بالتأكيدِ تدور في أذهانكم الكثير من التساؤلات حول الكلماتِ التي يَتنطعُ بها المثقفون والأكاديميون والباحثون على الدوام، على أَلسنتهم، وتحتَ أقلامهم، وحولَ أفكارهم، لماذا هَذا التعقيد في التَلفظ؟ وهل نعتبرُ هذا غُرورًا وتحليةً للأفواهِ بكلماتٍ عصيةٍ على الفَهم أو تضليلًا وتمييعًا؟ سنرى.
بدايةً الموضوع لا يمكن حصره في معادلةٍ أو إحصائيةٍ ما، والأمرُ لا يعتمدُ فقط على حيثية من الحيثيات التي تَحكم مألات هذه الشاكلة، دائمًا أقول أن الواقع مركبٌ وتركيبه هذا يدفعُ الأشياءَ لأن تتصرف بتركيبةٍ معقدةٍ ومتداخلةِ الأسباب والعوارض، وبالتالي متباينة النتائج. لهذا لا يمكن أن يحصر هذا المقال ضمن سؤال «هل للمصطلحِ فائدة بغض النظر عَن الاستخدام الإنساني لها»! أو أن يدّعي أنها محض سُخرية من هؤلاء الذين يجلسون في أبراجهم العالية ويعيشون بعيدًا كل البعدِ عن الواقع المعاش ومشاكله. ببساطةٍ لا.

1. مقدمة في المصطلح/الاصطلاح

في الحقيقة المصطلح يُنتج بطريقةٍ مركبةٍ أكثر مما قد يَتخيله الناس، بالطبع لا تُصاغ المصطلحات في المعاجمِ لوحدها، ولا تُنحَتُ من تلقاءِ نَفسِها، بل تَمرُ بعملية تفاعلٍ إنساني وجهدٍ معرفي يبدأ برصدِ ظاهرة ما، ثم دراستها ووضعُ تَعريف يُعبر عَنها وعن هُمومها وأبعادها، وفي النهاية يوضع المصطلح كتتمة لعملية البناء المعرفي تلك ليعبر بدوره عن تلك الظَاهرة بشكلٍ أكثرَ دقة وحَساسية.

«خلافًا للرأي السائد، ليس المصطلح منفصلًا عن الحقلِ العِلمي الذي أَنتجه، ولا عن خلفيته العَميقة. كما أن الصِلة بين الاسمِ والمسمى ليسَ علاقةً غير لازمة، بل هي علاقةٌ عضوية تنم عن دينامية تطور اللغة ودينامية تطور البَحث العِلمي في آنٍ معًا»(1). فالأمر في بناء المصطلح واستخدامه يتم ليس عن طريق مراعاة العلاقة بين المفهوم واللغة فحسب، بل يتعدى إلى طرق صِياغة هذه المفاهيم وفقًا للبيئة الثقافية والسياسية والاجتماعية التي تُحيطها.
إذًا نستطيع الخلوص إلى أن المصطلح هو المعبرُ اللغوي عَن مفهومِ ما، وهو أيضًا ما اتفق على صياغتِه العُلماء ليدلَ على ذلكَ المفهوم، وأن العلاقةَ بَينَهُما كما ذَكرنا آنفًا هي علاقة عضوية بالضرورة (بين دالٍ ومدلول).

وهناكَ اشتغال وجهد كبيران صراحةً حول المصطلح وهو من العلوم الحديثة يسمى «المصطلحية» وهو يتفرع إلى قسمين أساسيين من الاشتغالات الأول هو علم المصطلح «Terminology» والثاني هو علمُ صناعةِ المصطلح «Terminography»، «الأول هو العِلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلميّة والمصطلحات اللغويّة، والثاني هو العمل الذي ينصب على توثيق المصطلحات، وتوثيق مصادرها والمعلومات المتعلِّقة بها، ونشرها في شكلِ معاجم مختصّة، إلكترونيّة أو ورقيّة»(2).

1.1 أهمية المصطلح

«المصطلحات هي مفاتيح العلوم، على حد تعبير الخوارزمي. وقد قيل إنّ فهم المصطلحات نصف العِلم، لأنّ المصطلح هو لفظ يعبر عن مفهوم، والمعرفة مجموعة من المفاهيم التي يرتبط بعضها ببعض في شكل منظومة. وقد ازدادت أهميّة المصطلح وتعاظم دوره في المجتمع المعاصر الذي أصبح يوصف بأنّه (مجتمع المعلومات) أو (مجتمع المعرفة)، حتّى أنّ الشبكة العالمية للمصطلحات في فينا بالنمسا اتّخذت شعار (لا معرفة بلا مصطلح). وقيل أيضًا اللغة وعاء المعرفة، والمصطلح هو الحامل للمضمون العلميّ في اللغة، فهو أداة التعامل مع المعرفة، وأسّ التواصل في مجتمع المعلومات. وفي ذلك تكمن أهمّيّته الكبيرة ودوره الحاسم في عمليّة المعرفة» (3).

2. المألات الخطرة لاستخدام المصطلح بصورةٍ موسيقية بحتة

أولًا: النزوع نحو «مكيجة الكلام».. إن البعضَ وربما الكثير مِن الشخصيّات المحسوبة على الوسط العلمي/البحثي تَستخدمُ «لغةً فراغية»، اللغة التي تستحوذُ على العوام من خلالِ برجها العاجي الذي يزين برطانة المصطلحات وعذوبة الكلمات وثقل الضبط النحوي واللغوي للخطابات، هذه اللغة التي تحول يومًا بعد يوم بين الناس ومشاكلهم وبين النخبة وخُطبهم، وتصنعُ فجوةً بين الواقع والتنظير إليه فلا يكون هناك فائدة من التفوه بأغرب الكلمات أمام العامة واستخدام لغة يصعب عليهم فهمها وتداولها، فهم يتعاملون باللغة – أي البسطاء – كوسيلةٍ لا غاية بخلاف أولئك «المثقفين» الذين يعتبرونها غايةً لا وسيلة. وعبّر علي الوردي عن هذه الأزمة حيث قال: «رأيتُ بعض الأساتذة في كليات بغداد يحاولون أن يجعلوا من غرفة الدرس برجًا عاجّيًا يتغزلون فيه بضوء القمر ولون الشفق، ولا يريدون أن ينزلوا إلى بحث المشاكل الاجتماعية التي يعاني الشعب منها ما يعاني. فهم يرون في هذا النزول تسفلًا لا يليق برجلِ الفكر. إنهم يذكروننا بميول الطبقة الاستحواذية التي تحاول، بكل ما في وسعها من جَهد، أن تختلقَ الوسائل والفوارق المصطنعة كي تتعالى بها وتتباهى على من دونها من سواد الناس».

سترى الكثير من المنشورات هنا وهناك في المنصات الرقمية تستخدم مصطلحات تبدو للظاهر أنها تنمُ عن شيء، وأن قائلها يرى شيئًا من خلالها لا يراه الناس، وبطبيعة الحال يكون هذا الاصطلاح معبر بشكل مبدئي وربما متسق أيضًا مع الحديث، لكن لو تحرينا الدقة قليلًا لوجدنا أنها مستخدمة لتنميقِ الحديث ليس إلا، في هذه الحالة ستجدون من الممكن مثلًا استخدام لفظ «أبستمولوجيا» بدلًا عن «نظرية المعرفة» أو «إشكالية» بدلًا عن «مشكلة» في سياق قد لا يكون بحاجة لتمييز واحدة على الأخرى.. وهلم جرًا.

ثانيًا: التعميمُ ومن ثم التضليل في استخدامِ – أي اصطلاح – في السياق الخطابي «دسّ السم بالعَسل».. هذه الطريقة في انتقاء المصطلحات العلمية سواء كانت على المنصات الرقمية التي تسهل تمييع استخدامها والتعامل معها بأسلوب بَسيط حد السذاجة أو حتى في الخِطابات الشَفهية لهؤلاء.. هي طريقة سيئة بالضرورة، فالمصطلحات لا تُعامل بالدونية هذه صراحةً ويكون التعامل معها بتحري الدقة الشديدة وعكس ذلك يجعل من وظيفة المصطلح غير مُجدية ويفقد قُدرتَه على التعبير. فكما تقول د. يمنى الخولي: «أن أخبثَ مواطن الداء في الثقافة العربية هي عدم الحرص على دقة المصطلح، حتى إن معظم المصطلحات المهمة والخطيرة فضفاضة تتسم بالهلامية، قد تستخدم للدلالة على مدلولات شتى متداخلة أو متقاربة أو متباعدة أو حتى متضاربة.. على الإجمال قد يدلُ المصطلح على أشياء كثيرة فلا يدل على أي شيء محدد، ونعجزُ في معظم الأحايين عن ربط الاسم بمسماه، ومن ثم عن الإتيان بالقول المحكم الدقيق، وكأننا نعاني فقرًا لغويًا مدقعًا»(4).

وحتى لا يظل الحديث في السياق النظري فحسب، سأعطيكم مثالًا.

سأستحضر مصطلحي «جندر وجنس» والدلالة اللفظية في كل منهما: وفقًا لجهد بحثي نشره مركز باحثات لدراسات المرأة فإن «كلمة« الجنس» تُشير إلى الاختلافات البيولوجيَّة والفسيولوجيَّة والنفسيَّة بين الجنسين، فيما يتعلق باختلاف الكروموسومات والهرمونات والأعضاء الجنسيَّة الداخليَّة والخارجيَّة، فوِفق مدلولات الجنس هناك عدة خصائص مكتسبة وطبيعيَّة تحدد صفات كل جنس وتحدد هويته، وهي المتمثلة في الفروق البيولوجيَّة. بينما «الجندر» يشير إلى البنية الاجتماعية والثقافية، وتصير «الفروق الجندرية» (باختلاف عن الفروق البيولوجية) كما جاء في المعجم النِّسوي: Gender Differences الصفات والخصائص المجتمعيَّة التي تتصل بالسلوك والمظهر، والملبس، والتَّعبير، والأدوار، وغيرها من الصفات التي تتقرر عند الولادة وتحدد جنس الأفراد».(5) فالأمر ينتقل أحيانًا من كونه فقط استخدامًا منمقًا إلى كونه استخدامًا مضللًا، فلفظة «جندر» وفقًا للتعريف السابق يشير إلى أن الدور الاجتماعي هو الذي يحدد هوية الفرد، وليس للفروق البيولوجية دور مهم في ذلك، «فالجندر» على هذا المنوال هو معطى ثقافي بالدرجة الأولى ولا شيء ثابت هنا. بخلاف لفظة «الجنس» التي تعطي انطباعًا بالثبات الهويّاتي، وتعطي للأسرة قيمتها وصيرورتها، وتبني مجتمعًا أكثر استقرارًا ومواجهةً على غرار «الجندر» الذي أعتبره شخصيًا عبارة عن صياغة هاربة من تركيب الواقع لا العكس.

إذًا نستطيع الخلوص إلى أن استخدام المصطلحات العربية أو (الأجنبية المقتبسة/المعربة/المنحوتة) في سياقٍ ما للتعبير عن فكرة الباحث هو أمر فيه من الضرورة الكثير، بل يعد من
الأمور التي تثري العلم وتطوره ليواكب الواقع وتعقيداته وهمومه. وإن كان كما أسلفنا القول يستخدم في بعض الأحيان استخدامًا مؤدلجًا أو ساذجًا، إلا إن استخدامه بهذا الشكلِ الجيد يعد من باب التوصيف السليم للظواهر الواقعية – والتوصيف أول الحل – وتحري الدقة في النظر، وإتقان العمل البحثي الإنساني وحمل الهم الجمعي بعيدًا عن الغرق في مشاكل جديدة والانسلاخ عن رواسب التقليد والتكرار والإعادة. وأن الفيصل في الحكم على جودة الاستخدام للاصطلاح هو الغاية البشرية في المقام الأول، فهي إما أن ترتفع به إلى عمل أجود، أو تنزل به فتكشف عن جهلها بيدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد