 1994، وقامت الحركة ببناء قاعدتها العسكرية سريعًا، وأصبحت تبسط سيطرتها على أراض واسعة من أفغانستان في فترة قصيرة، إلى أن أصبحت الحركة معترفًا بها من قبل دول العالم في الخامس والعشرين من مايو (أيار) عام 1997، وكانت باكستان، والسعودية، والإمارات، أول الدول التي اعترفت بحكومة طالبان، ثم سحبت الدول اعترافاتها لاحقًا باستثناء باكستان التي ظلت الدولة الوحيدة التي تعترف بحكومة طالبان حتى الهجوم الأمريكي على أفغانستان في أكتوبر (تشرين الأول) 2001، وكان هذا بعد الهجوم الانتحاري على مباني التجارة الدوليه والبنتاجون في أمريكا في التاسع من سبتمبر (أيلول) من عام 2001.

ومع بداية الهجوم الأمريكي على أفغانستان ومطاردة قوات طالبان المسلحة، اتخذت طالبان من الجبال مقراتها ومعسكراتها التي باتت هي القاعدة التي تشن منها هجماتها على مختلف المناطق في أفغانستان، وظلت الحرب قائمة بين طالبان من جهة وتحالف القوات الأمريكية والدول الأخرى من جهة حتى عام 2010، حيث بات الحديث مختلفًا بعد ذلك، وتصاعدت الأحاديث عن الحلول السياسية، حتى سمحت قطر للحركة بفتح مكتبا لها في الدوحة تمهيدًا لإيجاد حل للنزاع في أفغانستان، وقد تم التوصل لمسودة اتفاق بين طالبان والولايات المتحدة بعد الجولة الرابعة من المباحثات والتي عقدت في الدوحة يناير (كانون الثاني) 2019، وتضمن الاتفاق انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان، وعدم استخدام أي تنظيمات إرهابية للبلاد كقاعدة.

وفي أبريل (نيسان) 2021 أعلن الرئيس الأمريكي جوبايدن أن قوات بلاده ستبدأ بالخروج من أفغانستان في الأول من مايو من نفس العام، وما أن خرجت القوات الأجنبية من أفغانستان حتى بدأت طالبان بشن هجماتها على القوات الحكومية في ولاية هلمند الجنوبية ، وبدأت الحركة ببسط السيطرة على العديد من الولايات حتى أعلنت طالبان سيطرتها الكاملة على أفغانستان من القصر الرئاسي بكابول في 15 من أغسطس (آب) عام 2021.

وبعد هذا السرد المختصر لأهم الأحداث التي كان لها التأثير للوصول لتلك النقطة، يتوجب علينا أن نطلق بعض الأسئلة، ومحاولة الوصول إلى إجابات لفهم ما سيحدث في المستقبل، أبرزها هو لماذا سمحت أمريكا بعد 20 عامًا من القتال لعودة طالبان للسيطرة على أفغانستان مرة أخرى؟ وكيف ستتعامل طالبان مع الداخل والخارج في ضوء التطورات الإقليمية في المنطقة؟ وهل هناك دور مرسوم للحركة تحت المظلة الأمريكية؟ وكيف ستتعامل الصين وإيران كأحد أبرز دول الجوار ذات العداء مع أمريكا؟

ولعل الإشارات التي أرسلتها طالبان عبر ما تصرح به الحركة عن حكومة توافقية بينها وبين الأطراف الأخرى، وتغير فكر طالبان في التعامل مع العالم الخارجي، وحوارها مع حكام الولايات في أفغانستان لتسليمها دون قتال، وحتى الآن تتعامل طالبان بنوع من العقلانية متلازمًا مع فرض السيطرة على الأمور، وظهور المتحدث الرسمي للحركة عبر وسائل الإعلام العالمية لتأكيد على تغير نمط الفكر الطالباني.

ولعل التغيير الجديد الذي طرأ على الموقف الأمريكي بعد بلوغ بايدن البيت الأبيض وإعادة ترتيب العالم بشكل يضمن بقاء أمريكا على قمة العالم، وبعيدًا عن العنجهية التي كانت ينتهجها سابقة، والتي أدت إلى فقدان الكثير من الهيبة الأمريكية لصالح بعض الدول الساعية للسيطرة، كانت الرؤية الأمريكية للوضع في أفغانستان بأنه بات يشكل حملًا ثقيلًا ومستنزفًا للمقدرات المالية واللوجستية، بالإضافة إلى حتمية الاعتراف بالهزيمة هناك، وأن تشكيل حليف قوي على الأرض يحمي المصالح الأمريكية في أفغانستان، وفي المنطقة كلها، بالإضافة إلى تجاور أفغانستان مع الصين، فالتوظيف الأمريكي لطالبان لا يحمل تأويلًا، إلا أن سيناريوهات التعاطي من جهة طالبان هي الباعث للتفكير والمراقبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد