إن من العجيب أن تتأثر شخصية كل منّا بإنسان آخر قد يبعد عنا آلاف الأميال، وربما لا يعلم عن وجودنا على الإطلاق، هذا الشخص الذي تختاره أنت يُسمى القُدوة، أو المثل الأعلى. وتختلف القدوة بكل تأكيد باختلاف الأشخاص والظروف والمجالات والمعتقدات. فكل منّا تتحكم بشخصيته بعض عناصر التكوين، كالبيئة المحيطة، والدين، والعادات الاجتماعية، والتأثر الحضاري والتاريخي، وعادات الأهل والمقربين، إيجابيةُ كانت أم سلبيه، لكن العنصر الأهم من بين كل تلك العناصر هو عنصر العصبية القبلية. فلو كنت طبيبًا ستفرح بالعطاءات المعطاه للأطباء وتحث عليها حتى لو كثرت، أما لو كنت ممثلًا أو مغنيًا فستشجع على أن يكون الممثلون والفنانون هم الأعلى شأنًا بين الكل. أما يا سيدي لو أنك من التجار أو المزارعين أو أي فئةٍ كانت فستطلب وتطالب دائمًا بأن تعطى العطايا والمميزات الاجتماعيه لتلك الفئة التي تنتمي إليها، حتى وإن كان انتماءً لا يتعدى انتماء بالاسم فقط. أما إن كنت من لاعبي كرة القدم فسيخيل إليك أن مخترع كرة القدم أهم شأنًا من مخترعي الطائرات والسفن والبنسلين، ومكتشف الجاذبية والكهرباء وغيرهم، وهنا بالتحديد تكمن المشكلة، فكل منا يتعصب لما هو جزء منه، حتى وإن كانت لعبة لا معنى لها، من شأنها أن تدخل السرور على قلوب البعض أحيانًا، والمتاعب النفسية والجسدية لآخرين. لكن عندما تتحول اللعبة إلى مسبب للبؤس والحزن والتعلق والقلق؛ فقد وجب التنوية وتسليط الضوء عليها؛ حتى لا ننسى أو نتناسى حقيقتها.

جذور كرة القدم

جذور تلك اللعبة بالتحديد تمتد لأن تكون أحد أهم الرموز والألعاب التي وُجدت نقوشها على جدران المعابد قديمًا في مختلف الحضارات، فوجود الحضارات السابقة وما عرفته من شغف وحب للحركة كان سببًا رئيسًا في وصول تلك اللعبة إلينا وغيرها من الألعاب الفردية أو الجماعية.

فكرة القدم ليست وليدة عشرات الأعوام، بل ستكتشف بالبحث أن تاريخها يعود إلى 2400 عام تقريبًا، وبالتحديد فيما يعرف حالياً بالمكسيك «شعب المايا»، فقد كان سكانها قديمًا يمارسون اللعبة بالخصر وليس بالأقدام، فلم يكن يُسمح لأي لاعب أن يمس الكرة إلا بخصره فقط. كما أن الكرة قد كانت مصنوعة من مادة مطاطية كأول تصوير للعبة جماعية. لكن المؤسف هو أن أكثر الخاسرين كان يُقدَّم قربانًا للآلهة؛ فكانت تلك اللعبة، ومنذ اليوم الأول، مدعاة وأداة للقتل والتضحية وإراقة الدماء.

فقد كانوا يفعلون ذلك اعتقادًا منهم أن الكرة هي رمز للشمس وخصوبتها وطاقتها الهائلة. كما أن الاعتقاد السائد بأن اللعبة قد انتقلت بين الجيوش والحملات التجارية بين القارات المختلفة، وصولًا إلى الصين بآسيا، حيث كانت وما زالت تُسمى «تذو تشيو» 136 ق.م، لكن الصينيين كانوا في هذا المجال أكثر تسامحًا من غيرهم، فقد ذكر اللعبة بعض الشعراء في أشعارهم كتصوير للعبة قائلًا: الكرة مستديرة والملعب مربع، ترتفع الكرة كالشمس بين رؤوسنا بينما يتواجه الفريقان. أما في اليابان فعرفت بالكاماري، ويرجع تاريخها في اليابان لما يزيد عن 1400 عام. ويستدل بعضهم على ذلك بأنها قد نقلت من الصين إلى اليابان مع البوذية. وكانت ممارسة اللعبة تعتمد اعتمادًا كليًّا على النشاط الثقافي فقط.

أما الرومان، وكما هو معلوم، فقد كانت الألعاب عندهم تعد حروبًا وشجاعة، وكان من الطبيعي جدًّا أن تنتهي بالقتل، فكان مشجعو كل فريق يقتلون مشجعي الخصوم في صورة دموية، لكن الكرة لم تستخدم عن الرومان كلعبة بقدر ما كانت للتدريبات العسكرية والتحمية؛ فكانت تُسمى الهاريستوم، وعلى الغالب أنهم قد أخذوها من الرومان، ومن هنا انتقلت اللعبة إلى بريطانيا خلال الاحتلال الروماني. ثم بعد ألف عام تقريبًا من إجلاء الرومان ظهرت ألعاب كروية عديدة، من أهمها لعبة كرة القدم الشعبية التي لم تكن تمارس سوى في أيام الوثنيين، أيام الميلاد، أو رأس السنة، ومظاهرها كانت فذة تُدمي القلب، إذ إن الكرة قد كانت رؤوس الموتى من البشر، ولك أن تقرأ عن تاريخ مدينة كوركويل البريطانية لتقف على حقيقة الأمر المفزعة. ومن البديهي أن عدد الذين فقدوا أرواحهم بسبب تلك اللعبة العنيفة غني عن الذكر، وفي إيطاليا كانت تعتمد اعتمادًا كليًّا على الطبقية الاجتماعية، وخاصة في فلورانسا التي تتأصل بها كرة القدم.

فالإنجليز قد منعوها اعتقادًا منهم أنها لعبة لا تناسب قيام دولة أو مجتمع حضاري، وقد حاربها الملك إدوارد الثاني عام 1314م لشدة عنفها وعدها مسببًا أساسيًّا للضوضاء، أما هنري الخامس وهنري الثامن فقد منعوها في كل المدن والأحياء، ليأتي دور الدين والكنيسة في عام 1952م بمبدأ العقل السليم في الجسم السليم، واعتمدت الرجبي وكرة القدم من الألعاب الشعبية في إطار الممارسة السوية.

التاريخ الدامي لكرة القدم

لن يتسع المقام للوقوف على التاريخ الدامي لكرة القدم جملة وتفصيلًا؛ لذا سأتوقف على أهم الأحداث التي أثرت في دول عدة وكان لها النصيب الأعظم من الذاكرة.

1- بيرو والأرجنتين عام 1964، مقتل 328 شخصًا في الملعب الوطني بالعاصمة نتيجة هيجان الجماهير إثر خطأ تحكيمي.
2- كلاسيكو رينجرز وسيلتك عام 1971، انتهت المباراة بمقتل 66 مشجعًا.
3- الهندوراس والسلفادور انتهت بمقتل 10 آلاف شخص نتيجة حرب نشأت بين الدولتين استمرت ستة أيام عام 1970م ،ولم تهدأ الحرب إلا بعد تدخل القوات الأمريكية.
4- كارثة هايسيل 1985، أدت إلى مقتل 39 شخصًا وإصابة 600 آخرين بسبب العداء المتوارث بين الجماهير الإيطالية والإنجليزية، وكانت المباراة بين ليفربول ويوفينتوس في ملعب هايسيل ببلجيكا.
5-هارتس وكوتوكو أدت إلى مقتل 127 شخصًا عام 2001؛ نتيجة لاشتباك الأمن مع مشجعي الفريق الخاسر.
6- مجزرة مباراة الأهلي والمصري عام 2012 التي أدت إلى مقتل 74 مشجعًا، والتي تعد أكبر كارثة في تاريخ الكرة المصرية.
7- تمادى التاريخ الدامي ليصل بالكرة المصرية إلى تاريخ دام على المستوى الدولي مع الجزائر، نتيجة مباراة أم درمان، والذي صُحب بتغطية إعلامية مسيئة للجانبين كانت تشجع على القطيعة والعداء.

وغير ذلك لكثير من المباريات التي أودت بحيوات الكثير والكثير من الناس، والسبب لعبة لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

تعقيب

أما الآن وبعيدًا عن كل تلك الأموال التي تُجمع وتنفق على تلك اللعبة وممارساتها، وعلى تأثيرها في نفوس من يشجعونها بين الفرح حينًا، والحزن والانكسار أحيانًا أخرى، وحتى لو كانت هذه اللعبة هي ركيزة أساسية وجزءًا لا يتجزأ من اقتصاد بعض الدول كالبرازيل في وقت ليس ببعيد، فكل تلك الخيرات والأماني والهتافات والمنافسات والكؤوس تصبح رمادًا في مهب الريح عندما تزهق في سبيلها روح واحدة خلقها الله، ذلك لأن الله تعالى لما قال في كتابه الكريم «ومن يقتل نفسًا…».

لم يكن للنفس التي ذكرها الله تصنيف يحددها، كأن كانت نفسًا طائعة أو عاصية إن كانت عابدة أو مضيعة؛ ذلك لأن الدين الأول للبشرية هو دين الإنسانية.

لو لا قدر الله لقيت حتفك إرضاءً للفريق الذي تشجعه إثر إحدى المباريات فكيف ستلقى الله؛ لأنه ليس ببعيد أبدًا أن تصبح أنت أو أحد أصدقائك في مكان هؤلاء الذين فقدوا أرواحهم نتيجة للعنف والغضب في سبيل أشخاص وفرق لا تعلم حتى اسمك ولا تتأثر سلبًا بمصائبك بقدر ما تتأثر إيجابًا بمساندتك، فهم يلعبون يلعبون يلعبون ويمارسون هواياتهم ويتقاضون أعلى مبالغ في الدنيا، وعلى ماذا ومقابل ماذا، لا شيء، ليسوا بعلماء أو مفكرين، ليسوا بمبدعين أو ممن يسهلون على الناس حيواتهم بأي شكل من الأشكال. والأشد من ذلك أن تلك اللعبة هي من أهم أسباب قطيعة الرحم بين الأصدقاء والأقارب وسكان المنزل الواحد من الإخوة والآباء، أبربك يهون عليك أن تخسر أصحابك وأهلك بسبب العداوة التي تلحقها العصبية في نفسك. أفلا تعقلون؟

سلبيات تلك اللعبة

  • أنت تعرف اسم اللاعب وتاريخه، ومن أين يأتي، وكم هدفًا سجل، لكن اللاعب لا يعرف حتى من أنت.
  • أنت تعرف النادي وإنجازاته وشعاراته، لكنك لا تقوى على دخول النادي، ولا أحقية لك في ذلك دون دفع الاشتراك الذي قد يتجاوز كل ما قد تجمعه خلال 10 سنوات.
  • هم يلعبون ويحصلون الأموال وأنت تخسر أهلك ومالك ووقتك، وربما روحك دون مقابل.
  • زيادة العصبية الفئوية التي توقع العداء بين الناس، وأعتقد أننا جميعًا في غنى عن ذلك.
  • كلما أقبلت على تشجيع ما لا قيمة له يزداد ترفعه عنك؛ فكلما تعصبت أنت وغيرك تزداد أسعار التذاكر التي لا تقوى عليها، لكنك لو تركتها وأهملت وجودها لأصبحت في خدمتك، وهذا من باب إكرام النفس. وكما قال الشاعر: من ظن أنك دونه فاترك هواه إذن وهنه.
  • زيادة الإصابات النفسية، وترك آثار سلبية في نفس الكثير والكثير من الناس بعد كل خسارة، وهو ما يزرع البؤس في نفوس الشباب بلا سبب.
  • يعلم الشباب عن كرة القدم أكثر ما قد يعرف حتى عن دينه أو أركانه.
  • قد يصاب أحدهم إثر مشاجرة أو مشادة، ثم يأتي بعد ذلك يلوم الله على ما حدث له. أفلا يتفكرون؟
  • ماذا ستقول لله إن كان معظم حسابك يوم القيامة سبابًا ولعنات ومشادات ومشاحنات بسبب لعبة لم تكن حتى جزءًا منها؟

إن أكبر عصبية وفرقة بين المصريين ليست بين غني وفقير، أو مسلم ومسيحي، أو إخوان وسلفيين، أو رجال وسيدات، أو حتى شباب وعجائز ، بل إن أكبر فُرقة بين كل طوائف المجتمع هي «الأهلي والزمالك» فلا يخلو بيت من خصوم بسببهما.
تذكر أن كل ما تراه في التلفاز هو متعه زائفة أنت فيها السلعة والمشتري لها بوقتك، ومالك، ومجهودك، وعلاقاتك، متعة لا تتجاوز بضع دقائق لكنها قد تودي بحياة أحدهم في وقت ومكان آخر، لكن الكل سيسأل عن تلك الروح، وعليه ينطبق قول الله تعالى «وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)» العنكبوت. فهي لهو لمن يشجع، ولعب لمن يقضي حياته فقط في ممارستها، فهي لا تعود بالنفع على أحد، ولا يثاب على فعلها بشيء سوى بعض الأموال.

تدبر بالله عليك ماذا لو ركزت مجهودك وشغفك وحبك لتلك اللعبة على مجال آخر يعود بالنفع عليك وعلى من حولك، فكيف سيصبح حالك بعد عام؟
وأخيرًا فإن الكرة لعبة لمن يمارسها كرياضة تعود عليه بالنفع دون انفعال أو تشاحن، وليست لمن يشجعها أملًا في تضييع بعض الوقت لا أكثر، ظنًّا منه أنها من الرفاهيات أو من مُتع الحياة.
وسواء وصلتك فكرة هذا المقال أو لا، فهي في النهاية رأي شخصي ورسالةً سنسأل عنها جميعًا أمام الله.

فنسأل الله الهداية لنا ولكم، وأن يرزقنا وإياكم ما ينفعنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد