قاعدة تربينا عليها وصارت من البدهيات في مخيالنا، لكن دعونا نقف قليلًا ونطرح السؤال: هل الإسلام فعلًا يصلح لكل زمان ومكان؟

إن هذه الجملة التي باتت إحدى قواعد العمق بالفكر الإسلامي حديثة المبنى والمعنى، فلم يتطرق – بحسب علمي – أحد من فقهاء وعلماء الإسلام قبل سقوط الخلافة لهذا المعنى، إنما صارت قاعدة بعد الانتباه لضرورة عودة الخلافة بُعيد سقوطها، فبدأت ربما مع سيد قطب، رحمه الله، إذ يقول بتفسيره: «إنّ هذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي في مكان معيَّن، وإنما جاء منهجًا مطلقًا خارجًا عن قيود الزمان والمكان، منهجًا تتخذه الجماعة المسلمة حيثما كانت في مثل الموقف الذي نزل فيه القرآن».
حسنًا، فلنُحرر المصطلحات كي نفهم المسألة بتروٍّ، فالكلام العام لا يبني فهما، إنما يمسخ الفكرة ولعله يمحوها من حيث هو يبني، كيف ذلك؟

أولًا: ما هو الإسلام الذي نصفه بالصلاحية؟ الإسلام أربعة أقسام: عقيدة، وأحكام، وأخلاق، ومعاملات، كما يقرر سيد سابق بفقه السنة، والعقيدة مبناها على التوحيد، لكنها بحالة تشظٍّ كبير بمقاربة فهم الكون وخالقه، فاختلف المسلمون بصفات الله وقِدم الكون والعلاقة مع القَدر، نحن أمام حالة فكرية يؤسس لها الإسلام لكنه لا يُعطي القطع حول كثير من المفاهيم، ما موقف عقيدة الإسلام من فكرة الكمومية، والنسبية، والسفر عبر الزمن بسرعة الضوء، والبعد الرابع، وتعدد الأكوان، وغيرها من القضايا الفيزيائية التي صبغت العقل المعاصر، وتجاوزت العقلية القديمة القائمة على بساطة الكون ووحدانية الأرض بهذا الفضاء لنراها جزءًا لا يكاد يبين بالكون الفسيح، إذا نحن لا نجد قراءة قطعية للكون لا من القرآن ولا من صحيح السنة، بل المفاهيم مجملة تحتمل التأويل، والتأويل لا يُعطي الحقيقة المطلقة ولو سعى إليها.

أما التشريعات التعبدية أو الأحكام، فلعلها الشيء الثابت رغم كل الاختلافات الفقهية، فالصلاة والصيام والزكاة والحج، طقوس يمكن تطبيقها بكل زمان ومكان، على الأقل بحسب الاستطاعة كما يبين القرآن «اتقوا الله ما استطعتم»، والعبادات لا تخلو منها ديانة وأمة، ولا يضيرها الثبات والتطور، كما أنه ليس بمجملها رُكن يُعتمد عليه للصلاحية العالمية لما تقدم.

وأما المعاملات المادية وغيرها، فهي متشظية اليوم إضافة لتنوعها عما كانت عليها؛ مما يجعل المساحة كبيرة للاتكال على قواعد وأصول مقاصدية للبناء المعرفي إضافة للقياس بوصفه مصدرًا فقهيًّا للتعامل يتجاوز النص الديني بأشواط، ولعلنا نُقرر هنا أن هذا «المصدر» تعايشي تقيمي للواقع ليس إلا، وليس مُبدعًا خلاقًا، وهذا القصور بالعقلية المسلمة لعله نابع من القصور العام للأمة كلها، فمن البنوك والعلاقة مع الربا التي اختلفت عما كانت عليه سابقًا، إلى فقدان كثير من الواقع القديم المبني على ثقافة الدولة الإمبراطورية والاقتصاد الريعي أو الإقطاعي ولو بشكل مختلف عما عرفه الغرب من إقطاع، مرورًا بتغير جذري بمبنى العلاقات الاجتماعية من انتهاء الرق إلى عصر الدولة الحديثة وسقوط فكرة دولة الكفر والإسلام، إلى العملات الورقية ثم الرقمية، إلى المجتمع المدني وثقافة حقوق الإنسان التي لم تكن معهودة سابقًا.. إلخ.

وبالتالي نحن نعيش بعالم متغير جذريًّا عما سبق، وصارت معه المعاملات الاقتصادية كما السياسية مختلفة عما عرفه العالم السابق وفقهاؤه، صحيح أن العقلية الفقهية استطاعت تأسيس ما سُمي بأصول الفقه، لكن حتى هذه الأصول مرت بمراحل غيرته جذريًّا، كالأخذ بالقياس أو عدمه، والاستحسان الذي كان سببًا لصراع فقهي كبير بين الشافعية والحنفية، مرورًا إلى فكرة المقاصد التي ابتدعها الشاطبي وأحياها ابن عاشور رحمهما الله، ونحن اليوم نرى محاولات إقحام فقه اللسنيات بعلم أصول الفقه وغيرها من العلوم التي لا بد ستُغير الأصول القديمة، صحيح أن هذه العقلية استطاعت تجاوز ثبات النص الديني، لكن ذلك لا يُعطي للصلاحية الإسلامية بُعدًا مُقدسًا، فلا كهنوت بالإسلام لنزعم أن هذه الاجتهادات استمرارٌ لدين الله، إنما كل الفقهاء مجمعون على أن اجتهاداتهم مجرد مقاربة ليس إلا لفهم وإعمال النص الديني قرآنًا وسنة.

فينقل ابن عابدين بحاشيته عن الإمام الأعظم أبي حنيفة، رحمه الله، قوله:«إننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا». وفي رواية أخرى:«ويحك يا يعقوب (هو أبو يوسف تلميذه) لا تكتب كل ما تسمع مني فإني قد أرى الرأي اليوم وأتركه غدًا، وأرى الرأي غدًا وأتركه بعد غد»، ولعل ابن قيم بإعلام الموقعين حين ينقل عن ابن حنبل يؤسس لهذه النظرة النسبية والتي لا حتمية فيها، فيقول أحمد رحمه الله:«لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا».

نأتي بعد ذلك لقضية الأخلاق التي يبنيها الإسلام، لنجدها موجودة بكل الثقافات العالمية، وبكل تأكيد رغم كل الاختلافات التي لا تُعد جوهرية فإن سبب وحدة الأخلاق بالعالم لعله يعود لسلسلة الأنبياء والفلاسفة والمفكرين الطويلة التي مرت على البشرية وأفرزت حالة من وحدة الوعي الثقافية.

إذًا أي إسلام نقصد عندما نقول إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان؟ نحتاج فك الاشتباك هنا.

يقول البعض إن الإسلام بما فيه من اجتهادات جعلته متطورًا، لكننا نرى اليهودية والمسيحية وغيرها وهي أقدم من الإسلام وقد جددها أتباعها وطوروها وجعلوها صالحة لزمانها ومكانها! إذًا القضية ليست حكرًا على الإسلام نفسه.

لكن قد يُجاب بأن الصلاحية معيارية وليست وجودية، بمعنى أن الإسلام يُصلِح البشرية وليس غيره، لكن أليس إصلاح الإسلام للبشرية نابع من اجتهادات بشرية لأتباعه؟ وبالتالي لكل اجتهاد أخطاء وتجارب وتراكم، إذًا نحن نرى ذلك كله بالأمم الأخرى، حتى الصين استطاعات المزاوجة بين العصرنة والشمولية، فأين الإصلاح الموجود عندنا والمفقود عند غيرنا إن كانت صفاته البشرية من خطأ وتجربة وتراكمية مستغرقة لدى الجميع؟!.

لكن لماذا لا نعود للجملة ذاتها، هل هي صحيحة؟ لماذا نبحث عن نكهة اللون حين يسألنا بعضهم: ما طعم اللون الأزرق؟ هل هو حامض أم حلو؟

لماذا لا نهجم على السؤال ونقول إن السؤال مغلوط، فاللون لا يمكن للسان استذواقه، إذًا هل من مهمة الإسلام أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان؟ فكل شيء يصلح لكل زمان ومكان، كل فكرة، وكل دين حق أو باطل، الإنسان يستطيع التكيف حتى مع أكثر المفاهيم تفاهة وسخافة، ليس بالأمر شأو ولا قدسية.. لماذا الإصرار إذًا على هذه القاعدة، أو الخرافة التي جعلناها قاعدة؟

الإسلام ليس مهمته أن يكون صالحًا لكل زمان ومكان، تلك مهمة الإنسان نفسه أن يعيش ابن زمانه ومكانه ويخلق التكيف القابل للتقدم والتطور نحو الأفضل، فالعقل البشري وحده من عليه فهم الكون، وبعبارة جريئة (فهم خالق الكون)، محاولة التعلم والاستزادة، أما الإسلام فلا يُقدم هذا الجهد، وليست مهمته. الإسلام رسالة إلهية تدعو لمكارم الأخلاق العامة، وتمنع سيئها فقط، تدعو للحقيقة الكبرى البسيطة غير المركبة، فلا خالق إلا الله، والله يعلم الماضي والحاضر والمستقبل، أما كيف نفهم ذلك فهو جهدنا نحو الفهم.. ومن هنا قوته الإنسانوية، تلك القوة التي جعلت أبا سفيان يستسلم لحجة جعفر أمام النجاشي، كما يروي ابن إسحاق بسيرته: «… فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام.. فصدقناه وآمنا به».

إذًا ليس بالإسلام تفاصيل ليس علينا إلا تطبيقها دون إعمال عقل، نفذ ولا تُناقش، بل كله قائم على العقل ومقاربة فهم الواقع من جهة، وفهم النص الديني من جانب آخر.

كما أن التشريعات عبادية أو حتى مُعاملاتية أو سياسية مبنية على مقاصد أخلاقية وعِلل ترتبط بالأحكام وجودًا وعدمًا كما قرر الأصوليون.

المشكلة أن المخيال الإسلامي اليوم مبني على بدهيات غير ضرورية، بل تعطي العقل المسلم حجة لصراع دونكشوتي غير ذي جدوى، والحق أن الصراع بمكان آخر، حيث يجب أن نبني الإنسان، ونؤسس لثقافة الحرية السياسية والبشرية، نؤسس لثقافة التعددية التي جاء بها الإسلام مُحذرًا من ضدها ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ* مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ ( الروم 31- 32)، ونعلي من كرامة الإنسان التي هي المقصد الأسمى للإسلام، «كلكم لآدم وآدم من تراب» فلا عنصرية ولا كهنوتية ولا قدسية لبشر ولا حاكم ولا طاغية، أن نكسر كل صنم ووثن من الجهل والخرافات التي تحجب توحيد الله من العقول، بدل الدخول بجدال جهله لا يضر والعلم به لا ينفع إن تركنا عمق الإسلام وأسه واساسه.

﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحديد 9).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد