تتجه طرائق وأساليب التعليم الحديثة إلى هامشية دور المعلم، وتحويله إلى ميسِّر للعملية التعليمية بحيث يشرف على ضبط القاعة الصفية وتهيئة الأجواء للتعليم، بينما يعتمد الطالب على نفسه في الوصول إلى المعلومة من خلال شبكة الإنترنت أو المكتبات الإلكترونية المخزنة ضمن حواسيب الفصل، أو من خلال مكتبة المدرسة، وقد يتدخل المدرس في بعض الحالات للإجابة عن استفسار أو المساعدة في فهم أمر أو توضيح مسألة.

ومع ما لهذا الأسلوب في التعليم من فاعلية في إطلاق ممكنات الطالب، ودفعه نحو التفكير الإبداعي، ونقله من التلقين المجرد إلى الاجتهاد والبحث للوصول إلى المعلومة، وتحرير عقله من التلقي ليكون باحثًا مبدعًا يطلع على وجهات النظر المختلفة ويناقشها للوصول إلى الحقيقة، إلا أن هناك جملة من الأمور التي من المهم الإشارة إليها عندما نلجأ إلى مثل هذه الطرائق والأساليب في التعليم.

أولًا: ليس هناك معيار للحقيقة في ذهن الطالب، فهو يبحث عن المعلومة ليؤسس بها نوعًا من المعرفة يسبقه جهل وعدم دراية واطلاع، ولذلك فقد يلتبس الصواب بالخطأ، وقد يصل إلى معلومات غير صحيحة دون أن يتأكد من صحتها أو دقة مصدرها، وهنا يظهر الدور المهم للمدرس – والذي من المفترض أن يكون متمكنًا من اختصاصه ذا ثقافة واطلاع واسع وخبرة جيدة – ليوضح للطالب ما غاب عنه من تفاصيل، وليقوم بتوجيهه للوصول إلى الصواب، وهذا لا يتأتى إلا من خلال الدور الفاعل للمدرس بحيث يكون أحد أهم المحاور في العملية التعليمية، فيناقش الفكرة وما يعرض لها ويحاور الطالب ويجيب عن أسئلته واستفساراته، ولذلك لا يمكن أن يكون دور المعلم هامشيًّا في العملية التعليمية التأسيسية بل هو دور محوري مهم لا يمكن تقييده أو الاستغناء عنه.

نعم يمكن للطالب في المرحلة الجامعية وما بعدها أن يخوض غمار البحث، وأن يحلل المعلومات للوصول إلى نتائج معينة لكن بعد أن يكون قد امتلك الأدوات وتمكن من أصول المعرفة خلال دراسته في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية.

ثانيًا: يعدُّ المعلم أحد أهم المصادر في بناء منظومة السلوك والقيم لدى الطالب، فهو ينظر إلى معلمه على أنه قدوة وأسوة لا يختلف في مقامه عن مقام الوالدين، وكما يعتني الآباء والأمهات بتربية أبنائهم فإن المعلم يشاركهم مشاركةً حقيقيةً فاعلةً في بناء هذه التربية من النواحي النفسية والسلوكية والأخلاقية، ولذلك قيل للإسكندر المقدوني ذات يوم لماذا تعظم معلمك أكثر من والدك؟ فقال: لأن والدي هو سبب حياتي الفانية ومعلمي هو سبب حياتي الباقية.

إن الكثير من المعلمين الموهوبين لهم دور عظيم في تفجير الطاقات الكامنة لدى بعض الطلاب، ولفت أنظارهم إلى أهمية التفكير بالمستقبل، وتحديد الهدف، ورسم الخطط للوصول إلى تحقيقه، وقد اعتنت الثقافة الإسلامية عنايةً فائقةً منذ عصورها الأولى في العملية التعليمية وبيان طبيعة العلاقة بين المعلم والمتعلم وتوضيح آدابها وقيمها وما يتعلق بها، ومنها على سبيل المثال كتاب «أخلاق العلماء» للآجريّ البغدادي (ت: 360هـ) ومنها كتاب «آداب العالم والمتعلم» للإمام النووي (ت: 676هـ) وكتاب «تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم» للقاضي بدر الدين الكتاني المعروف بابن جماعة (ت: 723هـ)، وكتاب «أدب الطلب ومنتهى الأرب» للإمام الشوكاني (ت: 1244هـ)، وغيرها الكثير من الكتب والأبواب التي جاءت ضمن كتب شروح الحديث وكتب التربية والسلوك والآداب، وكلها تشير إلى أهمية دور المعلم في تهذيب أخلاق الطالب وتكوين سلوكه، وعندما يتحول إلى مجرد ميسِّر للمادة فسوف تصل المعرفة إلى الطالب مجردة من أهدافها السلوكية والأخلاقية التي تصل إلى الطالب من خلال ارتباطه بالمعلم الصادق، والتأثر بأخلاقه وسلوكه، والإصغاء إلى إرشاداته ونصائحه.

ثالثًا: من المهم أن يدرك المعلم خاصة في مجال العلوم الإنسانية كالدين والتاريخ أن الطريقة الإلقائية طريقة غير فاعلة، فعندما يتكلم المعلم طويلاً بينما يستمع الطالب فإنه لن يصل إلا إلى القليل من المعلومات ولن يمتلك شيئًا من المهارات، بينما تؤدي الطريقة الحوارية إلى ترسيخ المعلومات لدى الطالب وإثارة تفكيره، وتمكينه من مهارات متعددة كالمناقشة والحوار والعصف الذهني والبحث والتحليل، ولهذا فإن العملية التعليمية الفاعلة هي عملية تشاركية بين المعلم والمتعلم.

رابعًا: لعل من الضروري الاهتمام بثقافة المعلم وتطوير خبرته، وقياس مدى إحاطته بما يخص الجانب النفسي والسلوكي والأخلاقي، ليكون مرشدًا تربويًّا فاعلًا، وإن الكثير من وزارات التربية في الدول العربية لا تعنى بثقافة المدرس ومستواه العلمي بعد توظيفه، وإنما يقتصر التقييم من قبل الموجهين التربويين على الأداء، بينما تقوم بعض الدول بقياس مستوى المدرسين من خلال إجراء اختبارات علمية وتربوية دورية بحيث ينتقل الذين لا ينجحون في هذه الاختبارات إلى الأعمال الإدارية.

ومع هذه الإضاءات السريعة التي حاولنا أن نشير إليها في هذه المقالة، فإنه تجدر الإشارة إلى ضرورة بذل جهود أكبر في تطوير تعليمنا العربي في كل من الأهداف والمناهج وطرائق وأساليب التعليم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد